العالم
16 نيسان 2026, 05:00

كيف وصف البابا رحلته إلى الجزائر وما كانت أبرز محطّات يومه الأوّل في الكاميرون؟

تيلي لوميار/ نورسات
"لقد كانت حلة وزيارة مباركة حقًّافضلاً عن كونها فرصة رائعة لمواصلة بناء الجسور وتعزيز الحوار". هكذا وصف البابا لاون الرّابع عشر زيارته الرّسوليّة إلى الجزائر في طريقه إلى ياوندي بالكاميرون، في حديث مع الصّحفيّين السّبعين الّذين يرافقونه.

وإستعرض حصيلة المرحلة الأولى من زيارته الرّسوليّة، شاكرًا للسّلطات الجزائريّة وللكنيسة المحلّيّة "الصّغيرة ولكن ذات حضور لافت"، مؤكّدًا على آنيّة رسالة القدّيس أوغسطينوس في "السّعي للوحدة بين جميع الشّعوب والاحترام المتبادل رغم الاختلافات"، وتذكّر زيارته للجامع قائلًا: "رغم اختلاف المعتقدات وطرق الصّلاة، يمكننا أن نعيش معًا في سلام".

وعند السّاعة الثّانية وسبعة وخمسين دقيقة، حطّت الطّائرة البابويّة في مطار ياوندي الدّوليّ، حيث كان في استقباله السّفير البابويّ في الكاميرون المطران خوسيه أفيلينو بيتنكور، ورئيس الوزراء الكاميرونيّ جوزيف ديون نغوتي، وقد قدّم له طفلان بالزّيّ التّقليديّ باقات من الزّهور رمزًا للمودّة والتّرحيب. وعلى وقع الأناشيد الوطنيّة وتحيّة الأعلام، استعرض البابا حرس الشّرف، قبل أن ينتقل الموكب لمسافة ٢٠ كيلومترًا باتّجاه القصر الرّئاسيّ من أجل زيارة مجاملة، وقد استقبله الرّئيس بول بيا بحضور السّيّدة الأولى شانتال بيا، وشمل تقديم أفراد العائلة الرّئاسيّة، والتقاط الصّورة الرّسميّة، وتوقيع البابا في سجلّ الشّرف، قبل أن ينفرد الطّرفان في اجتماع خاصّ تلاه تبادل للهدايا التّذكاريّة.

بعدها توجّه الحبر الأعظم إلى قاعة الاجتماعات الكبرى، حيث التقى السّلطات، والمجتمع المدنيّ، والسّلك الدّبلوماسيّ في البلاد. وللمناسبة وجّه إليهم كلمة قال فيها بحسب "فاتيكان نيوز": "أشكركم من أعماق قلبي على الاستقبال الحارّ الّذي خصّصتموني به، وعلى كلمات التّرحيب الّتي وُجهت إليّ. إنّه لمن دواعي سروري العميق أن أتواجد في الكاميرون، الّتي تُوصف غالبًا بأنّها "أفريقيا في نموذج مصغَّر"نظرًا لغنى أراضيها وثقافاتها ولغاتها وتقاليدها. إنّ هذا التّنوّع ليس ضعفًا، بل هو كنز؛ وهو يمثّل وعدًا بالأخوّة وأساسًا راسخًا لبناء سلام دائم.

لقد جئت بينكم كراعي وكخادم للحوار والأخوّة والسّلام. إنّ زيارتي هذه تُعبّر عن محبّة خليفة بطرس لجميع الكاميرونيّين، وعن الرّغبة في تشجيع كلّ فرد على الاستمرار، بحماس ومثابرة، في بناء الخير العامّ. نحن نعيش في زمن يتفشّى فيه الاستسلام، ويميل فيه الشّعور بالعجز إلى شلّ حركة التّجديد الّتي تشعر بها الشّعوب في أعماقها. كم هو عظيم الجوع والعطش إلى العدالة! وكم هو عظيم العطش إلى المشاركة، والرّؤى، والخيارات الشّجاعة، والسّلام! إنّ رغبتي الكبيرة هي أن أصل إلى قلب الجميع، ولاسيّما الشّباب، المدعوّين لصياغة عالم أكثر إنصافًا، حتّى في أبعاده السّياسيّة. كما أعتزم الإعراب عن الإرادة في تعزيز روابط التّعاون بين الكرسيّ الرّسوليّ وجمهوريّة الكاميرون، القائمة على الاحترام المتبادل، وكرامة كلّ شخص بشريّ، والحرّيّة الدّينيّة.

تحتفظ الكاميرون في ذاكرتها بزيارات أسلافي: زيارة القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، رسول الرّجاء لجميع شعوب أفريقيا، وزيارة بندكتس السّادس عشر، الّذي أكّد على أهمّيّة المصالحة والعدالة والسّلام، فضلًاً عن المسؤوليّة الأخلاقيّة للحكّام. أعلم أنّ هذه اللّحظات قد طبعت تاريخكم الوطنيّ كدعوات ملزمة بروح الخدمة والوحدة والعدالة. لذا، يمكننا أن نتساءل: أين نحن الآن؟ وكيف أثمرت الكلمة الّتي أُعلنت لنا؟ وما الّذي يتبقى علينا فعله؟

كتب القدّيس أوغسطينوس، لألف وستمائة سنة خلت، كلمات تتّسم بآنيّّة كبيرة: "إنَّ الّذين يترأّسون إنّما يخدمون الّذين يبدو أنّهم يرأسونهم. فهم لا يأمرون بدافع الرّغبة في التّسلّط، بل بواجب الرّعاية؛ ولا بكبرياء الفرض، بل برحمة الوقاية". ومن هذا المنظور، فإنّ خدمة الوطن تعني التّفاني بذهن متّقد وضمير نزيه في سبيل الخير العامّ لكلّ الشّعب: للأغلبيّة، وللأقلّيّات، ولانسجامهم المتبادل.

اليوم، ومثل العديد من الأمم الأخرى، يمرّ بلدكم باختبارات معقّدة. إنّ التّوتّرات وأعمال العنف الّتي ضربت بعض مناطق الشّمال الغربيّ والجنوب الغربيّ وأقصى الشّمال قد تسبّبت في معاناة عميقة: أرواح فُقدت، وعائلات نزحت، وأطفال حُرموا من المدارس، وشباب لا يرون مستقبلًا. خلف الإحصائيّات هناك وجوه، وقصص، وآمال جريحة. وأمام هذه الأوضاع المأساويّة، وجّهتُ في بداية العام الحاليّ دعوة للبشريّة لرفض منطق العنف والحرب، من أجل معانقة سلام يقوم على المحبّة والعدالة. سلام يكون مُجرَّدًا من السّلاح، أيّ لا يقوم على الخوف أو التّهديد أو التّسلّح؛ ويُجرِّد من السّلاح، لأنّه قادر على حلّ النّزاعات، وفتح القلوب، وتوليد الثّقة والتّعاطف والرّجاء. لا يمكن اختزال السّلام في شعارات، بل يجب تجسيده في أسلوب حياة، شخصيّ ومؤسّساتيّ، ينبذ كلّ أشكال العنف. ولهذا أكرّر بقوّة: "إنَّ العالم يعطش إلى السّلام [...]. كفى حروبًا، بما تخلّفه من أكوام مؤلمة من الموتى والدّمار والمنفيّين!". تريد هذه الصّرخة أن تكون نداءً للإرادة للمساهمة في سلام حقيقيّ، مع وضعه فوق أيّ مصلحة فئويّة.

إنّ السّلام، في الواقع، لا يُقرّر بمرسوم، بل يُقبل ويُعاش. إنّه عطيّة من الله، تنمو من خلال عمل جماعيّ وصبور. إنّه مسؤوليّة الجميع، وفي المقام الأوّل السّلطات المدنيّة. إنّ الحكم يعني محبّة الوطن وأيضًا البلدان المجاورة؛ فالوصيّة القائلة "أحبّ قريبك كنفسك" تسري أيضًا في العلاقات الدّوليّة! إنّ الحكم يعني الإصغاء الحقيقيّ للمواطنين، وتقدير ذكائهم وقدرتهم على المساهمة في بناء حلول دائمة للمشاكل. لقد أشار البابا فرنسيس إلى ضرورة تجاوز "تلك الفكرة عن السّياسات الاجتماعيّة المتصوّرة كسياسة نحو الفقراء، ولكن ليس أبدًا مع الفقراء، ولا من الفقراء، ناهيك عن دمجها في مشروع يوحّد الشّعوب.

في هذا التّغيير في النّهج، يجب اعتبار المجتمع المدنيّ قوّة حيويّة للتّماسك الوطنيّ. وهي خطوة باتت الكاميرون مستعدّة لها أيضًا! الجمعيّات، والمنظّمات النّسائيّة والشّبابيّة، والنّقابات، والمنظّمات غير الحكوميّة الإنسانيّة، والقادة التّقليديّون والدّينيّون: جميعهم يلعبون دورًا لا غنى عنه في نسيج السّلام الاجتماعيّ. فهم أوّل من يتدخّل عند نشوب التّوتّرات؛ وهم الّذين يرافقون النّازحين، ويدعمون الضّحايا، ويفتحون فسحات للحوار، ويشجّعون الوساطة المحلّيّة. إنّ قربهم من الميدان يسمح بفهم الأسباب العميقة للنّزاعات واستشراف الاستجابات المناسبة. كما يساهم المجتمع المدنيّ في تنشئة الضّمائر، وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلافات. وبهذه الطّريقة، يتمّ من داخله التّحضير لمستقبل أقلّ عرضة لعدم اليقين. وأودّ أن أؤكّد بامتنان على دور النّساء؛ فغالبًا ما يكنّ، للأسف، الضّحايا الأوائل للتّحيّز والعنف، ومع ذلك يبقَينَ صانعات سلام لا يكلّلن. إنّ التزامهنّ في التّعليم والوساطة وإعادة بناء النّسيج الاجتماعيّ لا يضاهى، ويمثّل كابحًا للفساد وإساءة استخدام السّلطة. ولهذا السّبب أيضًا، يجب الاعتراف بصوتهنّ بشكل كامل في عمليّات صنع القرار.

أمام هذا التّفاني السّخيّ داخل المجتمع، تكون الشّفافيّة في إدارة الموارد العامّة واحترام دولة القانون أمران أساسيّان لاستعادة الثّقة. لقد حان الوقت للمجازفة بفحص ضمير وبقفزة نوعيّة شجاعة. إنّ المؤسّسات العادلة وذات المصداقيّة تصبح ركائز للاستقرار. والسّلطة العامّة مدعوّة لكي تكون جسرًا، وليس أبدًا عامل انقسام، حتّى حيث يبدو أنّ انعدام الأمن هو السّائد. إنّ الأمن هو أولويّة، ولكن يجب ممارسته دائمًا في إطار احترام حقوق الإنسان، والجمع بين الحزم والسماحة، مع إيلاء اهتمام خاصّ للفئات الأكثر ضعفًا. إنّ السّلام الأصيل يولد عندما يشعر كلّ فرد بأنّه محميّ ومسموع ومحترم، وعندما يكون القانون سدًّا منيعًا ضدّ تعسّف الغنيّ والقويّ.

عند التّأمّل جيّدًا، أيّها الإخوة والأخوات، فإنّ المناصب الرّفيعة الّتي تشغلونها تتطلّب شهادة مزدوجة. الشّهادة الأولى تتحقّق في التّعاون بين مختلف الأجهزة والمستويات الإداريّة للدّولة في خدمة الشّعب وخاصّة الفقراء؛ أمّا الشّهادة الثّانية فتتحقّق من خلال ربط مسؤوليّاتكم المؤسّساتيّة والمهنيّة بسلوك حياتي نزيه. فمن أجل ترسيخ السّلام والعدالة، يجب تحطيم أغلال الفساد الّتي تشوّه السّلطة وتفرغها من هيبتها. يجب تحرير القلب من ذلك العطش للرّبح الّذي هو عبارة عن وثنيّة؛ فالرّبح الحقيقيّ هو التّنمية البشريّة المتكاملة، أيّ النّموّ المتوازن لجميع الجوانب الّتي تجعل الحياة على هذه الأرض بركة.

تمتلك الكاميرون الموارد البشريّة والثّقافيّة والرّوحيّة اللّازمة لتجاوز المحن والنّزاعات والمضيّ قدمًا نحو مستقبل من الاستقرار والرّخاء المشترك. لا بدّ أن يتحوّل الالتزام المشترك لصالح الحوار والعدالة والتّنمية المتكاملة بجراح الماضي إلى منابع للتّجديد. وكما قلت، يمثّل الشّباب رجاء البلاد والكنيسة؛ وطاقتهم وإبداعهم هي غنى لا يُقدّر بثمن. وبطبيعة الحال، عندما يستمرّ استمرار البطالة والإقصاء، فإنّ الإحباط يمكنه أن يولّد العنف. لذا، فإنّ الاستثمار في تعليم الشّباب وتدريبهم وريادة أعمالهم هو خيار استراتيجيّ من أجل السّلام. وهي الطّريقة الوحيدة لوقف نزيف المواهب الرّائعة نحو مناطق أخرى من الكوكب، كما أنّها السّبيل الوحيد لمحاربة آفات المخدّرات والدّعارة واللّامبالاة، الّتي تفتك بحياة الكثير من الشّباب، وبشكل يزداد مأساويّة يومًا بعد يوم.

وبفضل الله، لا ينقص الشّباب الكاميرونيّ روحانيّة عميقة، لا تزال تقاوم تنميط السّوق. إنّها طاقة تجعل أحلامهم ثمينة، متجذّرة في النّبوءات الّتي تغذّي صلاتهم وقلوبهم. إنّ التّقاليد الدّينيّة، عندما لا تشوّهها سموم الأصوليّة، تلهم أنبياء السّلام والعدالة والمغفرة والتّضامن. ومن خلال تشجيع الحوار بين الأديان وإشراك القادة الدّينيّين في مبادرات الوساطة والمصالحة، يمكن للسّياسة والدّبلوماسيّة الاستفادة من قوى أخلاقيّة قادرة على تهدئة التّوتّرات، ومنع التّطرّف، وتعزيز ثقافة التّقدير والاحترام المتبادل. إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة في الكاميرون، من خلال أعمالها التّعليميّة والصّحّيّة والخيريّة، ترغب في مواصلة خدمة جميع المواطنين بدون تمييز، وترغب في التّعاون بصدق مع السّلطات المدنيّة ومع جميع القوى الحيّة في الأمّة لتعزيز الكرامة الإنسانيّة والمصالحة. وحيثما أمكن، تعتزم تسهيل التّعاون مع البلدان الأخرى والرّوابط بين الكاميرونيّين في العالم وجماعاتهم الأصليّة.

ليبارك الله الكاميرون، ويعضد قادتها، ويلهم المجتمع المدنيّ، وينير عمل السّلك الدّبلوماسيّ، ويمنح الشّعب الكاميرونيّ بأسره- مسيحيّين وغير مسيحيّين، مسؤولين سياسيّين ومواطنين- أن يقبلوا ملكوت الله، ويبنون معًا مستقبلًا من العدالة والسّلام."

هذا وكانت للبابا وقفة في دار الأيتام"Ngul Zamba" في ياوندي، حيث رحّبت به الرّئيسة العامّة لرهبانيّة بنات مريم الأخت ريجين سيريل نغونو بونونغو كلمة مقدّمة لمحة عن هذه الرّهبانيّة ورسالتها.

كما كانت كلمة للبابا أكّد فيها على محبّة الآب السّماويّ لأبناء هذه الدّار وحنانه، وأشار إلى أنّهم يكوّنون عائلة حقيقيّة وأنّ أخاهم الأكبر هو يسوع! وهذه الأخوّة المجتمعة حوله تجعلهم أقوياء وتساعدهم ليحملوا معًا ثقل الحياة، وتجعلهم يشعرون بالفرح الحقيقيّ، مذكّرًا "أنّ لا أحد غريبًا أو منسيًّا أبدًا في عائلة الله الكبيرة، مهما كان صغيرًا".

وتوجّه إلى الأطفال داعيًا إيّاهم إلى مستقبل أكبر من جراحهم، قائلًا: "أنتم تحملون وَعدًا. لأنّه حيث يمكن أن يكون هناك بؤس، ألم أو ظلم، يكون الله حاضرًا وهو يعرف وجوهكم، وهو قريب جدًّا منكم... إعلموا أنّ يسوع ينظر إلى كلّ واحد منكم اليوم بالمحبّة نفسها."

وثمّن رسالة من يرافقون الأطفال، فاهتمامهم يحمل ملامح الرّحمة الإلهيّة، ويعكس حنان الله، الحنان الصّادق الّذي لا يغيب في المحن ولا يُخيّب أبدًا. 

وفي الختام، أوكل الجميع إلى حماية مريم العذراء.