برثلماوس الأوّل: إنّ "المسيح قام" هي دعوة إلى حياة السّلام
"نعمة وسلام ورحمة من المسيح القائم بالمجد
أيّها الإخوة الأساقفة الأجلّاء، وأبناؤنا المباركون في الرّبّ،
بعد أن بلغنا، بالصّوم والصّلاة والوقار، إلى اليوم المنير الكلّيّ البهاء، يوم الفصح المقدّس، نسبّح ونمجّد قيامة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح الخلاصيّة للعالم، تلك الّتي تُظهر انتصار الحياة على الموت، وتجدّد الخليقة بأسرها، وتفتح للإنسان طريق التّألّه بالنّعمة.
إنّ كنيسة المسيح تحفظ خبرة الفصح في حياتها اللّيتورجيّة، وفي جهاد القدّيسين وشهداء الإيمان، وفي التّوق الإسخاتولوجيّ للحياة الرّهبانيّة، وفي الكرازة بالإنجيل "إلى أقاصي الأرض"، وفي اللّاهوت والفنون الكنسيّة، وفي الشّهادة الصّالحة للمؤمنين في العالم، وفي ثقافة المحبّة والتّضامن، وفي اليقين الرّاسخ بأنّ الشّرّ ليس له الكلمة الأخيرة في التّاريخ.
إنّ قيامة الرّبّ تُعاش كحرّيّة ممنوحة من المسيح، تُلهم الإنسان وتغذّيه وتقوّي طاقاته الخلّاقة، وتدفعه إلى الجهاد الصّالح من أجل "كلّ ما هو حقّ، وكلّ ما هو جليل، وكلّ ما هو عادل، وكلّ ما هو طاهر، وكلّ ما هو مُحبّب، وكلّ ما هو صيته حسن"، وفي الوقت عينه تذكّرنا بأنّ المسيرة نحو القيامة مرتبطة ارتباطًا لا ينفصم بالصّليب.
إنّ فرح الصّليب والقيامة قد حفظ شعب الله من التّماهي مع روح هذا العالم، وفي الوقت نفسه صانه من الانغلاق العقيم ومن روحانيّة خالية من الديناميكيّة ونَفَس الرّجاء.
إنّ حياة المؤمنين في المسيح المصلوب والقائم "من أجلنا نحن البشر"، ما زالت إلى اليوم تفنّد كلّ تفسير غريب للأخلاق المسيحيّة باعتبارها "أخلاق الضّعفاء"، والّتي يُظن أنّها تتجسّد في التّواضع، والغفران، والمحبّة المضحّية، والنّسك، وقول الرّبّ "وأمّا أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشّرّير"، وسائر المبادئ والمواقف الّتي تشكّل جوهر هويّتنا.
ولا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الفهم، لأنّ روح المسيحيّة هي روح المحبّة الباذلة الّتي "لا تطلب ما لنفسها"، محبّة متّشحة بالشّجاعة والجرأة والصّدق الوجوديّ.
إنّ الفصح هو نشيد لهذه الحرّيّة، للإيمان "الفاعل بالمحبّة"، الّذي ليس إنجازًا منّا، بل هو نعمة وعطيّة من العلاء، يُعاش في أسرار الكنيسة المقدّسة وفي "سرّ" خدمة القريب.
فالحقّ أنّ "محبّة الله لا تقبل إطلاقًا كراهيّة الإنسان لأخيه الإنسان".
إنّ كنيسة المسيح- "ملح الأرض" و"نور العالم"، والمدينة "الموضوعة على جبل"، والسّراج الموضوع "على المنارة"- تشهد في العالم شهادة حيّة، في ضوء علامات الأزمنة، للنّعمة الّتي أُعطيت "وللرّجاء الّذي فينا".
إنّ رسالة الصّليب والقيامة تُدوّي اليوم كبشارة سلام ومصالحة وعدل. فالحرب والبغضاء والظّلم تتعارض مع المبادئ المسيحيّة الأساسيّة، الّتي من أجل تحقيقها يَصلّي شعب الله ويجاهد كلّ يوم.
وفي نور القيامة، نبتهل إلى الرّبّ من أجل ضحايا عنف الحروب، والأيتام، والأمّهات الثّكالى، وكلّ الّذين يحملون في أجسادهم ونفوسهم آثار قسوة الإنسان وجموده.
إنّ "المسيح قام" هي رفض وإدانة للعنف والخوف، وهي دعوة إلى حياة السّلام. فالحرب تُنجب النّحيب والموت، أمّا القيامة فتغلب الموت وتهب عدم الفساد.
وأمام الصّور اليوميّة لقسوة الحروب، ترفع الكنيسة صوتها وتُعلن قدسيّة الإنسان- كلّ إنسان ملموس في أيّ مكان على وجه الأرض- وواجب احترام كرامته احترامًا مطلقًا. وتدعونا إلى أن "نعرف قيمتنا، ونكرّم الأصل، وندرك قوّة السّرّ، ونفهم من أجل من مات المسيح."
إنّ قيامة الرّبّ هي إعادة الإنسان إلى دعوته الأزليّة. وبصفتها "بداية حياة أبديّة أخرى"، فهي تشفي العلاقات المُغتربة وتُقيم السّلام "الّذي يفوق كلّ عقل"، سلامًا يشمل المصالحة والتّهدئة في العالم.
وبإلهام من الله، شدّد المجمع المقدّس العظيم للكنيسة الأرثوذكسيّة- الّذي نُحيي هذا العام الذّكرى العاشرة لانعقاده- على واجب الكنيسة في "تشجيع كلّ ما يخدم حقًّا قضيّة السّلام ويفتح الطّريق أمام العدل، والأخوّة، والحرّيّة الحقيقيّة، والمحبّة المتبادلة بين جميع أبناء الآب السّماويّ الواحد، وكذلك بين جميع الشّعوب الّتي تؤلّف العائلة البشريّة الواحدة".
إنّ الفصح المقدّس هو مجمل حضارتنا الرّوحيّة وجوهر تقوانا. وقيامة الرّبّ هي أيضًا قيامتنا نحن في الزّمن الحاضر، وهي في الوقت عينه صورة مسبقة وذوق مسبق لـ"القيامة العّامة لجميع البشر" وتجديد الخليقة كلّها.
مستنيرين بالنّور الكلّيّ الإشراق المنبعث من وجه المسيح القائم، وممجّدين اسمه القدّوس جدًّا بالمزامير والتّسابيح والأناشيد الرّوحيّة- رئيس السّلام، الّذي هو معنا "كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر"- نمنحكم تمنّياتنا بقيامة مباركة، وموسم فصحيّ مملوء من العطايا الإلهيّة، وكذلك كلّ أيّام حياتكم، هاتفين دائمًا بإعلان الفرح العامّ:
"المسيح قام! حقًّا قام الرّبّ!".
