عن شهداء مصر
لأجل مصر أنا أصلّي، ولأجل مصر أنا أبكي، ولأجل مصر أنا جرح على صليبي ينزف دمًا ودموعًا على نهر النيل، جلست أصلي وأبكي لأجل جميع الّذين استشهدوا وتمزّقوا، وشلّعوا وماتوا وصبغتهم دماؤهم الزكيّة بدم ودموعهم وماء، ودمهم الطاهر في جميع الكنائس والمساجد والطّرقات والرّمال، ولم تقدر مياه النّيل على غسل دموعي.
سألت أبا الهول لم هذا الصمت؟ لم لا يفتح فاه بالصّراخ وعيونه بالدّموع والبكاء؟ لم لا يعلو صوته بالنّحيب والتّفجع فوق أرض مصر الحبيبة وأبعد من رمال الصّحراء التي تحملها الرياح؟ وهؤلاء الشّهداء الّذين ذبحوا في الكنائس والمساجد والصّحراء هم أولاد مصر الغالية، وراح أبو الهول يفتح فمه ويصرخ بصوت يزلزل الأهرام والاقصر كفى، كفى!
مصر أرض الحبّ والسّلام والخير والحضارة، أرض النّاس الطّيّبين والضّيافة وحوار الحضارات والأديان، وليس الناس الوحوش المجرمين الحاقدين الكافرين الكارهين. أرض مصر أرض النّاس السّمحاء الغافرين الرّحماء، أبناء مصر الحقيقيّين أقباط مصر المسيحيّين والمسلمين هم نسيج واحد لأن كلمة قبط تعني مصر اجيبطوس. حملت صخرة وجعي وأجساد شهدائي وقطع اللّحم الممزّق أقباطا ومسلمين ووضعتها احجارًا مقدّسة لمذابحي، وقببًا لأجراس كنائسي، وقرابين المغفرة والفداء المقدّمة فوقها، وبخور مجامر اعتابها المقدّسة، ومداخل وعتبات ومنائر جوامعي ومآذنها الدّاعية للصّلاة لإله هو الرّحمة والحب والحنان، وقبلت الأهرام منحنية حجارة أجساد ضحايا وقرابينها وضمّتها إلى صدرها ووقفت تصلّي أناشيد مارونيّة قديمة لأيام الضّيق والخوف والوجع: "ارحم يا رب، ارحم شعبك، ولا تسخط علينا إلى الأبد... آمين.