لبنان
09 نيسان 2026, 05:00

ملخّص زيارة البطريرك الرّاعي إلى البلدات الحدوديّة في الجنوب

تيلي لوميار/ نورسات
توجّه البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، قبل ظهر الأربعاء، إلى بلدات كوكبا، جديدة مرجعيون، والقليعة الحدوديّة في منطقة الجنوب في زيارة روحيّة تضامنيّة داعمة لأبناء الكنيسة الّذين لم يتركوا أرضهم في الوقت الّذي يمرّ فيه لبنان بأوقات عصيبة ويشهد حربًا بين إسرائيل وحزب الله على أرضه.

​رافق الرّاعي وفدٌ كنسيٌّ ورسميٌّ ضمّ السّفير البابويّ المطران باولو بورجيا، والسّادة المطارنة حنّا علوان، بولس صيّاح، منير خيرالله، يوسف سويف، شربل عبدالله، كريكور بدّيشاه، وطوني أبو نجم، الرّئيس العامّ للرّهبنة الأنطونيّة الأباتي جوزيف أبو رعد، الأب فادي تابت أمين سرّ البطريركيّة العامّ، الأب كاميليو مخايل أمين سرّ البطريرك الخاصّ، الأب سمير الغاوي رئيس كاريتاس لبنان، أمين سرّ السّفير البابويّ المونسنيور ياكوب، المونسنيور هوغ دو وايمون، الخوري فريد صعب مسؤؤل مكتب الإعلام الرّقميّ، الخوري جورج يرق مسؤؤل مكتب راعويّة الشّبيبة وفانسون جيلو من مؤسّسة الأوفر دوريان، الخوري هاني طوق والخوري بسّام سعد والسّيّد باترك فخري، إضافة الى وفدَين إعلاميّ وأمنيّ.

​إستهل البطريرك والوفد المرافق الزّيارة الرّوحيّة والوطنيّة بلقاء أبناء بلدة كوكبا، حيث كان في استقباله حشدٌ من أبناء القرى الحدوديّة، إلى جانب رؤساء البلديّات والمخاتير وكهنة الرّعايا وفاعليّات المنطقة الّذين عبّروا عن تمسّكهم بكنيستهم وأرضهم.

​بدوره توجّه الرّاعي بكلمة إلى المؤمنين نوّه فيها بحضور السّفير البابويّ المطران باولو بورجيا، ومشاركته الّتي تحمل رسالة قربٍ ومحبّةٍ وصلاةٍ من الكرسيّ الرّسوليّ ومن قداسة البابا لاون من أجل لبنان والجنوب وأهله، وقال: "إنّ الإنسان يبقى يتيمًا حين يُقتلع من أرضه، ويضطرّ إلى مغادرة بلدته أو البقاء فيها تحت وطأة الخوف والمعاناة، و أبناء هذه القرى ليسوا أطرافًا في الوطن، بل هم سياجه الحيّ وخطّ الدّفاع الأوّل عن هويّته وأرضه وكرامته."

​وختم راجيًا أن تنتهي دروب الألم، وأن تنعم هذه الأرض بسلامٍ ثابتٍ يعيد إليها الحياة والطّمأنينة والقيامة المرجوّة. "إنّ الكنيسة لم تغب يومًا عن أبناء الجنوب، وهي حاضرة معهم في الألم كما في الرّجاء، وهذه الزّيارة تأتي لتقول لأبناء المنطقة إنّهم ليسوا وحدهم، وإنّ وجعهم هو وجع الكنيسة والوطن بأسره".

​بعدها توجّه الرّاعي الى كنيسة سيّدة الخلاص في جديدة مرجعيون حيث رفع الصّلاة مع المؤمنين من أبناء البلدة والجوار داخل الكنيسة، حيث ألقيت كلمات ترحيبيّة عبّرت عن وجع النّاس وصمودهم، وعن تشبّثهم بتاريخهم وحقّهم في الحياة الكريمة والآمنة في أرضهم، في وقتٍ ما زالت فيه هذه المنطقة تختبر ثقل الحرب ومرارة التّهجير والقلق على المصير."

​بدوره توجّه البطريرك الرّاعي إلى أبناء مرجعيون بكلمة أكّد فيها لهم "أنّهم لم يغيبوا يومًا عن قلبه وصلاته، وأنّ هذه الزّيارة تأتي لتقول لهم بوضوح إنّ الكنيسة إلى جانبهم، وترافقهم في هذه المرحلة الصّعبة بالصّلاة والقرب والالتزام."

​وتابع: "إنّ الكنيسة جاءت إلى هذه الأرض لتصلّي من أجل السّلام، لأنّ الحرب لا تنتج إلّا القتل والدّمار والخراب والاقتلاع"، معربًا عن أمله في أن "تكون هذه المرحلة آخر مراحل الألم والمعاناة الّتي يمرّ بها أبناء الجنوب وانّ السّلام ليس مجرّد أمنية، بل هو واجب ورسالة ومسؤوليّة، مستعيدًا بشارة الملائكة يوم ميلاد المسيح."

​وأضاف: "أنّ السّلام الحقيقيّ هو ثمرة إرادة إنسانيّة صادقة ترفض منطق الحرب وتتمسّك بكرامة الإنسان وحقّه في الحياة، مشيرًا إلى "مأساة الضّحايا والمهجّرين والّذين اضطرّوا إلى ترك بيوتهم وقراهم، فما جرى ويجري لا يقبله ضمير إنسانٍ حيّ، والمدنيّين يجب أن يُحمَوا لا أن يُدفَعوا ثمن الحروب والصّراعات، ويجب احترام الواجب الإنسانيّ والدّوليّ في حماية الأبرياء وتأمين مقوّمات الصّمود والبقاء."

​ولفت إلى أنّ "الكنيسة، ومن خلال أبرشيّة المنطقة والمؤسّسات الكنسيّة والاجتماعيّة، ستبقى حاضرةً إلى جانب أهل الجنوب، حاملةً معهم وجعهم وآمالهم وتطلّعهم إلى غدٍ أكثر أمانًا وكرامة. والصّلاة في زمن القيامة يجب أن تكون من أجل قيامة الإنسان من الدّاخل أيضًا، ومن أجل أن يرفع الرّبّ من القلوب الكراهيّة والخوف والانكسار، ويمنح هذه الأرض سلامًا حقيقيًّا يليق بتاريخها وقداستها وصمود أهله."

​بعدها ترأّس الرّاعي في بلدة القليعة المحطّة الثّالثة من زيارته الرّعويّة إلى جنوب لبنان، الذّبيحة الإلهيّة في كنيسة مار جرحس وسط أجواءٍ روحيّةٍ مؤثّرة وحضورٍ كنسيّ وشعبيّ وبلديّ، عكس تمسّك أبناء المنطقة بأرضهم. وإستمع الحاضون إلى رسالة البابا لاون الّتي وجّهها إلى أبناء الجنوب وقد تلاها الأب فادي تابت وعبّرت عن قرب البابا الأبويّ من "أبناء هذه الأرض، وتضامن الكنيسة الجامعة معهم في آلامهم ومعاناتهم."

​كما شدّدت الرّسالة البابويّة على "أنّ أبناء الجنوب ليسوا منسيّين، وأنّ الكنيسة تحملهم في صلاتها وفي قلبها، وأنّ عيد الفصح، رغم الحزن والخوف والدّمار، يبقى إعلانًا لانتصار الحياة على الموت، والنّور على الظّلمة، والرّجاء على اليأس."

​ونوّهت الرّسالة بما يُظهره "أبناء هذه الأرض من إيمانٍ وصبرٍ وتضامنٍ وثبات،" معتبرةً أنّ "صلاتهم وشهادتهم محفوظتان في قلب الكنيسة."

وبعد قراءة نصّ الإنجيل ألقى الرّاعي عظة بعنوان "يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟… ارعَ خرافي، قال فيها:

"باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

"يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟"

صاحب الغبطة والنّيافة، إخواني السّادة المطارنة الأجلّاء، الآباء الأجلّاء، رئيس المجلس البلديّ، سعادة النّائب، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء،

هذا هو السّؤال الّذي يوجّهه الرّبّ يسوع المسيح إلى سمعان بطرس:

"يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟"

ولم يكن هذا السّؤال مجرّد سؤال عابر، بل لأنّ الرّبّ أراد أن يسلّمه رعاية خرافه، ورعاية النّفوس، ويجعله مثالًا للاقتداء في المحبّة والخدمة والبذل. وهذا السّؤال ليس موجّهًا إلى سمعان بطرس وحده، بل إلى كلّ واحدٍ منّا. فكأنّ الرّبّ يقول لكلّ إنسان باسمه:

يا أيّها الشّخص، أتحبّني؟ هذا السّؤال موجّه إلى الرّجال والنّساء، إلى الكبار والصّغار، إلى كلّ مؤمن.

لأنّ الحياة المسيحيّة كلّها مبنيّة على الحبّ، ولكن ليس على أيّ حبّ، بل على محبّة يسوع المسيح. نحن، كلّ واحد منّا، مدعوّون أن نحمل محبّة المسيح إلى النّاس الّذين حولنا، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ من مسؤوليّته، وكلٌّ بحسب الدّعوة الّتي ائتمنه الله عليها. واليوم نحن أيضًا أمام هذا السّؤال: يا أيّها الشّخص، هل تحبّني؟

ولا نعرف إن كان عندنا من الجرأة ما يجعلنا نجيب كما أجاب سمعان بطرس: "يا ربّ، أنت تعلم كلّ شيء، وأنت تعرف أنّي أحبّك."

ولكن، على كلّ حال، هذه هي حياتنا كمسيحيّين:

أن نحمل محبّة المسيح الّتي تمرّ في قلوبنا، وتمرّ من خلالنا، وتنفذ عبر أوضاعنا وحياتنا وظروفنا، لكي نشارك هذه المحبّة مع كلّ جوارحنا وكلّ وجودنا.

فالمسيحيّة هي طريق المحبّة. وليست أيّ محبّة، بل محبّة يسوع المسيح الّذي قال على الصّليب:

"يا أبتِ، اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون."

​لقد بلغت محبّته حدّ أن تشمل حتّى الّذين صلبوه. وهذه هي المحبّة الّتي نحن مدعوّون أن نعيشها، وأن نشهد لها، وأن ننقلها في حياتنا.

​ونحن جئنا اليوم، نحن رابطة كاريتاس، رئيسًا وأعضاء، ومعنا المدير العامّ الجديد الحاضر معنا، ومع المؤسّسة المارونيّة للإنماء الشّامل جئنا اليوم لكي نؤكّد لكم محبّتنا في المسيح. قد يكون ما نأتي به قليلًا. وفي الحقيقة، كلّ شيء نأتي به يبقى قليلًا. ولكن المهمّ أن يُعطى بحبّ.

لأنّ العطاء في المسيحيّة لا تُقاس قيمته بحجمه، بل بالمحبّة الّتي ترافقه. نحن جئنا اليوم لنعزّيكم، ونقف معكم، في هذا المصاب الأليم، برحيل شهيد من شهود محبّة المسيح، وشاهدٍ من شهود الواجب الكهنوتيّ، الأب الخوري بيار الرّاعي.

​جئنا لنعزّيكم، ونقول لكم إنّنا معكم، وإنّ الّذي وُضع في القبر، هو في السّماء، مع يسوع المسيح، في رؤية الحبّ الأكبر.

​نصلّي معكم لراحة نفسه، ونصلّي معكم أيضًا لكي يعوّض الله عليكم، ويمنحكم هو نفسه التّعزية والرّجاء والسّلام. ونصلّي من أجل الرّعيّة، ومن أجل كلّ واحد منكم، وهذا ما يعزّي القلوب.

​لقد كان مؤثّرًا جدًّا أن نرى حتّى الأطفال الصّغار، بعد رحيل أبونا بيار، يقولون كلامًا كبيرًا من عمق القلب، ويشهدون لهذا الانتماء، ولهذا الثّبات، ولهذه المحبّة. وكان مؤثّرًا أن نسمع في قلوب الصّغار هذا الإيمان الحيّ، وهذه الشّهادة الصّادقة. لذلك جئنا اليوم لنقول لكم هذا الكلام، ولنعزّي قلوبكم، ونؤكّد لكم أيضًا أنّنا موجودون معكم، كمؤسّسات كنسيّة، ونحمل لكم المحبّة المسيحيّة.

​وجئنا نصلّي معكم: نصلّي لراحة نفس أبونا بيار، ولراحة نفوس جميع الشّهداء الّذين يسقطون كلّ يوم على أرض لبنان، ونصلّي من أجل الجرحى وشفائهم، ومن أجل كلّ المتألّمين من هذه الحرب.

ونحن، في كلّ هذا، لا بدّ أن ننظر إلى الأمور من خلال المنظار المسيحيّ، من خلال كلمة المسيح على الصّليب:

"اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون." ونصلّي من أجل السّلام، لكي يعطي الله هذا العالم عطيّة المسيح، عطيّة السّلام الحقيقيّ.

ونقول، في موتكم، وفي آلامكم، وفي صمودكم في القليعة، كما يقول غيركم في البلدات الأخرى: هذه الأرض هي أرضنا. نحن كتبنا تاريخنا عليها. هذه الأرض هي هويّتنا. هذه الأرض عشنا عليها، وعاشت فينا. وهذه الأرض لا يمكننا أن نتخلّى عنها.

فالإنسان بلا أرض كأنّه إنسان بلا جذور، بلا هويّة، بلا انتماء. وقد يكون اليتم موجعًا حين يفقد الإنسان أباه أو أمّه، وكلّنا قد نصير يومًا ما أيتام أبٍ أو أم. أمّا أن يكون الإنسان يتيم الوطن، فهذه مأساة أشدّ وأصعب. لذلك، الأرض لا تُفتدى إلّا بحضور أهلها، وبالدّمّ الّذي يُراق عليها، وبالشّهادة الّتي تُعطى من أجلها. ومن أجل هذا كلّه جئنا اليوم، لنصلّي معكم، ونؤكّد محبّتنا جميعًا للمسيح، ونقول له: نعم يا ربّ، نحن نحبّك. ونطلب منه أن تمرّ محبّته عبر قلوبنا، وعبر إمكانيّاتنا، وعبر ضعفنا، وعبر حياتنا، وأن يساعدنا لكي نعبّر عن حبّه لكلّ النّاس.

هو الّذي مات من أجل كلّ إنسان، هو الّذي أحبّ كلّ إنسان، وهو الّذي يريد أن تصل محبّته إلى كلّ إنسان. ولذلك، نحن نقول بإيمانٍ صادق:

لبنان لا يموت.

ولبنان سيقوم.

لأنّ هذا هو تاريخه، ولأنّ القدّيسين الّذين قدّسوا لبنان، من مار شربل إلى جميع قدّيسي هذا الوطن،

لن يتركوا هذا الوطن. إن شاء الله تكون نفس أبونا بيار في السّماء، ويعوّض الله عليكم كلّكم، ويعوّض عن كلّ أبناء هذه البلدة، وعن كلّ أبناء هذه المنطقة. ونسأل الله أن تكون أيّامكم أيّام سلام، وأيّام فرح، وأيّام تشبّث بالأرض، وأن يبقى هذا السّؤال الإلهيّ يتردّد دائمًا في قلوبنا وفي أفكارنا:

"يا سمعان بن يونا، يا أيّها الشّخص، أتحبّني؟"

فليعطنا الرّبّ أن نجيب من أعماق قلوبنا:

"يا ربّ، أنت تعلم كلّ شيء، وأنت تعرف أنّنا نحبّك."

آمين."