لبنان
23 تموز 2021, 13:50

المطران بابي في قدّاسه الأوّل: لا حصاد من دون تعب ولا زرع من دون ثمر

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفلت كاتدرائيّة مار جرجس البطريركيّة للسّريان الأرثوذكس في دمشق، الجمعة الماضي، بالقدّاس الإلهيّ الأوّل للنّائب البطريركيّ لأبرشيّة دمشق البطريركيّة المطران كيرلّس بابي، وقد ترأّسه البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثّاني، وحضر لفيف من المطارنة والكهنة من مختلف الكنائس.

خلال القدّاس، ألقى المطران بابي عظة قال فيها بحسب إعلام البطريركيّة:

"الحصاد كثير ولكنّ الفعلة قليلون، فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فعلةً إلى حصاده

إنّ الحصاد لعلامةُ بركةٍ إلهيّةٍ مثمرة، ومفتاحُ مهمَّةٍ مقدّسة، فإلى الله مُعطي النّموّ بالكرم والسّخاء، ترجع أهمّيّةُ هذا العمل في حقله، فلا يَضَعَنَّ الزّارع أمنه ورجاءه في أهرائه المليئةِ بالقمح، ولا يكنزنَّ لنفسه، بل من أجل الله الّذي ذات يوم سيحصد بنفسه. فهذا العمل الآنيّ الّذي يطلبه ربّنا من كلّ خادمٍ يُكرِّس ذاته لنشر البشارة، ويزرع بذور الكلمة حتّى تنمو وتُزهر بقوله: "يا ابني اذهب اليوم واعمل في كرمي" فيحمل مِعْوَلَهُ، ويُعِدَّ العدّة ليَجْنِيِ الثمار، ويوزِعَها على المؤمنين".

والأسقف، هو خادمٌ يكرّس نفسه من أجل الجماعة الكنسيّة على حدّ قول القدّيس مار إغناطيوس النّورانيّ حيث الأسقفُ هناك كنيسة، وحيث المؤمنونَ هناك خلاص، لكنّ هذا الخلاص موكلٌ إلى عنايته ورعايته وتدبيره، فعليه أنْ يُضحي وقتئذٍ فمًا للتّعليم وأداةً للتّقديس وخادمًا للتّدبير، فبحسب ما جاء عن لسان بولس الرّسول إلى تلميذه تيطس مقدّمًا نفسك في كلّ شيء قدوةً للأعمال الحسنة. لا بل أن يكون علامةً حيّة وواضحة لكلّ شخصٍ كمثل المسيح يسوع، المعلّم، والكاهن، والرّاعي، الّذي فوّض سلطانه بجلاءٍ إلى الرُّسل ليُظهِرَ أنّه وملكوته سيادةً مطلقةً على عالميّ المادّة والرّوح حيث في ذلك تتميم لخطط الله في الّذين هم بأمسّ الحاجة إلى التّبشير والإرشاد والرّعاية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى المناداة بالكلمة بأفعالٍ ثلاثة مهمّة (تكلّم... عظّ ووبّخ) فهذا ما يحتاجه العمل الروحيّ والراعوي دون محاباةٍ أو توانٍ.

فإذا ما بلغ الزرع نضجه، وآن أوان الحصاد، يدعو المعلّم الفعلةَ إلى العمل. ويرسل تلاميذه إلى العالم ليجمعوا ثمر عمل سابقيهم، سيّما ثمر الرّبّ الّذي دفع بدمه ثمن تكثير حبّة الحنطة. وفي ذلك يصدق المثل الّذي يميّز بين الزّارع والحصّادين، الكلمة والعمل، البذار والقطاف، الثّمر والشّركة، لينطوي على وعود بالمكافأة، بثمرٍ يجلب الفرح الأبديّ، وبالشّركة المتبادلة يأخذ الحاصد أُجرةً ويجمع ثمرًا للحياة الأبديّة.

فالعنصرة الجديدة تفتتح عهد الحصاد، إلاّ أنّ هذا الحصاد لن يكمل إلّا في يوم الرّبّ، حيث جُعِلَ للبذار أزمنة وللحصاد مِثْلُها، ولا مفرّ للإنسان إلى أنْ ينضجَ الزّرع، فملكوت الله كمثلِ رجلٍ يُلقي في الأرض زرعًا، وينام ويقوم ليلاً ونهارًا. والزّرع ينبت ويعلو وهو لا يدري لأنّ الأرض من ذاتها تعطي ثمرًا، فتُنْبِتُ العشب أوّلاً ثمّ السّنبل، ثمّ القمح، ملء السّنبل، ومتى نضج الثّمر يُرسل الزّارع في الحال منجله لأنّ الحصاد قد حان، لأنّ "واحدًا يزرع وآخر يحصد والله هو الّذي يُنمّي". و"الّذين يزرعون بالدّموع يحصدون بالتّرنيم". و"مَن يزرع قليلاً يحصد قليلاً، ومن يَزرع كثيرًا يحصد كثيرًا" ، فالزّارع بالعدل يحصد على حسب الصّلاح، والحصاد ثمرة البذار، وها هو الرّبّ يدعو مختاريه ليرفعوا أنظارهم ويروا "الحقول قد ابيضَّت للحصاد...، فيُشارك الزّارع والحاصد فرحَهُ"، إذ، لا حصاد من دون تعب، ولا زَرْعَ من دون ثمر، فاحرثوا لأنفسكم حرثًا وافر الثّمر، فإنّه وقت لطلب الرّبّ حتّى يأتي .

قداسةَ سيِّدِنا البطريرك،

في هذا اليوم المبارك، وفيما أبدأ رسميًّا خدمتي كنائبٍ بطريركيّ في هذه الأبرشيّة العزيزة والعريقة، يطيب لي أنْ أتوجّه إليكم بالشّكر العميم مع العرفان بالجميل لكلّ ما أسديتموه إليَّ من محبّةٍ أبويّةٍ واحتضانٍ وتعليمٍ وإرشادٍ وتوجيهٍ منذ تسلّمكم الخدمة البطريركيّة إلى يومنا هذا، وخاصّةً أنّكم وضعتم ثقتكم الغالية في ضعفي لأكون ساعدكم الأيمن في خدمة هذه الأبرشيّة المباركة.

في الخامس والعشرين من شهر حزيران المُنصرم وضعتم يمينكم المباركة على هامتي ورقيّتموني إلى الدّرجة الأسقفيّة، ملء الكهنوت وكماله، أنا غير المستحقّ، ومعي أخويَّ مار سويريوس روجيه أخرس، ومار يوسف بالي، في عرسٍ تاريخيّ كنسيٍّ مجيد. ولا غروَ. فأنتم لا تكلّون عن تسجيل المآثر الواحدة تلو الأخرى روحيًّا وراعويًّا وإداريًّا وعمرانيًّا، حتّى خطوتم بالكنيسة خطواتٍ ثاقبة جبّارة في فترة قياسيّة لا تزيد عن السّبع سنوات، وأحدثْتُم نقلةً نوعيّةً رفعتم فيها اسم السّريانيّة عاليًا. وإنّ اهتمامكم بأبنائكم في كلّ أنحاء العالم لم يُنسِكُم الاعتناء الأبويّ الخاصّ بأبرشيّتكم الأولى الّتي أنتم بطريركُها وأسقفُها، إنّها أبرشيّة دمشق البطريركيّة "أنطاكية الجديدة"، فهيّأتم لها الكهنة واهتمّيْتم في النّواحي الرّوحيّة والرّاعويّة وكلّ ما يؤول إلى خلاص نفوس مؤمنيها الّذين يجدون فيكم دائمًا الأب والرّأس والرّاعي. أدامكم الرّبّ وسدَّدَ خُطاكم ومتّعكم بالصّحّة والعافية والعمر المديد في رعاية الكنيسة.

إسمحوا لي يا صاحب القداسة، أنْ أتوجّه بالشّكر من أصحاب النّيافة المطارنة الأحبار الأجلّاء أعضاء المجمع الأنطاكيّ السّريانيّ الأرثوذكسيّ المقدّس الّذين غمروني بمحبّتهم ومساندتهم وتشجيعهم، وقبلوني أخًا صغيرًا وابنًا لهم.

أخصّ بالذّكر أصحاب النّيافة الحاضرين معنا اليوم، مار يوستينوس بولس سفر النّائب البطريركيّ لأبرشيّة زحلة والبقاع الّذي أحبّ أن يُشاركنا هذه المناسبة وهو لم يوفّر جهدًا في توجيه النّصح والإرشاد لي وفقّه الرّبّ في خدمته.

مار تيموثاوس متّى الخوري مطران حمص وحماه وطرطوس، السّلف الصّالح في خدمة هذه الأبرشيّة ومنه تعلّمت الكثير، وسأتابع النّهج على منواله في الخدمة، بروح الوداعة والأمانة والتّجرّد، وكما قلتُ لنيافته يوم رسامتي الأسقفيّة، أُكرِّر له بأنّي سأبقى أزعجه بطلب المشورة والمساندة الأخويّة، وفقّه الرّبّ في خدمته.

أصحاب النّيافة الّذين يُشاركوني الخدمة في دار البطريركيّة الجليلة، مار أنتيموس جاك يعقوب، ومار بطرس القسّيس، ومار يعقوب باباوي الّذين سنعمل يدًا بيد في خدمة البطريركيّة لما فيه خيرٌ لكنيستِنا.

مار يوسف بالي، الأخ الحبيب الّذي أتشارك معه الخدمة بمحبّةٍ أخويّةٍ تربط بيننا رباطًا وثيقًا، وأجدّد بالتّهنئة لنيافته برسامته الأسقفيّة ومعه أيضًا أهنّئ مار سويريوس روجيه أخرس بارك الرّبّ خدمتهما الجديدة.

أشكر أصحاب النّيافة والسّيادة مطارنة الكنائس الشّقيقة في دمشق الحاضرين معنا بمحبّة أخويّة، وأعدهم بالعمل معًا يدًا بيد، مؤكّدًا أهمّيّة العمل المسكونيّ خدمةً للمؤمنين، وتحقيقًا لأمنية الرّبّ يسوع بأن يكونوا تلاميذُه بأجمعهم واحدًا.

أوجّه شكري إلى كهنة أبرشيّة دمشق، أبونا يوحانون، أبونا يوسف، أبونا يوحنّا، أبونا جبرائيل الّذين أتشوّق للعمل معهم لخير الأبرشيّة ورعاية مؤمنيها بروح الأخوّة الصّادقة والاحترام والتّعاون والتّشاور الدّائم. ومعهم أذكر المجالس والمؤسّسات في الأبرشيّة، في دمشق وصيدنايا وجرمانا، وأعدهم جميعًا بالتّعاون المثمر في سبيل خدمة النّفوس وتحقيق الازدهار الدّائم للأبرشيّة، ولا أنسى تمامًا أهمّيّة دور المرأة في تربية الأسرة، وتاليًا في خدمة الكنيسة.

وكذلك الشّبيبة الشّريان النّابض وقلب الأبرشيّة ونواة مستقبلها الزّاهر فيها. فضلاً عن ضرورة العناية بأولادنا وأجيالنا الطّالعة لكي يكونوا ثمارًا صالحة لخدمة الكنيسة والوطن.

وأرفع الصّلاة من أجل بلدنا الحبيب سوريا كي تنهض وتتعافى وتعود إلى ازدهارها ووحدة مواطنيها خاصّةً ونحن نبدأ عهدًا جديدًا نرجوه موفّقًا. ضارعًا أيضًا من أجل السّلام للبنان والعراق والشّرق والعالم بالعدالة والكرامة الإنسانيّة والمساواة.

أشكر جميع من تعبوا معي في إعداد هذه المناسبة آباء الكهنة، وجوقة مار أفرام بقيادة الأستاذ شادي سروة، والكشّاف بقيادة الشّيف الياس مسّوح، ومركز التّربية باب توما ومار أفرام.

ومعهم أشكر الأهل والأقارب والأصدقاء القادمين من حلب ولبنان.

وأخصّ بالذّكر خالي الحبيب صليبا كلاّح، وأخي العزيز المونسنيور حبيب مراد القيّم البطريركيّ وأمين السّرّ في بطريركيّة السّريان الكاثوليك. وشكري العميق لعائلتي الصّغيرة والداي وشقيقتي وشقيقي الّذين هم كنيستي البيتيّة الّتي فيها رضعت حليب التّقوى ونهلت من منابع الإيمان والقيم والأخلاق أشكرهم وأؤكّد لهم محبّتي وصلاتي الدّائمة من أجل توفيقهم.

ختامًا، الرّبّ يسوع الرّاعي الصّالح أسأل كي يبارك خدمتي الجديدة كي تكون في دائرة رضاه وتمجيد اسمه القدّوس طالبًا بركة صلاة قداسة سيّدنا البطريرك وجميعكم.. صلّوا لأجلي أيُّها الأخوة لكي تجري كلمة الرّبّ وتتمجّد كما عندكم أيضًا بارخمور."

‎وبعد القدّاس الإلهيّ، هنّأ الحاضرون كلّ من المطرانين كيرلّس بابي ويوسف بالي، متمنّين لهما التّوفيق في خدمتهما.