ميشلين أبي سلّوم: كان الأخ نور إنجيلًا يُقرأ في صمته قبل كلماته وفي خطواته قبل تعليمه
"يا لروعة سيرة الأخ نور، ذلك القلب المشتعل حبًّا للمسيح، والسّكران بنور الرّبّ حتّى الغياب عن كلّ ما هو زائل…
لم يكن الأخ نور مجرّد زاهدٍ في هذا العالم، بل كان شهادةً حيّة، إنجيلًا يُقرأ في صمته قبل كلماته، وفي خطواته قبل تعليمه. عاش سرّ التّجرّد بفرحٍ عميق، فحوّل الفقر إلى غنى، والبساطة إلى مجد، لأنّ قلبه كان ممتلئًا بحضور الله. ترك كلّ شيء، لا عن خسارة، بل عن اكتشافٍ أعظم: أنّ من يجد المسيح، لا يعود يحتاج إلى شيءٍ سواه.
ارتدى ثوب الجنفيص، لا علامة عوز، بل راية حرّيّة، يعلن بها تحرّره من قيود المادّة، واكتفى بحبٍّ لا يُقاس ولا يُشترى. ومشى حافي القدمين، كأنّه يبارك الأرض بكلّ خطوة، ويقترب أكثر من الإنسان، من ألمه، من ترابه، ومن صلواته الصّامتة.
نذر حياته للفقراء والمساكين، فصار قلبه وطنًا لكلّ محتاج، ويداه بابًا لا يُغلق، ووجهه بشارة رجاء. لم يكن يعطي من فائض، بل من ذاته، لذلك كان عطاؤه مشبعًا بحرارة الحبّ وصدق التّضحية. من دخل إلى حضوره، شعر بأنّ النّعمة تسبقه وترافقه، وكأنّ السّماء تنحني لتلامس الأرض.
أمّا رحيله في الجمعة العظيمة، فليس مجرّد توقيت، بل علامة ممهورة بختم إلهيّ. كأنّ حياته كلّها كانت درب جلجلة هادئة، عاش فيها الألم بسلام، والبذل بفرح، فاستحق أن يتّحد بالمسيح في ساعة الصّليب. لم يرضَ أن يكون شاهدًا على الآلام، بل شريكًا فيها، حتّى النّهاية… حتّى العبور.
وهو أيضًا لم يكتفِ بالشّهادة الشّخصيّة، بل حمل الرّسالة إلى العالم، فأسّس “Télé Lumière”، ليجعل من الإعلام منبرًا للنّور، ومن الكلمة جسرًا يصل القلوب بالمسيح. أراد لصوته أن يمتدّ أبعد من حضوره، وأن يبقى نور الإنجيل حيًّا في بيوتٍ لم تطأها قدماه، لكنّها امتلأت من روحه.
سلامٌ على روحك يا أخ نور،
يا من عشت الحبّ حتّى الامتلاء، وقدّمت ذاتك حتّى الذّوبان…
علّمتنا أنّ القداسة مسيرة حياة، لا كلمات تُقال،
وأنّ من يخسر العالم من أجل الله، يربح الأبد…
إلى نور السّماء".
