حياة القديسة تريزا الطفل يسوع
لقد كان شعارها الدائم قول الربّ يسوع: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى18/3 ). فعاشت الطفولة الروحية وشهدت لها، لذلك كانت تقول: "سوف أبقى أبداً طفلةً ابنة سنتين أمامه تعالى كي يضاعف اهتمامه بي .. فالطفل يرتضي بصغره وضعفه ويقبل أن يكون بحاجة إلى المعونة ..سأتوكَّل على الله أبي في كلِّ شيء وأطلب إليه كلَّ شيء وأرجو منه كلَّ شيء . سأترك له الماضي مع ما فيه من المتاعب والمآثم ليغفرها.. وسأقبل الحاضر والمستقبل منه مسبقاً كما تشاء يده الحنون أن تنسجها لي.. إنَّ كلَّ شيء يؤول في النهاية إلى خلاصي وسعادتي ومجده تعالى.. الله يعلم كلَّ شيء، وهو قادرٌ على كلِّ شيء..ويُحبني.. سوف أبقى أبداً طفلةً أمامه وأحاول دوماً أن أرتفع إليه بالرغم من ضعفي ووهني.. الطفل الصغير يستطيع المرور بكلِّ مكان لصغره.. كم أتوق إلى السماء، حيث نحبُّ يسوع دون تحفظ أو حدود.. في قلب يسوع سأكون دوماً سعيدة.. الشيء الوحيد الذي أرغب في أن تطلبه نفسي هو نعمة حبِّ يسوع وأن أجعل، قدر إمكاني، كلَّ إنسان يحبه.. إن أصغر لحظة حب خالص، لأكثر فائدة لها، من جميع ما عداها من نشاطات مجتمعة.."
إن ما يميِّز دعوة تريزا إلى القداسة هو رغبتها السريعة في تحقيقها، رغم إدراكها لحقيقة الضعف المتأصلة في الإنسان، تقول: "لابدَّ لي من أن أقبل واقعي كما هو، بكلِّ ما فيه من نواقص. إني أريد أن أذهب إلى السماء، سالكةً طريقاً مستقيمة وقصيرة المدى، طريقاً صغيرة وجديدة. فنحن في عصر الاختراعات، ولم يَعُد ضرورياً أن نتسلَّق الدَرَج درجة درجة.. هناك المِصعَد!.. أنا أريد أن أجد مصعداً يرفعني إلى يسوع، فأنا أصغر من أن أتسلَّق سلّم الكمال، وهي سلّم شاقة". ولكن، ما هو المِصعَد في نظر صغيرتنا القديسة؟!.. الطبيعة؟.. أم الكتب المقدَّسة؟.. أم كلاهما معاً؟..
لقد وجدت تريزا في تأملها الكتب المقدسة "ما كانت تسعى إليه". فكانت تعتبر أن كلمة الله هي دائماً واقعية، بشكل أن تكون موّجهة إلينا مباشرة، وشخصيّاً، ولقد كانت باستمرار "موضوع أشواقها". ولَكَم كانت الطبيعة أيضاً مصدر إطلالة حبِّ الله عليها، حتى أكثرت من الاستعارات والتشابيه المستمّدة من الطبيعة كالورود والطيور والشمس والعاصفة والمطر والضباب.
لم تتردَّد تريزا مطلقاً أن تظهر في سيرتها نقائصها التي كان يسوع ساهراً على تجاوزها، لذلك "لا تجد صعوبةً في النهوض عندما تكبو"، على حدِّ قولها. فحين يكتشف الإنسان ضعفه، تقول تريزا: " يتحمَّل نقائص الغير، ولا تصدمه مواطن الضعف فيه". فلا يكفي أن نقول أننا نحبُّ الآخرين، "بل علينا أن نقيم الدليل على هذا الحب".
لم تتأخر تريزا في إظهار عفويتها، ومواقفها المرحة، كأن تذكر مثلاً أن أمها كانت تنعتها بالـ"عفريته".. وأنها حين كانت تمازح أباها تتمنى له أن يموت لكي يذهب إلى السماء. وعندما تهددها الوالدة بأنها ستذهب إلى جهنم حين لا تكون "عاقلة"، تردُّ عليها أنها سوف تتعلّق بها لتذهب معها إلى السماء، "إذ كيف يمكن للرب، تقول تريزا لها، أن يُبعدني؟ ألا تضميني إلى ذراعيكِ بشدة". كأنها كانت على قناعة أن الله "لن يستطيع حيالها شيئاً" طالما هي بين ذراعي الأم! التي هي بدورها، تصف صغيرتها، أنها، رغم صراحتها وشفافيتها و"قلبها الذهبي"، "طائشة"، "عنادها لا يقهر.. عندما تقول "لا"، لا يمكن لأي شيءٍ أن يُزعزعها". وتحتار الأم حول مستقبلها وتتساءل عنها "ماذا ستكون"؟.. ليتكِ علمتِ أيتها الأم الفاضلة التي قدَّمَتْ للكرمل أربع زهرات من بناتها، أن الصغيرة منهن ستكون قديسة!!
سنة 1886 ، بلغت تريزا الرابعة عشرة من عمرها وعلمت، من الصحف، الحكم بالإعدام على المجرم برانزيني، الذي كان يرفض رفضاً باتاً أن يلتقي الكاهن، قبل تنفيذ الحكم عليه، فدأبت تريزا، بكلِّ ضراعة على الصلاة ليلَ نهار، لتلتمس خلاص نفس هذا المجرم. وفي أول أيلول عَلِمتْ من صحيفة "لاكروا " La Croix بأن هذا المجرم، قبل أن يُنفَّذ حكم الإعدام به ، أخذ الصليب من يد الكاهن وقبَّله، وتبيَّنَتْ بذلك إشارةً من الله الذي لا يُخيِّب ملتمس من يعتمد عليه تعالى، كما ترسَّختْ في نفسها الدعوة إلى تكريس الذات للتفرغ والصلاة، التي أحست بها ليلة عيد الميلاد سنة 1886.
لقد فهَّم جيداً البابا بيوس الحادي عشر أهمية طريق تريزا الطفل يسوع المبسطة إلى القداسة، فأعلنها منذ عام 1925 قديسة، ثم جعلها شفيعة للمرسلين في العالم. وفي اليوبيل المئوي لوفاتها سنة 1997 وضعها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في مصف معلمي المسكونة بإعلانها "معلمة الكنيسة الجامعة" رافعاً إياها إلى مرتبة أعاظم القديسين، هي التي كانت تعتز بصغرها وضِعة شأنها.
هذه القديسة الصغيرة، الكبيرة، التي تزين أيقونتها المقدّسة عدداً وافراً من كنائسنا، تستقطب في أيامنا جماعات المؤمنين، يلتمسون شفاعتها في الحالات اليائسة المستعصية، الشفاء من الأمراض الخطيرة التي استعصت على الطب، عودة الخطأة المدمنين إلى التوبة، تهدئة أذهان أناس معرضين للشك واليأس، حماية المسيحيين المضطهدين الذين تحيط بهم الأخطار، راحة لأنفس الذين رقدوا محرومين من إسعافات الكنيسة. فالنعم التي ننالها بشفاعتها كثيرة لا عدَّ لها ومثبتة. فلنبادر إليها نحن أيضاً بطلباتنا وهي تعرف كيف تشفع لنا لدى الرب الذي أخلصت له في كلِّ شيء وفي كلَّ لحظة من حياتها.
المراحل الكبيرة في تطويب القديسة تريزا
30 ايلول 1898 نشر أول نسخة من "قصة نفس" (2000 نسخة) Histoire d'une Ame
1899 - 1900 أول حجاج إلى قبر الأخت تريز: أولى العجائب.
26 أيار 1908 عند قبرها، تشفى رين فوكيه، وهي فتاة عمياء من ليزيو عمرها 4 سنوات.
1910 بداية دعوى تطويبها بإدارة المطران لومونييه، أسقف بايو Bayeux.
1915 بداية الدعوى الثانية المسماة الدعوى الرسولية، حيث أنها تتم بطلب من الكرسي الرسولي.
1921 صدر البابا بونوا Benoît الخامس عشر مرسوماً عن بطولة فضائل خادمة الله.
29نيسان 1923 تطويب الأخت تريز للطفل يسوع من قبل البابا بيوس الحادي عشر ونقل خائر من مقبرة ليزيو إلى الكرمل.
17أيار 1925 إعلان القداسة بحفل علني من قبل البابا بيوس الحادي عشر (بحضور 5000 حاج).
14كانون الأول 1927 يعلن بيوس الحادي عشر تريز كشفيعة للرسالات، بالمساواة مع القديس فرانسوا كزافييه
30أيلول 1929 وضع حجر الأساس لكنيسة ليزيو.
11 تموز 1937 تدشين ومباركة الكنيسة من قبل الكردينال باشيلي Pacelli، ممثلاً البابا بيوس الحادي عشر.
24 تموز تأسيس الدعوة الفرنسية Mission de France والتي مقرها في ليزيو.
3أيار 1944يعلن البابا بيوس الثاني عشر تريز شفيعة ثانوية لفرنسا، بالمساواة مع جان دارك.
1947 الذكرى الخمسون لوفاة تريز. يتم نقل ذخائرها إلى معظم أديرة فرنسا.
11تموز 1954 تكريس كنيسة ليزيو.
1956 ظهور النسخة المصورة للمخطوطات الذاتية (النسخ الأصلية لقصة نفس).
1973 الاحتفال بالذكرى المئوية لولادتها.
2حزيران1980 يأتي البابا يوحنا بولس الثاني للحج في ليزيو.
1988 ظهور نسخة المئوية (الأعمال الكاملة لتريز بنشرة نقدية).
1992 ظهور النسخة الجديدة للمئوية المهداة إلى البابا يوحنا بولس الثاني في 18 شباط 1993.
1997 الذكرى المئوية لوفاة القديسة تريزا.
19 تشرين الأول يعلن البابا يوحنا بولس الثاني القديسة تريزا كدكتورة للكنيسة Docteur de l'Eglise .
من كلمات القديسة تريزا الطفل يسوع المؤثرة:
- أنا زهرةٌ ربيعية يقطفها صاحب الحديقة ليتنعم بها. نحن كلنا على هذه الارض أزهار مزروعة يقطفها الله في أوانها بعضها عاجلاً والبعض الآخر آجلاً. أما أنا الصغيرة قليلة الأيام، فسأذهب قبل الجميع وسنلتقي يوماً في الفردوس ونتمتع بالسعادة الحقيقية.
- إنما المصعد الذي يرفعني حتى السماء ذراعاك يا يسوع!
لأجل ذلك لست بحاجة لأن أكبر
يلزمني أن أبقى صغيرة، أن أزداد صغرًا
- بالقرب منك، يا أمي الحنون وجدتُ راحةَ القلب. لا أريد بعد في الأرض شيئًا فيسوع وحده سعادتي كلها.
إن شعرتُ بالحزن أحيانًا وبالخوف يهاجمني، نصرتِ دائمًا ضعفي وتنازلتِ يا أمي وباركتِني.
أعطني أن أكون أمينةً لعريسي الإلهي يسوع فيدعوني صوته العذب يومًا إلى أن أطيرَ بين المختارين فلن تكون، عندئذٍ، غربةٌ أو ألم وسأردد لكِ في السماء نشيد عرفاني بالجميل يا سلطانتي المحبوبة.
- رسالتي أن أجعل الله محبوباً كما أحبّه، أنا تلك رسالتي على الأرض.
و بعدئذٍ في السماء عندما ارحل عن هذه الأرض لن تتوقف رسالتي عند موتي بل ستتواصل، سأجعلها تستمرّ من علياء السماء أيضاً، سأستمرُّ في نثر الورود على الأرض، سأستمرُّ في هطل الإنعامات على النفوس. ستتواصل رسالتي، ستتفاعل، ستصبح ككرة الثلج أكبر فأكبر.
لا، لن أكون مكتوفة الأيدي في السماء لا لن اتلذذ لوحدي في النعيم مع الله و ملائكته و قديسيه بل أريد أن أقضي سمائي بعمل الخير على الأرض.
- حياتي لحظة، ساعة عابرة، حياة فترة تفلت مني وتهرب، أنت تعرف يا الهي أنني حتى أحبك على الأرض لا أملك غير النهار. الأرض هي قاربك و ليست مسكنك ولا تزال صورة القارب تغلب نفسي على الدوام وتساعدني على احتمال المنفى الأرضي. أما يقول سفر الحكمة "الحياة كالسفينة الجارية على الماء المتموج التي بعد مرورها لا تجد أثره ولا خط حيز وميها في الأمواج"
طريقة الطفولة الروحية هي طريقة الثقة والاستسلام المطلق، أريد ان أدل النفوس على الوسائل الصغيرة التي نجحت معي نجاحا كاملا وأقول لها أن ليس لنا في هذه الدنيا إلا عمل واحد وحسب، أن ننثر في وجه يسوع زهور التضحيات الصغيرة.
- إنني لا أجِدُ على هذه الأرض شيئًا يجعلُني سعيدة فقلبي كبير إلا أنَّ لا شيءَ مما يسموه سعادة في هذا العالم يمكنه أن يرضيه. إنَّ فكري يطولُ بي نحو الأبديّة والزمان أوشَكَ أن يزول. إن قلبي هادئٌ كبحيرة راكِدَةٍ أو كسماءٍ صافية. إنّي غيرُ آسفَةٍ على حياة هذا العالم فبي ظمأ إلى مياه الحياة الأبديَّة.
- الموت حبا هذا رجائي
أريد أن أستعر بحبه
أريد أن أراه وأتحد به للأبد
تلك سمائي ذاك مصيري
الحياة بالحب
- أنت الحنون وقلبك البحرُ وأنا اليباسُ وقلبي الصخرُ.
