البابا لمسيحيّي الجزائر: إبقوا كعلامة متواضعة وأمينة لمحبّة المسيح
وفي عظته قال البابا بحسب "فاتيكان نيوز": "إنّ الكلمة الإلهيّة تعبر التّاريخ وتجددّه بالصّوت البشريّ للمخلّص. واليوم نصغي إلى الإنجيل، البشرى السّارّة لجميع الأزمنة، في هذه البازيليك في عنابة المكرّسة للقدّيس أوغسطينوس، أسقف هيبون القديمة. على مرّ العصور، تغيّرت أسماء الأماكن الّتي تستضيفنا، لكن القدّيسين بقوا شفعاء لنا وشهودًا أمناء لصلةٍ بالأرض تأتي من السّماء. هذه هي الدّيناميكيّة الّتي ينيرها الرّبّ في ليل نيقوديموس: هذه هي القوّة الّتي يضفيها المسيح على ضعف إيمانه وعلى الجرأة في بحثه.
إنّ يسوع، المرسل من روح الله "الّذي لا تَدْري مِن أَينَ يَأتي، وإِلى أَينَ يذهَب"، هو ضيف خاصّ بالنّسبة لنيقوديموس. فهو في الواقع يدعوه إلى حياة جديدة، ويسلّم إلى مخاطبه وإلينا نحن أيضًا مهمّة مدهشة: " يَجِبُ علَيكم أَن تُولَدوا مِن عَلُ". ها هي الدّعوة لكلّ رجل وامرأة يبحثون عن الخلاص! من نداء يسوع تنبع الرّسالة للكنيسة جمعاء، وبالتّالي للجماعة المسيحيّة في الجزائر: الولادة مجدّدًا من علُ، أيّ من الله. وفي هذا المنظور، يغلب الإيمانُ التّعب الأرضيّ وتجعل نعمةُ الرّبّ الصّحراءَ تزهر. ومع ذلك، فإنّ جمال هذه الدّعوة يحمل في طيّاته محنة، يدعونا الإنجيل لاجتيازها معًا.
إنّ كلمات المسيح، في الواقع، تملك قوّة الواجب: يَجِبُ علَيكم أَن تُولَدوا مِن عَلُ! هذا الأمر يتردّد في آذاننا كأمر مستحيل. ولكن بالإصغاء باهتمام إلى الّذي أعطاه، نفهم أنّه ليس فرضًا قاسيًا، ولا إكراهًا، ولا حتّى حكمًا بالفشل. بل على العكس، إنّ الواجب الّذي عبّر عنه يسوع هو عطيّة حرّيّة لنا، لأنّه يكشف لنا عن إمكانيّة غير متوقّعة: يمكننا أن نولد ثانية من علُ، بفضل الله. وعلينا أن نفعل ذلك، إذًا، وفقًا لمشيئته، مشيئة المحبّة الّتي ترغب في تجديد البشريّة من خلال دعوتها إلى شركة حياة تبدأ بالإيمان. وبينما يطلب منّا المسيح أن نجدّد حياتنا كلّها من جديد، هو يمنحنا أيضًا القوّة للقيام بذلك. وهذا ما يؤكّده القدّيس أوغسطينوس الّذي يصلّي قائلًا: "أعطِ يا ربّ ما تأمر به، ومُر بما تشاء".
لذلك، عندما نتساءل كيف يكون ممكنًا مستقبلٌ من العدل والسّلام، والوئام والخلاص، لنتذكّر أنّنا نوجّه إلى الله سؤال نيقوديموس عينه: هل حقًّا يمكن لتاريخنا أن يتغيّر؟ نحن مثقلون جدًّا بالمشاكل والمكائد والمحن! هل يمكن حقًّا لحياتنا أن تبدأ من جديد؟ نعم! إنّ تأكيد الرّبّ، المليء بالحبّ، يملأ قلوبنا بالرّجاء. لا يهمّ مدى ثقلنا بالألم أو الخطيئة: فالمصلوب يحمل كلّ هذه الأثقال معنا ولأجلنا. لا يهمّ مدى إحباطنا من ضعفنا: ففي ذلك الوقت تحديدًا تتجلّى قوّة الله، الّذي أقام المسيح من بين الأموات ليعطي الحياة للعالم. يمكن لكلّ واحد منّا أن يختبر حرّيّة الحياة الجديدة الّتي تأتي من الإيمان بالفادي. ومرّة أخرى، يقدّم لنا القدّيس أوغسطينوس المثال: قبل أن ننظر إليه من أجل حكمته، لننظر إليه من أجل ارتداده. ففي هذه الولادة الجديدة، الّتي رافقتها عناية الله بدموع أمّه، القدّيسة مونيكا، أصبح هو نفسه حين صرخ: "لم أكن لأوجد يا إلهي، لم أكن لأوجد أبدًا، لو لم تكن أنت فيّ. بل بالأحرى، لم أكن لأوجد، لو لم أكن أنا فيك".
نعم، إذًا: المسيحيّون يولدون من علُ، ويجدِّدهم الله كإخوة وأخوات ليسوع، والكنيسة الّتي تغذّيهم بالأسرار هي رَحِمٌ مضياف لجميع شعوب الأرض. وكما سمعنا قبل قليل، يشهد سفر أعمال الرّسل على ذلك من خلال سرد الأسلوب الّذي يميّز البشريّة المتجدّدة بالرّوح القدس. واليوم أيضًا، من الضّروريّ أن نقبل ونحقّق هذا القانون الرّسوليّ، ونتأمّل فيه كمعيار حقيقيّ للإصلاح الكنسيّ: إصلاح يبدأ من القلب لكي يكون حقيقيًّا، ويشمل الجميع لكي يكون فعّالًا.
أوّلًا، في الواقع، "كانَ جَماعَةُ الَّذينَ آمَنوا قَلبًا واحِدًا ونَفْسًا واحِدة". هذه الوحدة الرّوحيّة هي وئام: وهي كلمة تعني بوضوح شركة القلوب الّتي تخفق معًا، لأنّها متّحدة بقلب المسيح. إنَّ الكنيسة النّاشئة لا تقوم إذًا على عقد اجتماعيّ، بل على انسجام في الإيمان والعواطف والأفكار وخيارات الحياة الّتي تضع في محورها حبّ الله، الّذي صار بشرًا ليخلّص جميع شعوب الأرض.
ثانيًا، نتأمّل في الأثر المادّيّ لهذه الوحدة الرّوحيّة للمؤمنين: "كانَ كُلُّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم". الجميع يملكون كلّ شيء، ويشاركون في خيرات كلّ فرد كأعضاء في جسد واحد. لا يُحرم أحد من شيء، لأنّ كلّ فرد يشارك بما لديه. وبتحويل الملكيّة إلى عطيّة، فإنّ هذا التّفاني الأخويّ لا يمثّل "يوتوبيا" إلّا للقلوب المتنافسة والأنفس الطّامعة لنفسها. أمّا الإيمان بالإله الواحد، ربّ السّماء والأرض، فيوحّد البشر وفقًا لعدالة كاملة، تدعو الجميع إلى المحبّة، أيّ إلى محبّة كلّ خليقة بالحبّ الّذي يمنحنا الله إيّاه في المسيح. لذلك، ولاسيّما أمام العوز والاضطهاد، يتّخذ المسيحيّون المحبّة كدستور أساسيّ: لنفعل بالآخرين ما نودّ أن يفعله الآخرون بنا. وإذ يحرّكها هذا القانون، الّذي يكتبه الله في القلوب، تبقى الكنيسة دائمة الولادة، لأنّها حيث يوجد اليأس تُشعل الرّجاء، وحيث يوجد البؤس تحمل الكرامة، وحيث يوجد الصّراع تحمل المصالحة.
ثالثًا، نجد في نصّ أعمال الرّسل أساس هذه الحياة الجديدة، الّتي تشمل شعوبًا من كلّ لغة وثقافة: "وكانَ الرُّسُلُ يُؤدُّونَ الشَّهادَةَ بِقِيامَةِ الرَّبِّ يسوع تَصحَبُها قُوَّةٌ عَظيمة، وعَلَيهِم جَميعًا نِعمَةٌ وافِرة". إنّ المحبّة الّتي تحرّكهم، قبل أن تكون التزامًا أخلاقيًّا، هي علامة خلاص: فالرّسل يعلنون أنّ حياتنا يمكنها أن تتغيّر لأنّ المسيح قام من بين الأموات. إنّ المهمّة الأولى للرّعاة، خدّام الإنجيل، هي إذًا أداء الشّهادة لله أمام العالم بقلب واحد ونفس واحدة، بدون أن تفسدنا الهموم بالخوف ولا أن تضعفنا الموضات بالمساومة. ومعكم، أيّها الإخوة في الأسقفيّة، ومعكم أيّها الكهنة، نجدّد باستمرار هذه الرّسالة من أجل خير الأشخاص الموكلين إلينا، لكي تكون الكنيسة بأكملها، في خدمتها، رسالة حياة جديدة للّذين نلتقي بهم.
في هذه الأرض، أيّها المسيحيّون الأعزّاء في الجزائر، ابقوا كعلامة متواضعة وأمينة لمحبّة المسيح. إشهدوا للإنجيل بلفتات بسيطة، وعلاقات حقيقيّة، وحوار يُعاش يومًا بعد يوم: هكذا تعطون النّكهة والنّور للمكان الّذي تعيشون فيه. إنّ حضوركم في البلاد يذكّر بالبخور: حبّة مُتَّقدة، تنشر العطر لأنّها تمجّد الرّبّ وتمنح البهجة والتّعزية لإخوة وأخوات كثيرين. هذا البخور هو عنصر صغير وثمين، لا يقف في مركز الاهتمام، بل يدعو إلى توجيه قلوبنا نحو الله، من خلال تشجيع بعضنا البعض على المثابرة في صعوبات الزّمن الحاضر. فمن مِبخرة قلوبنا يرتفع التّسبيح والبركة والتّضرّع، وينشر الرّائحة الطّيّبة للرّحمة والصّدقة والمغفرة. إنّ تاريخكم مصنوع من الاستقبال السّخيّ والثّبات في المحنة: هنا صلّى الشّهداء، وهنا أحبّ القدّيس أوغسطينوس رعيّته باحثًا عن الحقيقة بشغف وخادمًا المسيح بإيمان متّقد. كونوا ورثة لهذا التّقليد، شاهدين في المحبّة الأخويّة لحرّيّة من يولد من علُ كرجاء خلاص للعالم."
وفي ختام الذّبيحة الإلهيّة، وجّه البابا كلمة قال فيها: "أشكركم، يا صاحب النّيافة، على المشاعر الّتي أعربتم عنها باسم الجماعة بأسرها! وأشكر كلّ فرد منكم على الاستقبال الّذي خصّصتموه لي خلال هذه الأيّام. وأتوجّه بشكر خاصّ إلى السّلطات المدنيّة على حسن الضّيافة الكريمة الّتي حظيتُ بها، وعلى العناية الّتي أولتها لضمان نجاح زيارتي إلى الجزائر. إنّ هذه الزّيارة بالنّسبة لي هي عطيّة خاصّة من العناية الإلهيّة، عطيّة أراد الرّبّ أن يمنحها للكنيسة جمعاء من خلال بابا "أوغسطينيّ". ويبدو لي أنّني أستطيع تلخيصها على النّحو التّالي: الله محبّة، وهو أب لكلّ الرّجال والنّساء. فلنتوجّه إليه بتواضع، ولنعترف بأنّ الوضع الحاليّ للعالم، الّذي يشبه دوّامة سلبيّة، ينبع في جوهره من كبريائنا. نحن بحاجة إليه، وإلى رحمته. ففي الله وحده يجد القلب البشريّ السّلام؛ ومعه وحده يمكننا جميعًا، باعترافنا بأنّنا إخوة، أن نسير في دروب العدالة، والتّنمية المتكاملة، والشّركة."
