الغاوي: الأخ نور… درب المسيح في الجمعة العظيمة
"الأخ نور،
يا من كان اسمك وعدًا إلهيًا بالنور، ثم مضيت وتركتنا نتلمّس خطاك في عتمةٍ أثقلها الغياب… كيف للقلب أن يصدّق أنك لم تعد هنا، وأنت الذي كنت الحضور نفسه حين يبهت كل شيء؟
أحمد الرب لا لأنني عرفتك فحسب، بل لأنني عشتك معنىً حيًّا، واختبرت فيك إنسانًا لا يشبه هذا العالم. في زمنٍ تكدّست فيه الجيوب وافتقرت الأرواح، كنت أنت الغنيّ بالفقر، الزاهد الذي لم يحمل من الدنيا سوى قلبٍ يفيض عطاءً. لم يكن لك جيب، لأنك كنت أكبر من أن تختصر في مال، ولم يكن لك متاع، لأنك كنت المتاع نفسه لمن حولك.
كنا عائلةً في قلب العاصفة، نقتسم الخبز القليل ونستند إلى إيمانك الكبير. كنت تمشي بيننا كأنك قادم من صلاة، أو ذاهب إليها… كأنك على درب المسيح، تكتفي بالقليل وتمنح الكثير، تشرب من التعب وتُسقي الآخرين رجاءً.
وحين عدتُ إلى المؤسسة، وصنعتُ البرنامج، شعرت أن الزمن كان ينسج خيوط وداعٍ خفي. قلت لي: “ارجع واعمل هذا مكانك”… وكأنك كنت تودّع دون أن تودّع، وتسلّم الرسالة دون أن تُعلن الرحيل.
وأنت… لم تكن فقط إنسانًا عاش، بل رسالةً تجسّدت.
أسّستَ “تيلي لوميار”، لا كقناةٍ تُبثّ، بل ككلمةٍ تُقال باسم المسيح، كمنبرٍ للنور في زمن العتمة، كصوتٍ يعلو فوق الضجيج ليقول إن المحبة ما زالت ممكنة، وإن الإيمان لا يزال حيًّا. جعلتَ الشاشة صلاة، والصورة شهادة، والصوت رجاءً يمشي بين الناس.
ثم رحلت… في الجمعة العظيمة.
يا لهذا الاصطفاء الذي يليق بك وحدك. كأن السماء اختارت ساعة الألم المقدّس لتضمّك إليها، لأنك تشبهها… لأنك عشت الفداء بصمت، وحملت أثقال الآخرين دون أن تئنّ.
أنت تشبه لبنان يا أخي نور…
متعب، موجوع، مُثقل بالخذلان… لكنك لم تنحنِ، بل بقيت واقفًا كصلاة.
كنت وطنًا من نورٍ في جسد إنسان، تختصر حكاية الصمود، وتكتب بالإيمان ما عجزت عنه الكلمات.
نبكيك اليوم لا لأنك رحلت فقط، بل لأننا فقدنا فيك مرآةً نرى فيها ما بقي من نقاء هذا العالم.
نبكيك لأنك كنت دليلًا حيًّا أن الخير لا يموت… بل يُستشهد.
صلِّ لنا كما كنت تفعل دائمًا…
فبعدك، صرنا أكثر فقرًا إلى السماء، وأكثر حاجةً إلى نورك الذي لا يغيب."
