لبنان
13 نيسان 2026, 05:55

عوده في أحد الفصح: لنصلّ من أجل توبة صادقة في هذا الوطن ومن أجل استنارة شعبه ومسؤوليه

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده، صباح الأحد، خدمة الهجمة وقدّاس الفصح، في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس بحضور حشد من المؤمنين.

بعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده العظة التّالية:

"المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور.

أحبّائي، "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وإلهًا كان الكلمة". هذا الإعلان الإلهيّ الّذي يفتتح به الإنجيليّ يوحنّا بشارته ليس تأمّلًا لاهوتيًّا مجرّدًا. إنّه أساس كلّ فهم حقيقيّ لعيد الفصح المجيد. فالفصح ليس حدثًا عابرًا في التّاريخ، ولا ذكرى نحييها، بل هو انكشاف الحياة الإلهيّة ذاتها في قلب عالم مائت. إنّه دخول النّور الحقيقيّ إلى ظلمة الإنسان، لكي يبدّدها من الدّاخل، من عمق الكيان البشريّ. القيامة الّتي نحتفل بها اليوم ليست حادثةً منفصلةً عن تدبير الله الأزليّ، بل هي تحقيق لقصد الله منذ البدء: أن يعود الإنسان إلى شركة الحياة الإلهيّة. 

الفصح في عمقه اللّاهوتيّ هو قمّة سرّ التّدبير الخلاصيّ الّذي أتمّه الله في ملء الزّمان. موت المسيح وقيامته هما ذروة عمل الله الخلاصيّ في تاريخ البشريّة. القيامة هي العبور من عالم الفساد إلى مجد عدم الفساد، من العبوديّة للخطيئة إلى حرّيّة أبناء الله، من سلطان الموت إلى شركة الحياة الأبديّة.

في سرّ الصّليب دخل مسيحنا طوعًا إلى عمق الموت لا كخاضع له، بل كمخلّص يحطّم سلطانه من الدّاخل. نحن نرتّل: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للّذين في القبور" لأنّ المسيح أعلن، بقيامته، انتصاره النّهائيّ على قوى الشّرّ والفساد، فجّر الجحيم من الدّاخل، وأقام الطّبيعة البشريّة معه، رافعًا إيّاها من سقطتها، ومستعيدًا لها الصّورة الإلهيّة الّتي خلقها عليها.

الكلمة الأزليّ، الّذي به كان كلّ شيء، لم يكتف بأن يخلق الإنسان، بل نزل إليه وحمل ضعفه ودخل في موته، ليقيمه. الفصح ليس فقط قيامة المسيح، بل أيضًا إمكانيّة قيامة الإنسان، ودعوته الحتميّة إلى الحياة الجديدة. مأساة الإنسان أنّه يختار أحيانًا إغلاق عينيه عن النّور، ليس لأنّ النّور غائب، بل لأنّ القلب تعلّق بالظّلمة. هذا الكلام موجّه بصوت كنسيّ أبويّ إلى كلّ إنسان، وإلى من أعطي سلطةً ومسؤوليّةً في هذا الوطن الجريح، ولا يمكن فصله عن واقعنا المرير في وطننا لبنان. فالظّلمة الّتي يتحدّث عنها الإنجيل ليست فكرةً مجرّدةً، بل واقع الخطيئة والظّلم والفساد والاستهتار بكرامة الإنسان. إنّ النّور أشرق، فأيّ عذر للبشر أن يبقوا في الظّلمة وقد أشرق نور القيامة؟ الكلمة لم يأت ليغطّي أفعال الخطأة، بل ليكشف ما في القلوب. لم يأت ليكرّس سلطةً، بل ليدين كلّ سلطة لا تنبع من الحقّ. لم يأت ليبارك عروشًا بل ليطهّرها.

إنجيل اليوم يحمل في طيّاته دينونةً رهيبةً. فرفض النّور ليس جهلًا فقط، بل هو موقف. إنّه اختيار الظّلمة بدل النّور، لأنّ النّوايا خبيثة والأعمال شرّيرة. كم من زعيم ومسؤول في هذا الوطن عرف الحقّ، وسمع صراخ الضّمير، ورأى آلام النّاس، لكنّه اختار البقاء في دائرة المصلحة، والأنانيّة، والسّلطة المنفصلة عن الخدمة؟ "إلى خاصّته جاء، وخاصّته لم تقبله". كم هي قاسية هذه العبارة الّتي تنطبق على واقعنا! لأنّ المسيح ما زال يأتي إلى هذا العالم، وإلى وطننا، في صرخة الجائع، ودمعة المتألّم، ووجع النّازح، وخوف الشّابّ على مستقبله. لكن صوته غير مسموع من كثيرين. وإلّا كيف نفسّر شنّ الحروب وقتل الأطفال، وتشريد الأبرياء، ومحو القرى، واستباحة الكنائس وترهيب المصلّين؟ ما ذنب الأبرياء الّذين استهين بحياتهم أو أرزاقهم؟ كيف يسمح إنسان لنفسه سلب حياة إنسان قتلًا أو اغتيالًا أو إعدامًا؟ هل خلق الله الإنسان للعذاب أم أرسل ابنه الوحيد ليفتديه بدمه ويخلّصه؟ وكيف نبرّر حروبًا متتاليةً، ضدّ عدوّ شرس لا يعرف الرّحمة، جرّ لبنان إليها رغم إرادة الدّولة ومعظم الشّعب الّذي لم يعد يحتمل العنف والخوف والتّهجير وخسارة الأولاد والأرزاق؟ 

هنا لا بدّ من التّعبير عن إدانتنا ورفضنا للجرائم والمجازر الّتي يقترفها هذا العدوّ، وآخرها ما قام به منذ أيّام في بيروت، والأبرياء هم دائمًا الضّحايا.

إذا كانت الحرب لا تؤدّي إلّا إلى الموت والخراب والدّمار، وتستهلك المليارات، فيما السّلام يحفظ الحياة ويصون السّيادة ويعزّز الاستقرار، هل يختار الإنسان الموت أم الحياة؟ 

أملنا أن تتوقّف كلّ الحروب وأن يعود من يقوم بها إلى ضميره، وإلى تعاليم السّماء الّتي تدعو إلى السّلام وإلى احترام الحياة وصونها.

يضعنا إنجيل اليوم أمام حقيقة لا هروب منها، فإمّا أن نقبل النّور فنصير "أولادًا لله"، أو نرفضه فنحكم على أنفسنا بالبقاء في الموت. سمعنا في الإنجيل: "ّأمّا كلّ الّذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يكونوا أولادًا لله". هذا السّلطان ليس امتيازًا دنيويًّا، بل دعوة إلى حياة جديدة، ومسؤوليّة جديدة، إلى أن يعكس الإنسان صورة الله في أفعاله. المسؤوليّة صليب. ليست مجدًا أرضيًّا، بل اشتراك في آلام الآخرين وتضحية. إنّها جهاد يوميّ ضدّ الأنا، وضدّ الفساد والتّسلّط والظّلم والشّرّ. لذلك، من لا يحمل صليب مسؤوليّته بأمانة، يحمل دينونته. فلا قيامة بلا صليب، ولا خلاص بلا إرادة حرّة وعمل صادق. يقول الآباء إنّ "من أعطي أن يقود النّفوس سيسأل عن كلّ نفس". فكيف إذا كان يقود شعبًا؟ وقراراته تمسّ مصير وطن ومستقبل أجيال؟ المسؤوليّة لا تمرّ بلا حساب، إذ يوم القيامة الحقّ سيظهر، وكلّ خفيّ سيعلن، وكلّ تقصير سيدان.

يقول الرّبّ في رسالة اليوم "وتكونون لي شهودًا". الفصح ليس نهاية قصّة الخلاص، بل بدايتها المتجدّدة في حياة كلّ مؤمن مدعوّ إلى عيش قيامة يوميّة، مائتًا عن خطاياه، حيًّا بالله، شاهدًا للحقّ. القيامة رسالة حيّة تدعونا إلى النّهوض من كلّ ما يثقل أرواحنا ويعمي بصائرنا، إلى ترك الخوف واليأس والسّير بهدي النّور. إنّها دعوة للتّجدّد، للتّوبة، للغفران، لإحياء المحبّة في القلوب، والشّهادة للحقّ الّذي لا يهزم. في الفصح نتذكّر أنّ بعد كلّ ليل فجر، وبعد كلّ صليب قيامة. إنّه العيد الّذي يعلّمنا أنّ الأمل أقوى من الألم، وأنّ الإيمان قادر أن يصنع من النّهاية بدايةً جديدة. فلنحمل في قلوبنا نور القيامة وننشره فرحًا وسلامًا ومحبّةً واستقامةً.

الجميع اليوم أمام سؤال: هل أنتم شهود للقيامة أم شركاء في الموت؟ هل أنتم أدوات في يد الرّوح القدس لبناء مجتمع قائم على الحقّ والعدل والخير، أم إنّكم أدوات لتكريس الظّلم والقتل والانهيار؟ إنّ الصّمت لم يعد مقبولًا، والتّبرير لا ينفع، والتّسويات على حساب الحقيقة لا تغتفر. الأفعال هي المقياس لا الوعود، ولا الأوهام، والتّوبة عن كلّ خطيئة. نعم، التّوبة، لأنّ مشكلة عالمنا أخلاقيّة وروحيّة. الفساد والرّياء والجشع ... ليسوا خللًا في النّظام، بل خطيئة في القلب، وإن لم تعالج الخطيئة لن يصلح البنيان. التّوبة لا تعني الضّعف بل القوّة. تعني الاعتراف بالخطأ، والعودة إلى الحقّ، وتغيير المسار، والكفّ عن تبرير الفشل، وعن رمي الاتّهامات. التّوبة وقوف أمام الله بصدق، ومن يقف أمام الله لا يمكنه أن يكذب. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "ليس شيء أبغض إلى الله من الظّلم"، فكيف إذا كان هذا الظّلم منظّمًا وممأسسًا ويمارس باسم القانون أو الطّائفة أو الحزب أو المصلحة؟ إنّ كلّ هذا يسقط أمام نور القيامة، لأنّ النّور لا يساوم ولا يهادن، بل يكشف ويفضح ويطهّر. يقول القدّيس أثناسيوس الكبير إنّ "المسيح لم يأت ليحسّن الإنسان، بل ليجدّده". المطلوب اليوم ليس التّرقيع بل التّجديد، لا الإصلاحات الشّكليّة بل التّحوّل الجذريّ، لأنّ ما بني على الخطأ لا يستمرّ، وما تأسّس على الرّياء لا يمكن أن يثبت.

إنّ ما حدث في لبنان في السّنوات الأخيرة من أزمات متلاحقة وحروب ودمار، يضاف إليها إنفجار تاريخيّ كارثيّ لم تكشف خفاياه بعد، وانهيار إقتصاديّ، وانحطاط أخلاقيّ، وهدر لأموال النّاس، وفقدان للثّقة، ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات خاطئة. الكنيسة، الأمّ والمعلّمة، لا يمكنها أن تصمت أمام هذا الواقع. لذا نرفع الصّوت لنقول بوضوح: كفى عبثًا، كفى حروبًا ودمًا، كفى تلاعبًا بمصير النّاس. لبنان ليس مجرّد كيان سياسيّ، بل رسالة حضارة وتعدّديّة ومحبّة وانفتاح وعلم وثقافة... المسيح قام، لكي يقيمنا، لكنّه لا يقيم من لا يريد أن يقوم. لذا نأمل أن تفي الدّولة بتعهّداتها وتظهر مصداقيّتها بأعمالها. كما نأمل أن يلتفّ الشّعب حول دولته ليكون موقفها أقوى.

الفصح دعوة إلى التّوبة، لا بالكلام، بل بالفعل. والتّوبة تعني تغيير الذّهن والنّهج والأولويّات. تعني وضع الإنسان قبل المصلحة، والحقّ قبل الرّبح، والخدمة قبل السّلطة. تعني أن يعود المسؤول إلى الله كمرجعيّة حيّة في كلّ قرار.

مأساة عالمنا أنّ الإنسان يرزح تحت ثقل وثنيّة أهوائه: الأنانيّة، المطامع، الظّلم، الحقد، التّحكّم بمصائر البشر. نتيجة الاستعباد للأهواء هذه، ما نشهده من حروب تعمّ عالمنا، ومنطقتنا تعاني أكثر من غيرها. أرض المسيح، حيث انبلج نور القيامة، ركام وآلام، شعبها مجروح، يئنّ، والطّغاة لا يسمعون. لبنان، بلدنا الصّغير، يفتقد إلى الحقّ والعدل والسّلام، ويمات يوميًّا بسبب خطايا قادته وأبنائه. إنسان اليوم يضحّي بأخيه الإنسان لأنّه أبعد الله من قلبه، وصار يقتل الإنسان بسهولة، وقد نزع عنه قدسيّته. لم يعرف البشر عصرًا يقتل فيه الإنسان كعصرنا هذا. أين لغة الله تنطق بها القلوب؟ أين المقاصد الإلهيّة يحقّقها الإنسان المؤمن؟ أين الشّهادة للإله القائم؟ إن لم يسكن الرّبّ القلب يحتلّه روح الشّرّ والحسد والغضب والنّميمة. فلا تتركوا فراغًا في قلوبكم.

لنصلّ من أجل توبة صادقة في هذا الوطن، ومن أجل استنارة شعبه ومسؤوليه، لكي يفتحوا قلوبهم للنّور ويصيروا أبناءً للنّور وشهودًا للقيامة، لا بالكلام بل بالحياة، لأنّ القيامة الّتي لا تترجم حقًّا وعدلًا ومحبّةً وسلامًا تبقى ناقصةً. فلتكن قيامة المسيح دينونةً للظّلمة والشّرّ فينا، ونورًا يهدينا إلى طريق الحياة. لنصلّ أيضًا من أجل أن يزاح الحجر عن قلوب اللّبنانيّين الّذين طالت جلجلتهم، وبخاصّة أولئك الصّامدون في قراهم، المقاومون الحقيقيون المتشبّثون بأرضهم رغم المخاطر، الرّافعون علم بلدهم، والطّالبون حماية دولتهم وجيشهم. حماهم الله، وحمى لبنان، ومنحه السّلام والاستقرار والازدهار.

المسيح قام، حقًّا قام".