15 يوليو 2026
لبنان

عوده: لبناننا بحاجة إلى أن يحبّ أبناؤه بعضهم بعضًا ويعملوا من أجل خير الوطن

هذا ما شدّد على حاجته متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده خلال عظة قدّاس الأحد الّذي احتفل به صباح الأحد في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- وسط بيروت.

وفي تفاصيل هذه العظة، قال عوده: “أحبّائي، يضع إنجيل اليوم أمامنا مشهدًا من أعمق مشاهد الرّحمة الإلهيّة. فعند وصول الرّبّ يسوع إلى مدينته قدّم إليه قوم “مخلّعًا ملقًى على سرير”. لم يبدأ الرّبّ بشفاء الجسد، بل توجّه أوّلًا إلى أصل الدّاء فقال للمخلّع: “ثق يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك”. كان هذا الإعلان سبب عثرة للكتبة الّذين لم يدركوا أنّ يسوع ليس مجرّد معلّم، بل هو ابن الله المتجسّد، الّذي له سلطان لمغفرة الخطايا كما له سلطان على الأمراض والموت. قالوا في أنفسهم “هذا يجدّف”. علم يسوع أفكارهم فقال للمخلّع، لئلّا يبقى إيمان الحاضرين ناقصًا: “قم، إحمل سريرك واذهب إلى بيتك”، فقام حالًا أمام الجميع الّذين تعجّبوا ومجّدوا الله.

يكشف لنا هذا النّصّ حقيقةً أساسيّةً في الحياة الرّوحيّة، هي أنّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى شفاء الجسد، بل يحتاج قبل كلّ شيء إلى شفاء القلب والرّوح. فالمرض قد يتعب الإنسان لكنّ الخطيئة تبعده عن الله وتحرمه من شركة الحياة معه. لذلك رأى الرّبّ في المخلّع إنسانًا يحتاج أوّلًا إلى المصالحة مع أبيه السّماويّ، فأعطاه الغفران قبل العافية ليعلّمنا أنّ كلّ نهضة حقيقيّة تبدأ من الدّاخل، من التّوبة، ومن لقاء الإنسان بالمسيح الّذي يجدّد صورته ويقيمه من شلل الخطيئة.

يرى القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ أنّ المسيح بدأ بغفران الخطايا ليظهر أنّ المرض الجسديّ ليس أعظم مصائب الإنسان. فقدان الشّركة مع الله هو المرض الحقيقيّ. ويضيف أنّ الرّبّ لم يشف المخلّع بالكلمة فقط بل أعاد إليه كرامته عندما أمره أن يحمل فراشه، ليصبح ما كان علامةً على ضعفه شاهدًا على قوّة الله العاملة فيه.

الإنجيل لا يحدّثنا عن المخلّع وحده، بل عن الّذين حملوه أيضًا. يقول الإنجيليّ: “فلمّا رأى يسوع إيمانهم”. لقد صار إيمان الأصدقاء جسرًا حمل المخلّع إلى المسيح. الكنيسة ليست جماعة أفراد يسير كلّ واحد منهم وحده، بل هي جسد واحد يحمل أعضاؤه بعضهم بعضًا بالصّلاة والمحبّة والخدمة. إنّنا كثيرًا ما نكون عاجزين عن الوقوف أمام الله بسبب ثقل تجاربنا أو ضعف إيماننا، لكنّ صلاة الكنيسة وإيمان المؤمنين يسنداننا، كما حمل أولئك الرّجال صديقهم حتّى وضعوه أمام الرّبّ.

هنا يتجلّى إرتباط نصّ الإنجيل برسالة اليوم، حيث يقول الرّسول بولس: “لنا مواهب مختلفة باختلاف النّعمة المعطاة لنا”. فالّذين حملوا المخلّع مارسوا موهبة الخدمة ومحبّة القريب عمليًّا ولم يكتفوا بالكلام والعواطف. صاروا مثالًا حيًّا لما يطلبه الرّسول من كلّ مؤمن، أيّ أن تتحوّل المواهب إلى خدمة، والإيمان إلى عمل، والمحبّة إلى بذل وتضحية.

الكنيسة ليست مكانًا يتباهى فيه الإنسان بمواهبه، بل حقل يعمل فيه الجميع لخلاص الجميع. فمن أعطي موهبة التّعليم يبني الإيمان، ومن أعطي موهبة التّعزية يشدّد المنكسرين، ومن أعطي القدرة على العطاء يفرح الفقراء، ومن أعطي الحكمة يرشد الحائرين. المقياس ليس كثرة المواهب، بل مقدار المحبّة الّتي تمارس بها. لذلك يقول الرّسول: “لتكن المحبّة بلا رياء”، لأنّ الخدمة الّتي تخلو من المحبّة تتحوّل إلى مجد باطل، أمّا الخدمة الّتي تنبع من المسيح فتصير امتدادًا لعمله الخلاصيّ.

الوطن أيضًا ليس مكانًا للتّباهي بالمواهب والإنجازات بل هو مكان يعيش فيه الجميع في وحدة المحبّة والتّآخي والمصير المشترك. ورغم تعدّد المواهب فيه، وهي عطيّة من الله لا فضل للإنسان فيها، يجب استخدامها من أجل خير الجميع. على أبناء الوطن الواحد حمل بعضهم بعضًا، وتفهّم بعضهم البعض، “ماقتين للشّرّ وملتصقين بالخير” كما يقول الرّسول، الّذي يضيف: “محبّين بعضكم بعضًا حبًّا أخويًّا، مبادرين بعضكم بعضًا بالإكرام”، أيّ بدون تعال وكبرياء وانتفاخ وتسلّط. لبناننا بحاجة إلى أن يحبّ أبناؤه بعضهم بعضًا ويعيشوا في الاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة، وأن يعملوا من أجل خير الوطن ليعمّ الخير الجميع، وأن يستعملوا المواهب المتعدّدة من أجل كرامة الوطن لتعود الكرامة إلى الجميع، لأنّه ليس مواطن أكرم من الآخر أو أعلى قيمةً أو أعزّ شأنًا. لذا نرفع الصّلاة من أجل عودة الجميع إلى رشدهم كي يعود وطننا إلى نفسه فيعود الأمل إلى النّفوس، وتعود الثّقة بلبنان، والإيمان بالمستقبل، وتعود الأمور إلى نصابها بعد عقود مرّت والاستقرار مؤجّل، والفرص معطّلة، والحروب تتوالى، والنّزوح يتجدّد، والخسائر تتضاعف، والاقتصاد يتراجع، والوطن ينزف.

يا أحبّة، نعيّد اليوم للقدّيس باييسيوس الآثوسيّ، الّذي يشكّل مثالًا معاصرًا عاش المحبّة والخدمة بكلّ أمانة. لم يكن صاحب نظريّات، بل كان رجل صلاة واتّضاع ومحبّة. كان يستقبل كلّ إنسان كأنّه المسيح نفسه، ويقول إنّ القلب الّذي يمتلئ بالمحبّة الإلهيّة لا يستطيع أن يكون غير مبال بآلام الآخرين. كان يردّد أنّ العالم لا يحتاج إلى كثرة الكلام، بل إلى نفوس تصلّي وتحبّ وتتّضع، لأنّ القداسة هي أعظم شهادة للمسيح.

من أبرز تعاليمه الّتي يحتاجها أبناء هذا الوطن أنّه ينبغي على الإنسان أن يحوّل كلّ تجربة إلى فرصة للاتّكال على الله لا إلى سبب للتّذمّر واليأس. هذا ما على أبناء لبنان، الّذين لا تفارقهم التجارب والحروب، تطبيقه، لأنّ الله لا يترك محبّيه بل يبثّ في نفوسهم الرّجاء، على عكس الشّيطان الّذي يبذر اليأس في القلوب والعقول فيدمّرها. كان القدّيس باييسيوس يحثّ الشّباب على تنقية أفكارهم، لأنّ الفكر النّقيّ يولّد نقاء القلب، والقلب النّقيّ يرى حضور الله في كلّ شيء. علّم أنّ السّلام الحقيقيّ لا يأتي من تغيّر الظّروف، بل من وجود المسيح في القلب، وأنّ الإنسان الّذي يقتني الإتّضاع لا يخسر شيئًا، لأنّ الله نفسه يصير نصيره. كان يرى أنّ شكر الله ركيزة أساسيّة في حياة المسيحيّ وأنّ الإنسان المتواضع شكور يرى في كلّ شيء عطيّةً إلهيّةً، فيما المتكبّر يظنّ أنّه يستحقّ ما لديه. كان يحزن عندما يتذمّر الإنسان ممّا ينقصه عوض أن يفرح بما أعطاه الله. وقد دعا إلى شكر الله حتّى في أوقات التّجارب والمحن لأنّ الله قادر على تحويل كلّ أمر إلى خير لخلاص الإنسان.

إنّ عالمنا اليوم يشبه المخلّع في كثير من الأحيان. فهناك شلل في العلاقات، وفتور في الإيمان، وخوف من المستقبل، وانشغال دائم بالمادّيّات، حتّى صار كثيرون يطلبون شفاء الجسد وينسون شفاء النّفس. لذلك، يدعونا المسيح لأن نأتي إليه كما نحن، حاملين أوجاعنا وخطايانا، وهو يبدأ بشفائنا من الدّاخل، ويعيد إلينا صورة الإنسان الجديد. كما يدعونا أن نحمل الآخرين إليه بالمحبّة والصّلاة والخدمة والكلمة البنّاءة.

فلنصلّ كي يجعل الرّبّ حياتنا إنجيلًا مفتوحًا، بشفاعات القدّيس باييسيوس الآثوسيّ، حينئذ تصبح الكنيسة مكانًا يجد فيه الضّعيف القوّة، والخاطئ الغفران، والمتألّم التّعزية، فيستطيع كلّ منّا أن يسمع صوت الرّبّ قائلًا: “ثق يا بنيّ”، فينهض حاملًا فراشه، سائرًا في طريق الحياة الجديدة، آمين.”