16 يونيو 2026
الفاتيكان

إلامَ دعا البابا الكهنة في رسالته الخاصّة باليوم العالميّ للصّلاة من أجل تقديسهم؟

في اليوم العالميّ للصّلاة من أجل تقديس الكهنة، في عيد قلب يسوع الأقدس، توجّه البابا لاون الرّابع عشر برسالة إلى جميع الكهنة، شاملًا نفسه معهم، حاثًّا إيّاهم على القداسة الّتي يدعوهم إليها الله.

وفي هذه الرّسالة كتب البابا بحسب “فاتيكان نيوز”: “أيّها الإخوة الكهنة الأحبّاء، في اليوم الّذي تتأمّل فيه الكنيسة قلب ربّها المطعون، الّذي ينبثق منه ينبوع سلام ووحدة لا ينضب للبشريّة جمعاء، أوجّه أوّلًا إلى نفسي وإليكم جميعًا الكلمات الّتي خاطب بها الله شعب إسرائيل: “كونوا قدّيسين، لأنّي أنا الرّبّ إلهكم قدّوس”. إنّ هذه الدّعوة الإلهيّة تخترق القرون، ليتردّد صداها اليوم أيضًا بقوّة في نفس كلّ مؤمن، وبشكل يطالبنا نحن الكهنة بشكل خاصّ. فالقداسة ليست خيارًا من بين خيارات متعدّدة، ولا هي مثال مجرّد، بل هي تمسّ الهويّة الجوهريّة لكلّ شخص يرغب في المشاركة في حياة القائم من بين الأموات.

إنّ الله يدعونا للمشاركة في قداسته عينها. وعندما يدعونا لنكون قدّيسين لأنّه هو قدّوس، هو يبيِّن لنا الدّرب الّذي علينا أن نسلكه: أن نسمح بأن نُصاغ بحسب قلبه. وبالنّسبة لنا، أيّها الإخوة الأحبّاء، هذه الدّعوة هي جذريّة. فالرّبّ قد وعد قائلًا: “وأعطيكم رعاة على وفق قلبي، فيرعونكم بعلم وفطنة”. إنّ القداسة المطلوبة منّا هي تسليم واثق: أن نسمح للرّوح القدس أن يحوِّلنا. ومع ذلك، هنا تحديدًا تبرز المفارقة الكبرى في حياتنا الكهنوتيّة: فنحن مدعوّون للمشاركة في قداسة الله عينها، لكنّنا نحمل هذا الكنز في أوانٍ من خزف، إذ أنّنا محدودون وغير كاملين، وغالبًا ما نكون مطبوعين بالضّعف والتّعب، وبالجراح أحيانًا. فكيف لقلب بشريّ، على هذا القدر من الهشاشة، أن يستجيب لدعوة سامية كهذه؟ يعيش الكاهن هذا التّوتّر، لكنّه يعرف أين يجد السّلام: في جنب الرّبّ يسوع المفتوح.

إنّ اتّحاد قلبنا بقلب المسيح ليس خبرة محفوظة لقلّة مختارة، بل هو مسيرة أسراريّة وإفخارستيّة تتحقّق في الحياة اليوميّة. أيّها الإخوة الأحبّاء، لقد صرنا في السّيامَة الكهنوتيّة على صورة المسيح ومثاله، ولكن من الضّروريّ دائمًا أن نُذكي فينا موهبة النّعمة عبر الاحتفال اليوميّ بالإفخارستيّا، والصّلاة، والتّأمّل في كلمة الله، والخدمة المتواضعة للإخوة والأخوات. فلنبقَ متّحدين بالمسيح في كلّ شيء: في ما نصنعه وفي ما يحدث لنا يوميًّا. عندها، ستظهر القداسة- الّتي نطلبها عبثًا بجهود معزولة- على حقيقتها: وهي الاستجابة للنّعمة الّتي تسبقنا، وتعضدنا، وتحوِّلنا. فليس هناك في إنسانيّتنا أجزاء منفصلة؛ إذ تصبح الصّلاة، والخدمة الرّاعويّة، والعلاقات، والتّعب، والأفراح والإخفاقات، وحتّى الوقت الّذي يبدو ضائعًا أو الحبّ الّذي يظهر مهدورًا، مكانًا مميّزًا لتجلّي الله ومحبّته اللّامتناهية.

إنّ الكاهن ذا القلب السّليم، البسيط والنّقيّ، هو متأمّل في قلب العمل، رحيم، وأمين في المحنة، وفرح في بذل ذاته. إنّ العالم في حاجة ماسّة إلى رعاة لا يقدّمون مجرّد كلمات أو برامج، بل شهادة حيّة لقلب متصالح، فينشرون عطر قداسة المسيح الذّكيّ. إنّ حياة كهنوتيّة راسخة ومتشبّهة بقلب يسوع هي علامة صادقة للوحدة والسّلام والرّحمة. وهكذا، في زمن مطبوع بالانقسامات والمخاوف، يمكننا أن نكون صنّاع سلام، وشهودًا لرأفة الرّاعي الصّالح، الّذي يعرف كيف يجمع المشتّتين ويضمّد الجرحى، فلا يكون حماسنا مجرّد اضطراب، بل فيضًا لمحبّة “هي نشوة، هي خروج، هي عطيّة، هي لقاء”.

إنّ الاستجابة للدّعوة إلى القداسة لا تكمن في الجهد من أجل الزّهد والكمال، فحسب، رغم أنّه ضروريّ، بل في الاتّباع الواثق للمحبّة الّتي ظهرت في قلب يسوع المطعون. يدعونا الرّسول يوحنّا إلى التّأمّل في جنب المصلوب المفتوح، حيث يُظهر لنا الله بشكل قاطع كيف أنّه قدّوس: ليس في البعد الّذي لا يمكن بلوغه لكمال منفصل، بل في محبّة تبذل ذاتها حتّى تُجرح، لتصبح من ثمَّ نبعًا للرّحمة والحياة. إنّ قلب يسوع الأقدس هو أيقونة محبّة الله بامتياز: محبّة قادرة على كلّ شيء لأنّها قادرة على أن تجعل نفسها ضعيفة، وأن تحوِّل الألم إلى نعمة، والمعاناة إلى رجاء.

لذا، فإنّ ذلك القلب المبارك هو “المكان” الّذي تظهر فيه القداسة كقرب وحنان. وعندئذٍ، يمكن لقداسة الكاهن أن تتجلّى في القرب المتواضع والشّجاع، وفي أن يكون للجميع ومن أجل الجميع، مبقيًا باب الحظيرة مفتوحًا لكي يتمكّن الكثيرون من أن يدخلوا ويجدوا المرعى والرّاحة. ولهذا السّبب، يُطلب منّا علاقة مع الله لا تبعدنا عن البشر، بل تجعلنا قريبين من الجميع، وتصوغ قلوبًا صبورة، حنونة، قادرة على الاقتراب، والشّفقة، والإصغاء. وهكذا، من خلال اتّحاد قلبنا غير الكامل بقلب يسوع المطعون، تتحقّق مسيرتنا نحو القداسة؛ فلا نحيا نحن بعد، بل المسيح يحيا فينا. إنّ قداسة كهذه لا تُعاش بشكل فرديّ؛ فاحرصوا على الأخوَّة الكهنوتيّة: تواصلوا، واصغوا لبعضكم البعض، واعضدوا بعضكم بعضًا. فالكاهن الّذي ينعزل ينطفئ ببطء، أمّا الكاهن الّذي يسير مع إخوته فينمو. وهذا ما يذكّرنا به القدّيس أوغسطينوس قائلًا: “كيف لا نجد أنفسنا في الظّلمات؟ بمحبّة الإخوة. وما الدّليل على أنّنا نحبّ الإخوة؟ هو هذا: ألّا نكسر الوحدة وأن نحفظ المحبّة”.

أيّها الكهنة الأحبّاء، جدّدوا في كلّ يوم كلمة “هأنذا” أمام قلب المسيح المطعون. سلّموا ذواتكم بالكامل له، لكي تتمكّنوا من أن تحبّوا شعبه بالمحبّة نفسها الّتي يحبّهم بها. وتذكذروا بفرح، كما كان يحلو لخوري آرس القدّيس أن يردّد، أنّ “الكهنوت هو محبّة قلب يسوع”. هذه المحبّة هي عربون وضمانة بأنّ لا شيء منّا سيضيع، إذا ما سلّمنا أنفسنا بالكامل وقدّمناها. أوكلكم جميعًا، فردًا فردًا، إلى العذراء مريم، أمّ الكهنة؛ لتعلّمنا هي الّتي حفظت في قلبها سرّ الابن، أن نحفظ قلب المسيح، مخلّص العالم، ونجعله ينبض فينا.”