البابا يزور رعيّة قلب يسوع الأقدس في روما
وأكّد البابا أنّ "زمن الصّوم، وإن كان زمن استعداد وتوبة، يبقى أيضًا من فرح لأنّ الرّبّ يستقبل الجميع بمحبّة".
وتوقّف البابا عند اسم الرّعيّة "قلب يسوع"، وأشار إلى أنّ "القلب يرمز إلى محبّة المسيح اللّامحدودة ورحمته التي تجمع المؤمنين من مختلف بلدان العالم في وحدة وأخوّة حقيقيّة لا يصنعها إلّا يسوع."
كما حيّا جماعة الرّهبان والرّاهبات السّاليزيان، متذكّرًا تاريخ الرّعيّة المرتبط بخدمة الشّباب على خطى القدّيس يوحنّا بوسكو، مؤكداً أنّ "هذه الرّسالة ليست من الماضي بل تستمرّ اليوم عبر خدمة المحبّة والعمل التّربويّ".
وترأّس البابا لاون الرابع عشر القدّاس الإلهيّ مع أبناء الرّعيّة، وألقى عظة أعادت توجيه أنظار المؤمنين إلى جوهر المسيرة الأربعينيّة: إعادة اكتشاف نعمة المعموديّة كينبوع حرّيّة متجدّدة وحياة جديدة في المسيح. وإستهلّ الأب الأقدس تأمّله بالتّذكير بأنّ مسيرة الصّوم بدأت برتبة الرّماد، مشددًا على أنّ "هذا الزّمن اللّيتورجيّ ليس مجرد دعوة إلى التّوبة الخارجيّة، بل هو عودة إلى عمق هويّة المؤمن المعمَّد، الذي نال حياة جديدة بفضل تجسّد المسيح وموته وقيامته. فالمعموديّة، بحسب ما أوضح، ليست حدثًا من الماضي، بل نعمة حيّة ترافق الإنسان طوال حياته، وتعمل في داخله بصمت لتحرّر حرّيّته وتوجّهها نحو محبّة اللّه والقريب."
وقدّم البابا قراءة لاهوتيّة عميقة لمأساة الحرّيّة الإنسانيّة، "فالخطيئة الأصليّة، لم تكن مجرّد مخالفة لوصيّة، بل تشويهًا للعلاقة بين الإنسان وخالقه، حين أغوت الحيّة الإنسان بوهم الاكتفاء الذّاتي وإلغاء الفرق بين المخلوق والخالق. وهكذا تحوّلت الحرّيّة من انفتاح على اللّه إلى محاولة الاستحواذ على ما يُظنّ أنّ اللّه يمنعه."
وأشار إلى أنّ "إنجيل التّجارب يكشف الجواب الحاسم على السّؤال الوجوديّ: هل تتحقق إنسانيّة الإنسان برفض اللّه أم بقبوله؟ وفي المسيح الذي جُرِّب في البرّيّة تتجلّى "الإنسانية الجديدة"؛ إنسان حرّ حقًا لأنّه يقول "نعم" للآب، ويرفض إغراءات السّلطة والمجد السّهل والاكتفاء بالذّات."
وأكد أنّ "هذه الإنسانيّة الجديدة تنبع من جرن المعموديّة، حيث تبدأ علاقة شخصيّة مع يسوع تدخل الإنسان في شركة محبّة مع الآب. وهذه العلاقة، بطبيعتها، لا تنغلق على الذّات بل تنفتح على القريب، فتُثمر حرّيّة قائمة على العطاء لا على السّيطرة، وعلى الأخوّة لا على التّنافس." وذكّر بكلمات القدّيس بولس في الرّسالة إلى أهل غلاطية حول وحدة الجميع في المسيح: "فليس هناك يهوديّ ولا يونانيّ، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع".
وإنتقل الأب الأقدس بعد ذلك إلى البعد الرّعويّ والواقعيّ للرّسالة، متوقفًّا عند موقع الرّعيّة القريب من محطّة تيرميني، بوصفه ملتقى لوجوه بشريّة متباينة: طلاب جامعيّون، عمّال، مهاجرون، لاجئون، ومشرّدون يجدون في أعمال كاريتاس والرّهبان السّاليزيان علامة رجاء ملموسة. ورأى في هذا الحيّ صورة مصغّرة لتناقضات العصر، حيث تتجاور الفرص مع الهشاشة، والعمل الشّريف مع ظواهر العنف والاستغلال. ومن هذا المنطلق، دعا البابا الجماعة الرّعويّة إلى أن تكون خميرة الإنجيل وسط هذه التّحدّيات، وحضورًا حيًّا للقرب والرّحمة، مشيدًا بجهود السّاليزيان في خدمة الشّباب والمحتاجين، ومشجعًا الجميع على أن يبقوا شعلة صغيرة من نور ورجاء في قلب المدينة.
وإختتم البابا عظته حاثًا المؤمنين في زمن الصّوم على الثّبات في نعمة المعموديّة، ومقاومة التّجربة بقوة العلاقة مع اللّه، والسّير في حرّيّة أبناء اللّه التي تتحقّق في المحبّة والأخوّة، طالبًا من العذراء مريم، معونة المسيحيّين، أن تعضد المؤمنين في أوقات التّجربة والاختبار لكي يعيشوا ملء دعوتهم كأبناء للّه وإخوة بعضهم لبعض.
