إفتتح دير مار يوسف- جربتا احتفالات يوبيل الـ25 سنة على إعلان قداسة رفقا، يوم السّبت، في قدّاس احتفاليّ ترأّسه الرّئيس العامّ للرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة الأباتي هادي محفوظ، في بازيليك القدّيسة رفقا.
وعاون محفوظ في القدّاس أمين السّرّ العامّ الأب طوني عيد ومرشد الدّير الأب ميشال اليان، بمشاركة السّفير البابويّ المونسنيور باولو بورجيا، ولفيف من الإكليروس، وذلك بحضور اللّبنانيّة الأولى السّيّدة نعمة عون ممثّلة رئيس الجمهوريّة العماد جوزيف عون، وعدد من الفعاليّات، إضافة إلى الرّئيسة العامّة لرهبانيّة الرّاهبات اللّبنانيّات المارونيّات الأمّ دولي شعيا ومجلس المدبّرات، رئيسات عامّات، رئيسة الدّير الأخت راغدة أنطون، ولفيف من الرّاهبات والرّهبان، وعدد المحسنين إلى الدّير ومدعوّين. وخدمت القدّاس جوقة الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة ورهبانيّة الرّاهبات اللّبنانيّات المارونيّات بإدارة رئيس دير مار مارون- عنّايا الأب ميلاد طربيه.
في بداية القدّاس، تلا السّفير بورجيا رسالة من البابا لاون الرّابع عشر، وقال بحسب “الوكالة الوطنيّة للإعلام”: “بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على إعلان قداسة القدّيسة رفقا بطرسيّة شوق الرّيس، يوجّه قداسة البابا لاون الرّابع عشر تحيّاته الحارّة إلى راهبات رهبانيّة الرّاهبات اللّبنانيّات المارونيّات، وإلى كلّ واحد منكم المجتمعين في هذه الذّكرى، وهو يؤكّد لكم قربه الرّوحيّ في وقت الشّكر هذا.
في هذا اليوبيل، يحثّكم على التّأمّل في القدّيسة والتّتلمذ في مدرستها. فلتواصل تعليمنا سرّ الحبّ المبذول والآلام الّتي تُقبل من أجل مجد الله وخلاص إخوتنا. ففي آلام السّنوات التّسع والعشرين الأخيرة من حياتها، أظهرت القدّيسة رفقا حبًّا متّقدًا بالله، وقد عرفت، في اتّحادها بالمسيح المائت على الصّليب والقائم من بين الأموات، أن تجد القوّة لتقبل إرادته وتواصل الحبّ في الألم. فلتبقَ لكم ينبوع ثقة وأنتم تواجهون محنًا قاسية. ولأنّها عاشت دائمًا في اتّحاد أمين بيسوع، ظلّت قادرة على عدم فقدان الرّجاء بالإنسان أبدًا. فلتسهر القدّيسة رفقا على لبنان، وبخاصّة على الّذين يعرفون الألم في أجسادهم وقلوبهم. وبشفاعتها، نسأل الرّبّ أن يفتح القلوب على السّلام. يدعوكم الأب الأقدس إلى أن تُظهروا للعالم محبّة يسوع المسيح، وهكذا عساكم تؤدّون شهادة مضيئة وملموسة للإنجيل، بأمانتكم في خدمة إخوتكم، وبكونكم صانعي سلام في وسط المحن الّتي يجتازها بلدكم.
وإذ يكلكم إلى حماية مريم العذراء الوالديّة، وإلى شفاعة القدّيسة رفقا، يمنحكم البابا، من صميم قلبه، البركة الرّسوليّة الّتي يطيب له أن تشمل عائلاتكم”.
وبعد تلاوة الانجيل المقدّس، ألقى الأباتي محفوظ عظة قال فيها: “مساحات المحبّة تُضاءُ، اليوم، أمام عيوننا، في أبهى تجليّاتها. إذ نحن، اليوم، في مساحة دير مار يوسف- جربتا، ضريح القدّيسة رفقا، نحتفل بمساحة خمس وعشرين سنة على إعلان قداستها، فتنجلي مساحات أخرى مرتبطةٌ بهاتَين المساحتَين، مساحاتٌ شديدةُ البهاء، مساحةٌ تلو المساحة، تتلوّن كلّ منها بأبهى حلّة، هي حلّة المحبّة”.
ثمّ تحدث عن حياة القدّيسة رفقا على الأرض وبعد الأرض وقال: “يا لها من مساحات محبّة! شكرًا لله عليها، وشكرًا للقدّيسين وخصوصًا اليوم للقدّيسة رفقا، لأنّها تظهر لنا وجه الإنسانيّة الرّائعة، وجه محبّة الآخر المتأتّي من القلب المكتشف محبّة الله والممتلئ منها. إنّ كلّ قدّيس، بقربه من الرّبّ يسوع المسيح، الإله الكامل والإنسان الكامل، يظهر حقيقة الإنسانيّة، وحقيقة كلّ إنسان”.
وأضاف: “لقد ذكّرنا قداسة البابا لاون الرّابع عشر في رسالته العامّة الأخيرة الّتي تحمل عنوان “الإنسانيّة الرّائعة”، والّتي أراد بشكل خاصّ أن يتطرّق فيها إلى قضيّة الذّكاء الاصطناعيّ، ذكّرنا أنّ “الإنسانيّة الرّائعة الّتي خلقها الله تقِفُ اليومَ عند مفترَقِ طرُقٍ وعليها أن تختار: إمّا أن تبني برجَ بابل جديدًا وإمّا أن تبني المدينة حيث يسكن الله والإنسانيّة معًا” (عدد 1).
هذا التّعليم يظهر كم إنّ قداسة البابا هو أيضًا مساحة محبّة، جميلةٌ جدًّا. إنّ قداسته يظهر، بشكل خاصّ، محبّة الله وعذوبته. ولا شكّ في أنّنا، في لبنان، نعمنا بمساحة محبّته إذ خصّ بلدنا بزيارة رسوليّة في نهاية السّنة الفائتة، في أوّل رحلة له خارج إيطاليا. له الشّكر، ليس فقط على هذه الزّيارة التّاريخيّة، بل أيضًا، على مواكبته اليوميّة لشؤون لبنان، وعلى صلاته من أجل وطننا ومن أجل السّلام في العالم كلّه. له الشّكر أيضًا على بركته الرّسوليّة وعلى تشجيعه من خلال الرّسالة الّتي وجّهها باسمه نيافة الكاردينال بيترو بارولين، أمين سرّ دولة الفاتيكان، في بداية هذا الاحتفال. وله صلاتنا، وله خضوعنا البنويّ الكامل”.
وتوجّه إلى السّفير البابويّ بورجيا، شاكرًا ايّاه على حضوره الاحتفال بهذا اليوبيل، وعلى تمثيله الاستثنائيّ لقداسة البابا ولمحبّته في لبنان، وعلى كلّ حضوره الكنسيّ والاجتماعيّ والدّبلوماسيّ، “الشّكر له كبير من الكثيرين الكثيرين في لبنان الّذين يقدّرون محبّته لوطننا والّتي تظهر بشكل خاصّ من خلال زياراته المتكرّرة الى البلدات المنكوبة في الجنوب العزيز الّذي من أجله نصلّي اليوم بشكل خاصّ”.
وأردف: “هناك أيضًا مساحة محبّة أودّ التّكلّم عنها بشكل خاصّ. إنّها مساحة وطننا الحبيب لبنان. إنّها مساحة محبّة ينصبّ عليها الكثير من الحقد والبغض والضّغينة. جمال بلدنا بأرضه وانسانه معروف، وتشتاق الدّنيا إلى إزاحة السّوء وتبيان بهاء هذا الجمال. قيمنا تدفعنا إلى التّشبّث بالسّلام، والى العمل من أجل الوحدة والعيش المشترك ومحبّة الجميع، بدون تمييز. نحن نريد العودة الى المفاهيم الصّحيحة لوجود الدّولة ولبنيانها وللحفاظ عليها كمساحة عيش مشترك هانئ. لنعد إلى المفاهيم الصّحيحة الّتي انتزعت من بيننا لألف حجّة وحجّة، يوم كان إعمال المنطق ممنوعًا عندنا. نحن نريد دولة الازدهار والنّموّ والنّجاحات والمواطنة والعيش الكريم والحرّ والعادل، دولة القيم، دولة احترام الإنسان، كلّ إنسان بدون أيّ تمييز، وكلّ الإنسان، في كلّ أبعاده، ومنها الرّوحيّة. لذا، نحن نجاهر بدعمنا لفخامة الرّئيس العماد جوزيف عون في مسيرته لبناء الدّولة الّتي نريد. صحيح، كما قال فخامتُه البارحة، إنّ مشكلةً عمرُها أكثرُ من نصف قرن، لن تنتهي بيوم أو يومين. ولكنّه صحيح أنّنا نتّكل على الله الّذي يريد خلاصنا، وأنّنا نعود فنقول عن فخامة الرّئيس: “طلعته مثل حرمون، وهو مهيب كأرزه” (نش 5: 15)، في إشارة إلى كلمات الجماعة في سفر نشيد الأناشيد، كلمات عن القائد والمنقذ من الأزمات. ننظر إلى فخامته قائدًا صلبًا، صاحب قضيّة وهدف، قائدًا يتكلّم مع الخارج وفق قناعاته الوطنيّة، وعينه على وحدة الدّاخل، بدون أن يسمح للدّاخل بإعاقة ما قد يعود بالخير على الوطن من خلال الكلام مع الخارج. رجاؤنا كبير أنّ هذه الصّلابة وهذه القيادة وهذا الاتّكال على الله، هذه الصّفات المقرونة بالقيم والطّيبة، سوف توصل سفينة لبنان إلى ميناء الأمان”.
وتوجّه إلى السّيّدة الأولى قائلًا: “نرجوك أن تنقلي إلى فخامته كلّ محبّتنا وكلّ صلاتنا من أجله. ونرجوك أن تقبلي منّا، أنت أيضًا يا حضرة السّيّدة الأولى، شكرنا الجزيل على حضورك اليوم بيننا، والشّكر المضاعف على الدّور الّذي تلعبينه، بكلّ جدارة ورقيّ، ومحبّة. إنّك، بكلّ ذلك، ترفعين اسم لبنان عاليًا وتسمحين لنا، كلبنانيّين، بالافتخار بك كسيّدة أولى في وطننا. إنّنا نفتخر بكما، أنت وفخامة الرّئيس بانفتاحكما على السّماء، من خلال حياتكما، ومن خلال زياراتكما إلى مزارات القدّيسين في عنّايا، وحريصا، وجربتا، وكفيفان، وأماكن كثيرة أخرى، زيارات تعبّران من خلالها عن الاتّكال على الله وعلى محبّته في مسيرتكما”.
وتابع: “إنّنا اليوم مجتمعون بفضل مساحة المحبّة الّتي تشكّلها رهبانيّة الرّاهبات اللّبنانيّات المارونيّات. إنّ أديارهنّ هي واحات صلاة وواحات تأمّل واتّصال دائم بالله. لهنّ الشّكر، من كلّ القلب، على شهادتهنّ الرُّهبانيّة وعلى تنظيمهنّ هذا الاحتفال. أودّ أيضًا شكرهنّ، بشكل خاصّ اليوم، على أنّ هذا الدير، دير مار يوسف– جربتا، ضريح القديسة رفقا، هو موقع روحيّ وواحة سماويّة بامتياز، وعلى أنّه موقع راقٍ يُظهر لكلّ زائر وجهَ لبنان الحضاريّ. نحن نفتخر أنّنا من جذع واحد، وأنّ تاريخنا واحد، ولو أصبحنا لاحقًا رهبانّيتَين. فرحنا كبير أنّنا نكمل المسيرة معًا، بكلّ أمانة لروح المؤسّسين وللروحيّة التي طبعت تاريخنا. لذا، أتوجّه، باسم الجميع، إلى حضرة الأمّ العامّة دولي شعيا الجزيلة الاحترام، مع مجمع الرئاسة العامّة، ومن خلالها إلى جميع الراهبات، بأحرّ التهاني بمناسبة هذا اليوبيل المبارك. إنّ الأم دولي شعيا التي تخدم كلمة الله بشكل مميّز معروفة بجدّيّتها والتزامها وعطائها، هذه المزايا التي تنعكس اليوم في برنامج اليوبيل وفي اجوائه. معها، أودّ أن أخصّ حضرة الأمّ راغدة أنطون، رئيسة دير مار يوسف– جربتا، مع جمهور الراهبات، لأنّ عملهنّ وحضورهنّ قرب الضريح مميّز. وأخصّ أيضًا بالذكر، لأنّهم، وبشكل خاصّ، شهود على استمراريّة تاريخ رهبانيّتَينا المشترك، حضرة الآباء الرهبان مرشدي أديار الراهبات، خاصًّا حضرة الأب الرئيس الياس الجمهوري مرشد الرهبانيّة، وحضرة الأب ميشال اليان مرشد دير مار يوسف جربتا. كما أريد أن أذكر حضرة الأب بولس قزي، مرشد دير مار يوسف– جربتا السابق، لأنّه، يوم كان طالب دعاوى القديسين في الرهبانية، هو الذي أمسك بملف اعلان قداسة رفقا واوصله الى خواتيمه السعيدة سنة 2001. في تلك السنة، كنت لا أزال راهبًا كاهنًا دارسًا في روما، فتستطيعون التفكير كيف تحملني الذكريات اليوم الى تلك الفترة.
لم يكن هذا الاحتفال لينجح لولا مساحة المحبّة التي شكّلها كثيرون تعبوا في شتى المجالات. فلهم جميعِهم، جميعِهم، الشكر والصلاة. وأتوجّه أيضًا إلى مساحة المحبّة التي يشكّلها المحسنون إلى هذا الدير والى رهبانيّة الراهبات اللبنانيّات المارونيّات، لأنّهم يشهدون بأنّ ما لدينا من خيرات على الأرض بركة، وهي كذلك خصوصًا عندما نشهد، أيضًا من خلال الخيرات، أنّ الأرض مفتوحة هي صوب السماء.
إنّ القداسة هي مساحة المحبّة التي لا تنضب، وكم نحن موضوع محبّة الله التي تعطينا قديسين وقديسات مثل القديسة رفقا.”
وإختتم الأباتي محفوظ: “في هذا اليوبيل، نستمطر الغفران ونسأل البركة والشّفاعة من القديسة رفقا. اليوم، نبدأ يوبيل سوف يختتم مع بداية يوبيل ثانٍ، هو يوبيل الخمسين على إعلان قداسة مار شربل، في ٩ تشرين الأول ١٩٧٧. فتنجلي، مرة جديدة، بركات السماء علينا، بركات تبدّد الظلام، لأنّها مضاءة، ساطعة، على الدوام، مساحاتِ المحبّة”.
وفي ختام القدّاس، ألقت الأمّ شعيا كلمة شكر قالت فيها:
“نَفتَتحُ اليومَ اليوبيلَ الخامسَ والعشريــنَ لإعلانِ قداسةِ أختِنَا رفقا، لنرفَعَ الشُّكرَ للّه، الَّذي يجعلُ مِنَ الألمِ طريقًا إلى النُّور، ومن “الجُرحِ السَّادسِ” صلاةً من أجلِ لبنَانَ والشَّرق.
في العاشر من حزيران سنة 2001، يوم أعلن البابا القديس يوحنَّا بولس الثَّاني قداسةَ رفقا، قال: “هذهِ الرَّاهبة من الرَّهبانيَّة اللُّبنانيَّة المارونيَّة، أرادَت أن تُحبّ، وأن تبذُلَ حياتَها من أجلِ شَعبِها”. وقال أيضًا: “في الآلامِ الَّتي رافَقَتْهَا، بلا انقِطَاعٍ طَوالَ تِسعٍ وعشرينَ سنةً من حياتِها، أظهَرَت القدِّيسة رفقا دائمًا محبَّةً مُتَّقِدَةً وسخيَّةً لخلاصِ إخوَتِهَا. فاستمدَّت مِن اتِّحادِها بالمسيح، الَّذي مات على الصَّليب، القوَّةَ لِتَقْبَلَ طَوعًا وتُحِبَّ في الألم، الطَّريق الأصيل إلى القدَاسة”. وطلبَ البابا يومَهَا: “أن تسهرَ القديسةُ رفقا على المتألّمين، ولا سيَّما على شعوبِ الشَّرق الأوسط، الَّتي تُواجِهُ دوَّامةً مُدمِّرَةً وعَقيمَةً مِنَ العُنف… وأن يفتحَ الرَّبُّ القلوبَ للسَّعي الصَّبورِ إلى دروبٍ جديدةٍ نَحوَ السَّلامِ، وأن يُعَجِّلَ حلولَ المُصالَحَةِ والوئَام” (عظة البابا يوحنَّا بولس الثَّاني في إعلان قداسة 5 طوباويِّـــين، عيد الثَّالوث الأقدس، 10 حزيران 2001، المقطع 6).
واليومَ، بعد خمسٍ وعشرينَ سنةً، يتردَّدُ صدَى هذه الكلماتِ أَنفُسِهَا على لسانِ صاحبِ القداسة البابا لاوُون الرابع عشر. فقد قال في القدَّاس الإلهيّ في واجهة بيروت البحريَّة: “يا لبنان، قُم وانهَض! كُن بيتًا للعَدلِ والأخوَّة! كُن نبوءَةَ سلامٍ لكلِّ المشرِق! وقال أيضًا: “إن السَّلام يبدأ من نَزعِ السِّلاح من القُلُوب، ومِن رَفضِ مَنطِقِ الانتقامِ والعُنف، ومن تربية القُلوبِ على المُصالحَة (قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر، عظةٌ في القدَّاس الإلهيّ في واجهة بيروت البحريَّة، 2 كانون الأوَّل 2025). كما وقال عن القدِّيسة رفقا: “كم هو فريدٌ الجمال الَّذي يتجلَّى في حياة القدِّيسة رفقا، تلكَ الَّتي صبرَت على آلامِ المرض سنواتٍ طويلةٍ بقوَّةٍ ووداعة” (قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر، كلمةٌ في اللِّقاء مع شبيبة لبنان في السَّاحة الأماميَّة لبطريركيَّة أنطاكية للموارنة في بكركي، 1 كانون الأوَّل 2025).”
واضاف: “مَا أغرَبَ أن يتَشَابَهَ الجُرحُ عَبْرَ الزَّمن، وأن يبقَى لبنان، بَينَ أمسِ رفقا ويومِنَا، واقِفًا على تُخُومِ الألمِ والرَّجاء. عرفَت القدِّيسةُ رفقا لبنانَ المجروح، عام 1860 في مجازِرِ ديرِ القمر، حيثُ اختلطَت الدُّموعُ بالدِّماء، وارتجفَ الأطفالُ مِنَ الخوف، وتشرَّدَ الأبرياء. وها نحنُ اليومَ، بعدَ سنينَ طويلة، لا نزالُ نعرفُ لبنانَ نفسَهُ: وطنَ رفقا الموجوع، القلِقَ على مصيرِه، على شبابِه، على سلامِه، على رسالتِه، وكأنَّ التَّاريخَ يطرُقُ بابَنا من جديد. لكنَّ الرَّبَّ، الَّذي “لا يُهمِلُ ولا يترُكُ شعبَهُ” (يش 1: 5)، يُقيمُ لنا في كلِّ زمنٍ محطَّاتِ نُورٍ، ويمنحُنَا قدِّيسِينَ يتركُونَ لنا أمثِلَةً رائعَةً في الرَّجاء. وها هو لبنانُ، في هذه الأيَّام، يُعطَى من جديدٍ علاماتٍ سماويَّةً تُضيءُ عتمتَه: فننتظرُ بفرحٍ إعلانَ تطويبِ الأبِ بشارة بو مراد، رجلِ الصَّلاةِ والخدمةِ الخفيَّة، والبطريركِ الياس الحويّك في 25 تمُّوز 2026، حارسِ رسالةِ لبنانَ في العواصف، ونرفعُ صلاتَنا أيضًا ليكتملَ هذا النُّورُ بإعلانِ قداسةِ الطُّوباويِّ الأخ إسطفان نعمة، راهبِ الصَّمتِ والعملِ اليوميّ، ليبقى لبنانُ، على الرُّغم من نزفِهِ، أرضًا تلدُ القداسة، وتُقدِّمُ للكنيسةِ شهودًا يقولون إنَّ الجُرحَ لا يُنهي الرِّسالة، بل يُطهِّرُها؛ ولا يُطفِئُ الرَّجاء، بل يجعلُهُ أكثرَ توهُّجًا. لذلكَ، تقولُ لنا رفقا، في هذا اليومِ المُقدَّس،: إنَّ القداسةَ ليست هروبًا من جُرْحِ الوَطَن وهِجرَةً مِنهُ، ولا انسِحَابًا من وَجَعِ النَّاس، بل هي دخولٌ مع المسيحِ إلى عُمقِ الألم، حيثُ يُصبحُ الجُرحُ قُربانًا، والدَّمعُ صلاةً، والصَّمتُ شفاعةً، والعَتَمَةُ فجرًا ينتظرُ بزوغَه.”
وتابعت: “نفتتحُ هذا اليوبيل بفعلِ شكرٍ لله على عطيَّةِ القديسة رفقا، ابنةِ لبنانَ والكنيسةِ، ابنةِ الرَّهبانيَّةِ اللُّبنانيَّةِ المارونيَّة، شاهدةِ “المحبَّةِ الَّتي لا تَلتَمِسِ ما هو لهَا… ولا تفرَحُ بالظُّلمِ، بل تفرحُ بالحَقّ” (1 قور 13: 5، 6). ولأنَّ عنوانَ سنةِ اليوبيلِ هو “نَهجُ قداسة”، فإنَّه طريقٌ نسلُكهُ معًا. هناكَ حجٌ جغرافيٌّ يقودُنا على خُطى رفقا، من حملايا، حيثُ أشرقتْ طفولتُها وبداياتُ دعوتِها، إلى بكفيَّا، وديرِ القمر، ومَعاد، وأيطو، وطرابلس، وجبيل، وصولًا إلى جربتا، حيثُ اكتملَتْ ذبيحتُها بصمتٍ ونور. لكنَّ هذا الحجَّ الجغرافيَّ لا يكتملُ إلا إذا صارَ نهجَ قداسة: من أرضِ الذَّاكرةِ إلى أرضِ التَّوبة، ومن زيارةِ الأماكنِ إلى تغييرِ القلب، ومن تتبُّعِ خُطاها على الطُّرقاتِ إلى اتِّباعِ روحانيَّتها في الحياةِ اليوميَّة. فرفقا لا تدعونا فقط إلى أن نزورَ أمكنةً مرَّت بها، بل إلى أن نَعبُرَ مثلَها من بساطةِ الطُّفولةِ إلى نُضجِ الإيمان ومن الألمِ إلى القُربان، حتَّى يصبحَ كلُّ واحدٍ منَّا، في مكانِهِ ودعوتِهِ، حاجًّا نحوَ القداسة.”
وتوجهت الى السيِّدةِ الأولى بالقول: “إنَّ القدِّيسةَ رفقا، الَّتي عرفتْ لبنانَ المجروحَ وحملتْه في صلاتِها وألمِها، تُسلِّمُنا اليومَ رسالةً وطنيَّةً وروحيَّةً في آنٍ واحد: أنَّ الأوطانَ لا تُشفَى حين تُنسَى جراحُها، بل حين تتحوَّلُ هذه الجراحُ إلى مسؤوليَّة، وإلى عملٍ صادقٍ من أجلِ السَّلامِ والكرامةِ والعدالة. ومن خلالِ حضورِكُم الكريم ممثِّلةً فخامةَ رئيسِ الجمهوريَّة اللُّبنانيَّة العماد جوزاف عون المحترم، نرفعُ صلاتَنا إلى الله، بشفاعةِ القدِّيسة رفقا، من أجلِ فخامتِه، طالبينَ له الحكمةَ والقوَّةَ والثَّباتَ في خدمةِ لبنان، ليبقى الوطنُ بيتًا جامعًا، وَلِتَبقَى الدَّولةُ حاضِنةً لجميعِ أبنائِها، وليبقى لبنانُ “وطنَ الرِّسالة” (القدِّيس البابا يوحنَّا بولس الثَّاني)، وموضعَ العيشِ معًا، وأرضًا لا ينتصرُ فيها الخوفُ على الرَّجاء.”
وختمت بشكر السَّفيرِ البابويّ على “حضورهِ ومحبَّتهِ وقُربِهِ من كنيستِنَا ووطنِنَا، وعلى ما يمثِّلهُ بينَنَا مِن شركَةٍ حيَّةٍ مع الكرسيّ الرسوليّ وبشكلٍ خاصّ مع قداسة الحبرِ الأعظم البابا لاوُن الرَّابع عشر، الَّذي نَكُنُّ لقَدَاسَتِه أسمى آياتِ الشُّكرِ والامتنان، لا سيَّما على الكلمةِ الأبويَّة الَّتي وجَّهها إلينا في مناسبةِ هذا اليوبيل بواسطةِ أمين سرّ دولة قداسَتِه، الكردينال بياترو بارولين، كما نوجِّهُ تحيَّةَ شكرٍ وتقديرٍ إلى المونسنيور ياكوب توماشفسكي سكرتيرِ السفارةِ البابويَّةِ في لبنان، على حضورِهِ ومشاركتِهِ.”
كما شكرت “الأب العام محفوظ ومُمثِّليهم والآباء العامِّين والرَّئيسات العامَّات، المدبّرين العامِّين والمدبِّرات العامَّات، إلى الآباء والكهنة والرُّهبان والرَّاهبات، على حضورهم ومشاركتهم في هذا الاحتفال اليوبيليّ، الَّذي يُعبِّرُ عن شركةٍ كنسيَّةٍ حول القدِّيسة رفقا.”
كما شكرت كلّ من ساهم في تنظيم الاحتفال والقدّاس.
وبعد القدّاس، أقيمت مأدبة غداء على شرف السّيّدة عون والمشاركين في القدّاس.
والقت الاخت انطون كلمة ترحيب قالت فيها: “نلتقي اليوم في دير مار يوسف – جربتا، وقد ارتفعت صلاتُنا معًا في ذبيحة الشكر، لافتتاح يوبيل خمسٍ وعشرين سنة على إعلان قداسة القديسة رفقا، هذه القدّيسة التي خرجت من بساطة الحياة، وسارت في درب الألم بصمتٍ، فصارت نورًا للكنيسة، وعزاءً لكلّ متألّم”.
اضافت: “رفقا لم تطلب المجد، ولم تبحث عن الظهور، بل اختارت طريق الاتّحاد الكامل بالمسيح المصلوب. في صمتها كانت صلاة، وفي ألمها كانت رجاءً، وفي أمانتها اليوميّة كانت قداسة. من حياتها نتعلّم أنّ القوّة الحقيقيّة لا تُقاس بما نملك، بل بما نقدّم؛ وأنّ الإيمان الراسخ قادر أن يحوّل الوجع رسالةً، والعتمة نورًا، والضعف شهادة حيّة.
من هذا العمق الروحي، نرفع أوّل كلمة شكر لله، الذي منح كنيستنا ولبنان هذه الشفيعة الحنونة، لتبقى علامة رجاء في زمن التقلّبات، وحضور نعمة في قلب المعاناة.
ويسرّنا أن نتوجّه بكلمة تقدير وامتنان إلى السيّدة الأولى نعمت عون المحترمة، ممثّلةً رئيس الجمهوريّة، على حضورها ومشاركتها معنا هذا الحدث الروحي. إنّ حضوركم بيننا يعكس إيمانًا راسخًا، ومحبّة صادقة لقدّيسي لبنان، هؤلاء الذين حفظوا هذا الوطن بصلواتهم، وحملوه في قلوبهم في أحلك الظروف. إنّ مشاركتكم اليوم هي رسالة دعم لرسالة هذا الدير، وتأكيد على أنّ لبنان، رغم أزماته، يبقى أرض قداسة ورجاء.
كما نرحّب بالسفير البابوي ونعبّر عن امتناننا العميق لحضوره بيننا. إنّ وجودكم في هذا اليوم المبارك هو علامة شركة حيّة مع الكرسي الرسولي، وتعزية روحيّة لكنيستنا في لبنان، وتأكيد أنّ الكنيسة الجامعة ترافق أبناءها، تعضُدهم، وتصلّي معهم ومن أجلهم”.
وتابع: “نرفع صلاة خاشعة من أجل وطننا لبنان: من أجل السلام والاستقرار، ومن أجل كرامة الإنسان فيه، سائلين شفاعة القديسة رفقا، لتعلّمنا كيف نحمل صليب هذا الوطن بإيمان ثابت، وصبرٍ صامت، ورجاء لا يخيب”.
وشكرت للأمّ العامّة شعيا رعايتها ومرافقتها الدائمة، ولجميع الأخوات الراهبات، “اللواتي يجسّدن روح الرهبانيّة في الصلاة والخدمة والتجرّد، سائرات على خطى القديسة رفقا في الأمانة والبذل والصمت المثمر”.
واردفت: “لا بدّ لنا، وبخشوع خاص، أن نخصّ محسنينا الكرام بكلمة شكر عميقة من القلب. إنّ علاقتكم بهذا الدير ليست علاقة دعمٍ مادي فحسب، بل علاقة روحيّة حيّة، متجذّرة في محبّتكم للقديسة رفقا الحنونة، وثقتكم بشفاعتها، وإيمانكم برسالة هذا المكان. لولا سخاؤكم، وصلاتكم، ومرافقتكم، لما كان هذا الدير يعجّ بالحياة كما هو اليوم، ولما استطاع أن يستمرّ بكونه منارة صلاة، وتعزية، ورجاء. إنّكم شركاء فعليّون في الرسالة، وحاضرون في كلّ نعمة تُمنح، وكلّ صلاة تُرفع، وكلّ قلبٍ يجد السلام بين جدران هذا الدير”.
وختمت الاخت انطون: “نضع هذه السنة اليوبيلية بين يدي الله، طالبين أن يكون زمن نعمةٍ متجدّدة، لا للاحتفال فقط، بل للتعمّق في دعوة القداسة التي نُدعى إليها جميعًا. نصلّي من أجل كلّ من أحبّ هذا الدير وخدمه ورافقه، ومن أجل كلّ من يقصده اليوم أو غدًا طالبًا نورًا أو عزاءً أو شفاءً. ليبارككم الله جميعًا، ولتكن شفاعة القديسة رفقا سندًا لكم، وليحفظ الله لبنان، ويُبقي هذا الدير علامة رجاء حيّة في قلب الكنيسة والوطن”.



