دينيّة
28 تشرين الأول 2022, 05:00

خاصّ- الخوري أبراهام: السّنة الطّقسيّة المارونيّة هي دورة لولبيّة تصاعديّة نحو السّماء

نورسات
"سنحاول في هذا المقال اختصار السّنة اللّيتورجيّة المارونيّة، على رجاء أن نعيشها بكلّ معانيها ونعرف أنّها ليست مجرّد "برمة" روتينيّة حول أنفسنا من دون أن نتقدّم، بل مع الرّبّ. لها طابع روحيّ وتربويّ." بهذه المقدّمة استهلّ مُنسّق لجنة الإعلام في نيابة صربا الخوري إيلي أبراهام شرحه السّنة الطّقسيّة المارونيّة لموقعنا.

وتابع: "نصلّي، على مثال الرّبّ، كلّ يوم وسنة لكي نكبر بالجسد والرّوح أمام الله والنّاس، ونقترب أكثر من ملكوت السّماء، حيث نزل الرّبّ يسوع وإلى هناك عاد بعد أن تمّم عمله الخلاصيّ "ليُعدّ لنا مكانًا"(يوحنّا 2:14)، لذلك، خلال السّنة نتأمل بـ"كلّ من عمل يسوع وعلم" كما قال لوقا البشير في أوّل آية من سفر أعمال الرّسل.

 

إعتبر القدّيسون مُعَلِّمو الكنيسة أنّه، كما السّنة المدنيّة التي تسير حسب دورة الأرض حول الشّمس، هكذا تدور الكنيسة في السّنة الطّقسيّة حول المسيح نور العالم، وشمس البرّ وخالقها مع القمر، وضابط دورانهما.

 

بعكس السّنة المدنيّة التي تتألّف من أربعة فصول، تتكوّن السّنة الطّقسيّة من سبعة أقسام رئيسيّة التي بدورها تتضمّن مناسبات عديدة مهمّة، يمكننا أن نؤلِّف كتبًا عن كلّ منها، سنكتفي هنا أن نعدّدها باختصار، مع التّذكير أنّ لكلّ زمن لون يساعد المؤمنين على عيش روحانيّته:

 

1 – زمن المجيء أو الميلاد المجيد

إنّه زمن بدء العمليّة الخلاصيّة. الكلمة صار جسدًا، حلَّ فينا، "وتردّد بين النّاس، ودبّر كلّ شيءٍ لخلاصنا"(نافور مار يعقوب أخي الرّبّ).

كما هناك أعياد رأس السّنة، نحن نحتفل أيضًا بعيد رأس السّنة اللّيتورجيّة التي تُفتتح في الأحد الأوّل من تشرين الثّاني، بأحد تجديد البيعة وتقديسها، ممكن أن يُحتفل بهما مع بعضهما أو منفصلين.

بعد ذلك، يبدأ زمن الميلاد، فتتوالى سبعة آحاد تدور حوله وهي: بشارة زكريّا، بشارة العذراء، زيارة العذراء لنسيبتها إليصابات، مولد يوحنّا المعمدان، البيان ليوسف، النّسبة، عيد الميلاد المجيد، وأحد وجود الرّبّ في الهيكل.

 

2 -  زمن الدّنح / الغطاس

هذا الزّمن يتألّف من سلسلة آحاد نتأمّل فيها كيف غطس الرّبّ يسوعفي نهر الأردن ليعتمد على يد يوحنّا السّابق، وتكريسه المسيحانيّ.

عيد الغطاس مهمّ جدًّا لأنّ فيه بداية حياة يسوع العلنيّة في عمر الثّلاثين، وأيضًا في هذا العيد انجلى السّرّ وظهر الثّالوث الأقدس للمرّة الأولى.

أضف إلى ذلك أنّه هناك تقليد قديم، لا يزال قائمًا في بعض الكنائس الشّرقيّة، وهو دمج عيد الميلاد بالدّنح علامة الوحدة القويّة بينهما. 

 

3 -  زمن التّذكارات

قبل الصّوم الكبير نتذكّر في ثلاثة آحاد الأشخاص الذين سبقونا إلى دنيا الحقّ وهم: الكهنة، الأبرار والصدّيقين، وعموم الموتى المؤمنين.

إنّه زمن الوفاء للّذين منحونا الأسرار المقدّسة، والذين ساعدوا المسيح من خلال إعانة إخوته الصّغار، والّذين صاروا في دنيا الحقّ. هو وقت لقاء الكنيسة الواحدة في الأرض والمطهر والسّماء.

 

4 -  زمن الصّوم الكبير

إنّه زمن المسيرة مع المسيح الصّائم والمتألّم حبًّا وفداءً للبشريّة. فيه نمارس بشكل مكثّف الصّوم، الصّلاة، والصّدقة.

يتكوّن هذا الزّمن من سبعة أسابيع: تبدأ بأحد مدخل الصّوم، أو المرفع، فيه نتأمّل بأول آية للرّبّ صنعها في قانا الجليل يليه أحد شفاء الأبرص، أحد شفاء المنزوفة، وأحد الابن الشّاطر.

تقليديًّا سُمّيت الأسابيع الثّلاثة الأولى بأسابيع الصّوم، ولها صلواتها الخاصّة. أمّا الأسبوعان التّاليان، فسُمّيا أسبوعا العجائب، فيهما نتأمّل أيضًا بأحد شفاء المخلّع، وأحد شفاء الأعمى.

يليهما أسبوع الشّعانين الذي ينتهي بسبت إحياء لعازر وأحد الشّعانين حيث نحتفل بزيّاح وصول يسوع ملك السّلام إلى أورشليم.

ونحتفل مساءً برتبة الوصول إلى الميناء حيث تقام رتبة القنديل، قبل التّعمّق بالوقت العظيم المسمّى أسبوع الآلام أو "الحاش".

طبعًا في هذا الأسبوع نحتفل بأربعاء أيوب حيث نبارك الزّيوت، وخميس الأسرار مع رتبة الغِسل. وذروة هذا الأسبوع هو نهار الجمعة العظيمة، يوم الفداء الأعظم، حين يُكسر جسد الرّبّ على الصّليب، ويُحتفل صباحًا برتبة رسم الكأس، أيّ القدّاس سابق تقديسه. يتناول المحتفل والشّعب كلّ القربان، لأنّه اليوم الوحيد في السّنة المسيح موجود في القبر وليس في بيت القربان، وليصير تقديس القرابين الجديدة عشيّة عيد القيامة.

طبعًا في الجمعة العظيمة تُقام رتبة دفن السّيّد المسيح.

أمّا في سبت النّور فنحتفل برتبة الغفران، نتوب عن خطايانا، وننال الحلّة تحضيرًا للاحتفال بعيد الأعياد.

 

5 - زمن القيامة المجيدة

لأنّ الحياة المسيحيّة لا تقف عند الجمعة العظيمة، إنّه زمن الرّجاء، الفرح، والسّلام، المنبثقين من قبر يسوع ربّ المجد، ماحي لعنة أهلنا آدم وحواء، ومبطل الموت الذي سبّبته هذه اللّعنة.

لذلك عيد القيامة هو عيد الأعياد ويسمى العيد الكبير وقمّة السّنة الطقسيّة.

يتكوّن هذا الزّمن أيضًا من سبعة آحاد، خمسين يوم، نتأمل فيها بحضور الرّبّ القائم من بين الأموات مع تلاميذه، ويبدأ برتبة السّلام الفصحيّ ليلة عيد القيامة.

يليه أسبوع القيامة ويُسمّى "أسبوع الحواريين" أيّ الملائكة الذين ظهروا على قبر المسيح. ويختتم هذا الأسبوع بالأحد الجديد، عيد الرّحمة الإلهيّة.

كلّ يوم في هذا الزّمن المجيد نُردّد "المسيح قام... حقًا قام".

من دون أن ننسى عيد خميس صعود الرّبّ إلى السّماء، أربعين يومًا بعد القيامة.

 

6 -  زمن العنصرة

إنّه زمن البنتاكوست (خمسين يوم بعد القيامة) نتأمّل فيه بالأقنوم الثّالث من الثّالوث الأقدس أيّ الرّوح القدس المحامي، المعزّي الآخر الذي وعدنا فيه الرّبّ أنّه لن يتركنا يتامى (يوحنّا 14:18) والذي حلّ على أمّنا مريم العذراء والرّسل الاثنيّ عشر في العلّيّة.

إنّه أطول زمن ليتورجيّ، فيه تبدأ صلوات "الشّحيمة" أيّ الصّلاة البسيطة العاديّة، من دون أن ننسى أنّه يتخلّلها عيد سيّديّ هو تجلّي الرّبّ.

 

7 – زمن الصّليب المُقدّس

إنّه آخر وأقصر زمن في السّنة الطّقسيّة. يبدأ في 14 أيلول، عيد ارتفاع صليب الرّبّ بعد أن تمّ اكتشافه على يد القدّيسين هيلانه وقسطنطين. نعود ونتأمّل فيه بالصّليب "علامة ابن الانسان" (متى 30:24) وحبّه للبشريّة.

 

ينتهي هذا الزّمن بآخر أحد من تشرين الأوّل، وهو أيضًا الأخير في السّنة الطّقسيّة، في عيد يسوع الملك.

نلفت الانتباه في هذه المقالة هي أن لكلّ زمن ليتورجيّ لون يساعدنا على عيش معانيه.

كما نذكر أنّنا كلّ يوم خلال السّنة الطّقسيّة نحتفل بأعياد القدّيسين ونتأمّل في حياتهم مع الله، وعلى رأسهم أمّنا مريم العذراء، مار يوسف، والرّسل الإثني عشر.

 

أخيرًا وليس آخرًا نصلّي أن نعيش خلال السّنة كلّ ما نعلنه بدستورنا الرّوحيّ أيّ "النّؤمن" منتظرين بإيمان ورجاء ومحبّة المجيء الثّاني والأخير للرّبّ العظيم ليدين الأحياء والأموات."