الأراضي المقدّسة
07 كانون الثاني 2026, 12:50

ماذا جاء في رسالة البطريرك ثيوفيلوس الثّالث الميلاديّة؟

تيلي لوميار/ نورسات
وجّه بطريرك أورشليم ثيوفيلوس الثّالث رسالة إلى أبناء كنيسته بمناسبة عيد الميلاد، وقال بحسب إعلام البطريركيّة:

"اليوم بولادة المسيح، اتّحدت السّماء والأرض، اليوم حضر الإله على الأرض وارتقى الإنسان إلى السّماوات.

استيشيرات ليتين عيد الميلاد

بملء الفرح والابتهاج، وفي تمجيد وشكر، تعيش اليوم الكنيسة سرّيًّا، كارزةً لأعضائها، ومذيعةً إلى المسكونة كافّةً، بسرّ ظهور محبّة الله للبشر الّتي لا تحدّ، وهو تأنّس وتجسّد ابنه وكلمته ربّنا يسوع المسيح. من الرّوح القدس ومن مريم العذراء.

إنّ هذا السّرّ الّذي يفوق طور العقل، فالكنيسة، بما أنّها حافظة تدبير الله من أجل خلاص الإنسان، تسلّم إلينا ما تسلّمته من البدء في الكتب المقدّسة، وتحفظ هٰذه الأقوال كحدقة العين، إذ تحفظ القول النّبويّ هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا ولأنّه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا (اش 7: 14 &9: 6) وأيضًا القول الرّسوليّ، ولكن لمّا جاء ملء الزّمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت النّاموس (غلا 4: 4) وقول الإنجيليّ "والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يو 1 :14)، وتسبيح الملائكة من السّماء: "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السّلام، وفي أنّاس المسرّة. (لو 2 :14) وترنيم ناظم التّسبيح: "ٱلمسيح ولد فمجّدوه، المسيح أتى من السّماوات فاستقبلوه، المسيح على الأرض فارتفعوا. والقول الآبائيّ للقدّيس أثناسيوس أب الكنيسة "إنّ كلمة الله غير المتجسّد، وغير الفاسد، وغير الهيوليّ، يأتي إلى عالمنا… متنازلًا وظاهرًا لنا من أجل محبّته للبشر. (MPG 25,109A) وقول القدّيس غريغوريس اللّاهوتيّ: "الّذي بلا جسد يتجسّد، والكلمة يتأنّس، وغير المنظور يرى… والّذي لا بدء له يبتدئ، وابن الله يصير ابن الإنسان 36,313B). (MPG، واليوم نحتفل بقدوم الله بين البشر، لكي نقيم نحن عند الله 36,316A). (MPG و يقول القدّيس كيرلس الإسكندريّ: "تتمّ هذه الأمور من أجل مسرّة البشر، إذ إنّ الله يمتزج بالطّبيعة البشريّة، لكي يرفع الإنسان إلى سموّ الله" (MPG 76,1132).

اتّخذ الله في المسيح الطّبيعة البشريّة، أيّ الإنسان كلّه، في اتّحاد أقنوميّ، كما يرتّل مرنّم الكنيسة قائلًا: "في المسيح لقد اتّخذت كلّك كلّ ما هو لي، باتّحاد لا اختلاط فيه، وإنّك وأنت إله بالجوهر، اتّخذت صورة إنسان ولم تستحل، لقد اتّخذ جسدًا محيًى بنفس عاقلة، وكشف عن ذاته للبشر في أقنوم واحد وطبيعتين، إلهًا وإنسانًا معًا. الإله المتجسّد اتّحد بالبشر بغير اختلاط، وهو الكائن أزليًّا في حضن الآب، أيّ في أحضان أبيه، صار أيضًا محمولًا في رحم أمّ، كما يقول القدّيس صفرونيوس الأورشليميّ (MPG87,3,3161A) إذ دخل رحمًا بتوليًّا و"خرج منه متجسّدًا".

إنّ هذا السّرّ الفائق الطّبيعة، سرّ حبل كلمة الله من الرّوح القدس ومن مريم العذراء قد تحقّق، عندما أخذ رئيس الملائكة جبرائيل، الغير المتجسّد، في معرفته ما قد أمر به سرًّا، فحضر مسارعًا نحو بيت يوسف في النّاصرة، وقد اتّضح هذا السّرّ على نحو أبلغ، عندما ولد الكلمة المتجسّد سرًّا في المغارة، في بيت لحم المقدّسة، في أيّام أكتافيوس أغسطس قيصر ولمّا تمّت أيّامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمّطته وأضجعته في المذود، إذ لم يكن لهما موضع في المنزل. (لو 2: 6-7) عندئذ جاء المجوس، ملوك فارس، وهم باكورة الكنيسة الآتية من بين الأمم، منقادين بنجم من السّماء، أيّ بالرّوح القدس، بحسب تعليم القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "حتّى جاء ووقف فوق، حيث كان الصّبيّ". (متّى 2: 9). فتقدّموا وسجدوا للملك المولود حديثًا، ملك السّلام، لأنّهم "رأوا في المغارة طفلًا مضطجعًا، هو المنزّه عن الزّمان، وكان أيضًا الرّعاة السّاهرون في الحقول المجاورة لبيت لحم، معاينين هذا المنظر الإلٰهيّ، إذ بشّرهم ملاك قائلًا: "أنّه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرّبّ" (لوقا 2: 11).

جعل الرّبّ الطّبيعة البشريّة الّتي اتّخذها في تأنّسه خاصّته الأقنوميّة، أيّ متّحدةً به اتّحادًا لا ينفصم. وإذ ولد بالجسد، واختتن، وكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنّعمة (لو 2: 52). واعتمد من يوحنّا في الأردنّ، وشهد له الثّالوث، ودعا الاثني عشر، الّذين سمّاهم أيضًا "رسلًا" (لو 6 : 13) وعاشر النّاس وعلّمهم، وشفى الأمراض المستعصية، وأقام الموتى، وسفك من أجل البشر دمه الخلاصيّ على الصّليب، وقام من بين ٱلأموات، وصعد إلى السّماء مع ما اتّخذه، أيّ الإنسان، أيّ الطّبيعة البشريّة كلّها الّتي اتّخذها، فمجّدها وألّهها، وأكرمها بالجلوس عن يمين الآب. لقد استحقّ لنعمة التّألّه والمجد جميع الصّبيان الّذين في بيت لحم من ابن سنتين فما دون (متّى 16:2) الّذين هم أوائل الشّهداء من أجل اسم المسيح، ضحايا جنون هيرودس المهذار.

أرسل الرّبّ من السّماء، من عند الآب، "المعزّي الآخر"، أيّ روحه القدّوس، على تلاميذه ورسله القدّيسين، الّذين اصطاد بهم المسكونة كلّها. وقد سلّم إلى الرّسل وخلفائهم، أيّ إلى الكنيسة، عمله المقدّس. وتواصل الكنيسة هذا العمل، بتضحية، عبر العصور. وترفض الكنيسة كلّ شكل من أشكال العنف، وتقوم بعمل رعويّ، وإنسانيّ، وخيريّ، وسلاميّ. وكالسّامريّ الصّالح، تسكب زيت التّعزية على الإنسان المثخن بالجراح.

وهذا ما تقوم به بأمانة أيضًا كنيسة الأراضي المقدّسة والأماكن المقدّسة، أمّ جميع الكنائس، في الأرض المقدّسة كلّها. وهي، على وجه خاصّ، تحفظ المغارة الإلهيّة القابلة الإله، وما يحيط بها من البازيليكا القسطنطينيّة واليوستينيّانيّة، الّتي تعدّ زينةً وفخرًا وسندًا وثباتًا لمسيحيّي مدينة بيت لحم، وللشّعب الفلسطينيّ المتألّم.

ومن هذا الموضع المقدّس، في هذه اللّيلة عينها، ليلة عيد أمّ الأعياد، ترفع الكنيسة الصّلوات من أجل السّلام وحسن تدبير العالم بأسره والشّرق الأوسط، ومن أجل تنفيذ وقف إطلاق النّار في غزّة، وحماية جميع الّذين لجأوا واحتموا داخل دير القدّيس بورفيريوس المقدّس، وتتضرّع الكنيسة أيضًا إلى الرّبّ من أجل رعيّتها، ومن أجل جميع الحجّاج والزّوّار المؤمنين المحتفلين بعيد الميلاد المجيد، سائلةً أن تحلّ عليهم نعمة وقوّة ملكنا يسوع المسيح، المولود في الجسد، ليمضوا الأيّام الاثني عشر في سلام وفرح وبهجة وبرّ. آمين ليكن."