لبنان
12 نيسان 2026, 10:00

الرّاعي: رحل الأخ نور تاركًا مسؤوليّة إعلاميّة وكنسيّة ووطنيّة وإنسانيّة وقضيّة اسمها الإنسان

تيلي لوميار/ نورسات
"عاش ببساطة، وخدم بتجرّد، وفتح قلبه لكلّ إنسان محتاج، فصار حضوره ملجأً ورجاءً لكثيرين". بهذه الكلمات وصف البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي الأخ نور خلال القدّاس الإلهيّ الّذي ترأّسه اليوم، في أحد الرّحمة الإلهيّة، في بكركي، في ذكرى مرور الأسبوع على انقتاله إلى الحياة الأبديّة، بحضور أعضاء مجلس إدارة تيلي لوميار ونورسات وأسرتها، وعائلة الأخ نور، وعدد من الفعاليّات، وحشد من المؤمنين.

بعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الرّاعي عظة بعنوان: "طوبى للّذين لم يروني وآمنوا" (يو 20: 29)، قال فيها:

"1. إنّ إنجيل اليوم يضعنا أمام شخصيّة توما، ذاك التلميذ الّذي عبّر عن شكّ الإنسان، عن حاجته إلى البرهان، عن رغبته بأن يلمس ليتأكّد. لكن يسوع لا يرفضه، بل يلتقي به في ضعفه، ويدعوه إلى العبور من الشّكّ إلى الإيمان. في تلك اللّحظة، يتحوّل الشّكّ إلى إعلان إيمان توما: "ربّي وإلهي". فأجاب الرّبّ يسوع: "لأنّك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للّذين لم يروني وآمنوا" (يو 20: 29). وهكذا يعلن الرّبّ يسوع الطّوبى الّتي تشملنا نحن اليوم: الإيمان الّذي لا يقوم على الرّؤية، بل على الثّقة.

إنّ هذا الأحد، عيد الرّحمة الإلهيّة، نكتشف أنّ الإيمان الحقيقيّ هو دخول في سرّ الرّحمة. الرّحمة الإلهيّة ليست مجرّد فكرة، بل هي عمق العلاقة بين الله والإنسان. إنّها قلب الله المفتوح، الرّحمة الإلهيّة هي قلب الله المفتوح الّذي لا يغلق أبوابه أمام خطيئة الإنسان، ولا يرفض إنسانًا مهما ابتعد. الرّحمة، في معناها اللّاهوتيّ، أنّ الله يسبق الإنسان دائمًا بالمحبّة، وأنّه لا يتعامل معه بمنطق الحساب، بل بمنطق الغفران. الرّحمة فعل خلاص، يعيد الإنسان إلى كرامته، ويقيمه من سقوطه.

2.يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا ولاسيّما بجماعات الرّحمة الإلهيّة الّتي تلتئم اليوم للاحتفال بعيدها الّذي ثبّته القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني في يوم الأحد الجديد الّذي يلي عيد الفصح. وقد عمّمه على الكنيسة في 30 نيسان سنة 2000.

دخلت عبادة الرّحمة الإلهيّة إلى لبنان، بشكل واسع، في سنة 1996 وانطلقت الرّسالة في نشر العبادة بتوزيع كتب الرّحمة. منذ ذلك الوقت تأسّست جماعات الرّحمة الإلهيّة في لبنان وقد صار عددها لغاية آخر سنة 2025، 23 جماعة ملتزمة وناشطة.

تحافظ هذه الجماعات على روحانيّتها القائمة على: تكريم أيقونة الرّحمة الإلهيّة، الاحتفال بعيد الرّحمة الإلهيّة في الأحد الأوّل بعد الفصح، صلاة مسبحة وتساعية الرّحمة الإلهيّة، صلاة السّاعة الثّالثة في كلّ يوم حيثما وجدوا.

تنشط الجماعات من خلال انتسابها للكنيسة الكاثوليكيّة وتعاليمها، بتوجيه مرشدها العامّ الأب ميلاد السّقّيم م.ل، وإشراف سيادة أخينا المطران بولس عبد السّاتر راعي مرشديّة جماعات الرّحمة الإلهيّة في لبنان. تعمل هذه الجماعات أوّلًا على بناء البشر من خلال نشر العبادة والشّركة والمشاركة، وعمل الرّحمة بالدّرجات الثّلاث للرّحمة كما طلب الرّبّ يسوع: بالفعل والصّلاة والكلمة المعزّية.

3. ونوجّه تحيّة خاصّة لعائلة المرحوم الأخ نور: لشقيقه طوني بسيليس، وشقيقاته وعائلاتهم، ولأسرته الرّوحيّة: عائلة تيلي لوميار– نورسات، تجمّع أبناء الكنيسة، جماعة الرّوح القدس للرّسالات، وأصدقاء المدرسة الرّسميّة. وقد غادرنا الأخ نور صباح يوم الجمعة العظيمة من الأسبوع الماضي. وفي ذلك علامة نبويّة معزّية أنّه مات مع المسيح ليقوم معه للمجد السّماويّ. فإنّا نصلّي لراحة نفسه وعزاء عائلته.

4. الأخ نور هو إنسان اختار أن يبدّل مسار حياته، فترك حياته المريحة والمستقرّة، وتوجّه نحو خدمة الإنسان المتألّم. فأنشأ 27 مستوصفًا وعيادة طبّية، وصيدليّات مجّانيّة. إنطلق من إيمانه ليكون قريبًا من الفقراء والمهمّشين، فحمل همّهم وجعل قضيّته قضيّة الإنسان، وأوجد لهم مساكن، ومطاعم بالوجبات اليوميّة.

خلال سنوات الحرب، سعى إلى نشر ثقافة السّلام، فكان حاضرًا في المبادرات الإنسانيّة والاجتماعيّة، يعمل من أجل التّلاقي لا الانقسام. آمن بدور التّربية، فدعم المدرسة الرّسميّة، وساهم في تعزيز رسالتها. كما أدرك أهمّيّة الإعلام، فأسّس إذاعة صوت المحبّة وسلّمها للآباء المرسلين، وفي سنة 1990 أسّس تيلي لوميار وكانت علامة مضيئة، حيث تحوّلت إلى رسالة إعلاميّة جامعة، تنشر النّور في زمن الظّلمة. وسنة 2003 أطلق فضائيّاتها نورسات، والفضائيّات الأخرى.

عاش ببساطة، وخدم بتجرّد، وفتح قلبه لكلّ إنسان محتاج، فصار حضوره ملجأً ورجاءً لكثيرين. نصلّي اليوم من أجل راحة نفسه، وعزاء أسرته. رحل الأخ نور، تاركًا وراءه مجموعة عظيمة من المحبّة والرّحمة، ومسؤوليّة إعلاميّة، ومسؤوليّة كنسيّة، ومسؤوليّة وطنيّة وإنسانيّة، مسؤوليّة قضيّة اسمها الإنسان.

ونرحّب بوقف سيّدة العناية في أدونيس جبيل برئاسة الأب أنطوان خضرا.

5. اليوم الأحد الجديد حلّ محلّ السّبت اليهوديّ، لأنّه يوم القيامة. إنّا نحتفل فيه بإله جديد، وإنسان جديد، وعالم جديد.

- نحتفل بإله جديد: هو إله ابراهيم واسحق ويعقوب أخذ وجهًا جديدًا هو الإله يسوع المسيح، أعلن بطرس الرّسول: "فليعلم الجميع أنّ الله جعل يسوع هذا الّذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا" (أعمال 2/36). ونصلّي مع القدّيس افرام النّصيبي: "نزل من السّماء ربًّا، ومن حشا الأمّ خرج خادمًا. في الجحيم انحنى الموت أمامه، وفي القيامة الحياة عبدته. تبارك الله في يسوع المسيح!".

ونحتفل بإنسان جديد يتجلّى لنا على وجه المسيح القائم من الموت الّذي يكشف الوجه الحقيقيّ لأبناء الله، وجه النّعمة والحياة، بدلًا من وجه عبوديّة الموت والخطيئة. بقيامته أظهر أنّنا أبناء الله، على ما كتب بولس الرّسول: "الدّليل على أنّكم أبناء هو أنّ الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه صارخًا: أبّا، أيّها الآب! فأنت إذًا لم تعد عبدًا، بل أنت ابن؛ وإذا كنت ابنًا، فأنت أيضًا وارث بنعمة الله" (غلا 4/6-٧).

ونحتفل بعالم جديد ينشأ، مع انتصار المسيح القائم من الموت، بعد تعذيب وتنكيل وظلم وآلام ونزاع، وقد أسمع السّماء صراخ بائسي هذا العالم. مع المصلوب الممجّد يبدأ شيئًا فشيئًا بناء عالم جديد: بالقيامة أُعيد الرّجاء إلى الأرض، والعدالة إلى الحبّ والحقيقة. فالحبّ والحقيقة اللّذان صُلبا، قد قاما، وهما أقوى من الحقد والكذب.

6.فلننظر إلى واقعنا الوطنيّ المضرّج بدماء الأبرياء. نحن نؤمن أنّ لبنان ليس وطنًا للدّمار، وأنّ الظّلم ليس الكلمة الأخيرة. لبنان يقف أمام مشهد لا يمكن السّكوت عنه ولا القبول به كأنّه أمر عابر.

لقد شهدنا في الأيّام الماضية وبخاصّة الأربعاء الأسود اعتداءً قاسيًا على كامل الأراضي اللّبنانيّة، في مشاهد مؤلمة للغاية، خلال دقائق معدودة، وكأنّ حياة الإنسان عندنا أصبحت بلا وزن. نتساءل: هل أصبح الدّمّ اللّبنانيّ رخيصًا إلى هذا الحدّ؟ أين الضّمير العالميّ أمام ما يجري؟ أين الإنسانيّة الّتي يُفترض أن تحمي الإنسان أينما كان؟ وبأيّ حقّ يعتدي المحاربون على المدنيّين العُزَّل؟

الحرب مرفوضة بجملتها من الشّعب اللّبنانيّ والدّولة. فإلى متى يبقى الإنسان اللّبنانيّ يدفع ثمن هذه الحرب المفروضة عليه قسرًا؟ إلى متى تبقى أرضه ساحة مفتوحة للقتل والهدم والدّمار والتّهجير والتّشريد؟ لبنان ليس ساحة. لبنان وطن. كرامة الإنسان اللّبنانيّ ليست مباحة وأرض لبنان ليست مستباحة.

إنّ الإنسان في لبنان ليس أقلّ قيمة من أيّ إنسان آخر، وإنّ أرضه ليست ساحة مفتوحة لكلّ انتهاك. فكفى حروبًا، كفى اعتداءات، كفى جعل لبنان ساحة، كفى أن يُترك شعبه لمصير مجهول ويدفع ثمن ما لا يخصّه! كفى أن تُستباح أرضه ويُستنزف إنسانه!

السّلام لا يُفرض بالعنف ولا بالقوّة، بل يُبنى بالحوار والتّفاوض. السّلام لا يولد من الغلبة، بل من إرادة حقيقيّة تحترم حياة الإنسان وتصون كرامته.

7. فلنصلِّ، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا ربّ، في هذا الأحد، أحد الرّحمة الإلهيّة، نرفع إليك قلوبنا ونقول: يا يسوع، إنّا نثق بك. ارحم شعبك، احفظ وطننا، وثبّت رجاءنا. ولتكن كلمتك نور دروبنا. لك المجد والتّسبيح أيّها الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين."

وللمناسبة، ألقى النّائب نعمة افرام كلمة تيلي لوميار، قال فيها:

"من الصّعب جدًّا أن أقف اليوم وأتكلّم عن الأخ نور، لأنّنا لا نتكلّم فقط عن رجل رحل، بل عن حضور كبير، وعن قلب كبير، عن حياة كانت بحدّ ذاتها رسالة. أنا شخصيًّا، لم أعرف الأخ نور فقط كشخصيّة عامّة أو كرجل رسالة. كان بالنّسبة لي أكثر من صديق، وأكثر من مرشد. أنا عرفته كأب. وكان فعلًا مثل الأب: بحنانه، بصلابته، بحكمته، وبذلك النّور الّذي كان يسبق كلامه. كلّ من اقترب منه كان يشعر أنّه أمام إنسان مختلف، إنسان يحمل سلامًا عميقًا، ويعكس شيئًا من حضور يسوع نفسه. الأخ نور لم يكن رجل مؤسّسات فقط، ولا رجل إعلام فقط، ولا رجل مبادرات فقط. كان، قبل كلّ شيء، رجل محبّة. أحبّ الفقير، وأحبّ المتألّم، وأحبّ المهمّش، وأحبّ كلّ إنسان مكسور. لم ينظر إلى الفقراء كحالات اجتماعيّة، بل كان يرى فيهم وجه المسيح نفسه. ولهذا لم تكن خدمته مجرّد نشاط إنسانيّ، بل كانت صلاة حيّة، وإنجيلًا معاشًا، ورحمة تمشي على الأرض. بدأ رسالته بأمور بسيطة، بمساعدة المحتاجين، بجمع الطّعام، وبالوقوف إلى جانب العائلات المتعبة. لكن قلبه لم يعرف حدودًا. ومع الزّمن، تحوّلت هذه المحبّة إلى أعمال كبيرة جدًّا: إيواء للمشرّدين، رعاية للمحتاجين، مستوصفات، مبادرات للمهمّشين، ومراكز لمساندة من أنهكتهم الحياة.

كان الأجمل فيه أنّه لم يكن يفعل هذا كلّه من موقع القوّة أو التّفاخر، بل من موقع التّواضع العميق. كان يعطي بمحبّة، ويخدم بصمت، ويطلب لأجل الفقير من دون أيّ خجل، لأنّ قلبه كان ممتلئًا بالمسيح. وكان في الأخ نور بعد استثنائي لا يمكن أن ننساه، هو بُعد التّجرّد والتّنسّك. لقد كان يذكّرنا فعلًا بالقدّيس فرنسيس. عاش الفقر الإنجيليّ بصورة حرفيّة ومدهشة، كان حافي القدمين، يلبس ثوبًا بسيطًا من الخيش، واختار لنفسه حياة الزّهد والتّقشّف. كان يمنع نفسه جسديًّا من لمس الأوراق النّقديّة، ويرفض أن يرتبط قلبه بالمادّة. هذا الرّجل الّذي أشرف على أعمال كبيرة، وخدمات كبيرة، ومشاريع كبيرة، بقي شخصًا ناسكًا، متجرّدًا، حرًّا من كلّ شيء. وكأنّه أراد أن يقول لنا بعيشه قبل كلامه، إنّ من امتلأ بالله لا يعود يطلب شيئًا لنفسه. ومن أجمل ما جسّد روحه أيضًا، تلك الكلمة الّتي تختصر نظرته كلّها، حين كان يقول: أنا لا أنتمي إلى طائفة، أنا أنتمي إلى يسوع المسيح. هذه العبارة لم تكن مجرّد جملة جميلة، بل كانت أسلوب حياة. لقد أحبّ كنيسته من العمق، لكنّه لم يحصر قلبه في حدود ضيّقة. كان منفتحًا على الجميع، قريبًا من الجميع، يحمل محبّة حقيقيّة لكلّ الكنائس، ولكلّ النّاس، ولكلّ من يطلب الله بصدق. ولذلك كان رجل وحدة، ورجل لقاء، ورجل مصالحة. لم يكن يبني حواجز بين النّاس، بل كان يبني جسورًا، لأنّ انتماءه الأوّل والأخير كان للمسيح. وفي هذا أيضًا نفهم كيف أحبّ لبنان. أحبّه لا كشعار، بل كرسالة. وفي زمن الانقسامات، كان يحمل روح المحبّة والسّلام. وكان يرى أنّ الإنسان أهمّ من الاصطفاف، وأنّ الكرامة أهمّ من الانقسام، وأنّ حضور المسيح يجب أن يظهر في المحبّة، لا في التّفرقة. وتتمّة بعد مؤثّر جدًّا في مسيرته كلّها.

بدأ رسالته قبل أربعة أشهر فقط من اندلاع الحرب الأهلّيّة في لبنان سنة ١٩٧٥. وكان الله، بعنايته الخفيّة، كان يرسله قبل العاصفة، ليكون حاضرًا لكلّ من سيحتاج إليه في تلك السّنين القاسية. وكان الرّبّ قد أعدّه مسبقًا ليكون أبًا للفقراء، وللمتألّمين، وللمهجّرين، ولكلّ من كسرتهم الحرب وأتعبتهم الحياة. وما يلمس القلب أكثر، أنّ هذه المسيرة انتهت أيضًا بلمسة سماويّة عميقة. أخذه الرّبّ يوم الجمعة العظيمة، ليعتبر مع يسوع في آلام صليبه. وكان الّذي عاش عمره كلّه في المحبّة، وفي البذل، وفي حمل أوجاع النّاس، أعطي في نهاية الطّريق هذه النّعمة: أن يكون موجودًا في اليوم نفسه الّذي فيه نتأمّل بيسوع الّذي أحبّ حتّى المنتهى. إذا أردنا أن نلخّص حياة الأخ نور بكلمةٍ واحدة، نقول: كان نورًا. نورًا في حضوره. نورًا في صلاته. نورًا في خدمته. نورًا في فكره الإنجيليّ. نورًا في محبّته. ونورًا في شهادته للمسيح.هذا هو الأخ نور، مشروع قدّيس جديد من لبنان، الرّاحة الأبديّة أعطه يا ربّ، والنّور الدّائم فليشرق له، وليكن ذكره مباركًا ومؤبّدًا. آمين".

وبعد القدّاس، تقبّل البطريرك الرّاعي وعائلة الأخ نور وعائلة تيلي لوميار/ نورسات التّعازي في صالون الصّرح البطريركيّ في بكركي.