لبنان
23 كانون الثاني 2026, 11:20

لقاء مسكونيّ في الشّمال احتضنته كنيسة مار أفرام السّريانيّ- ميناء طرابلس

تيلي لوميار/ نورسات
أحيا أساقفة طرابلس والشّمال وعكّار أسبوع الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين، خلال لقاء مسكونيّ حاشد احتضنته كنيسة مار أفرام السّرياني في ميناء طرابلس، جمع أساقفة وكهنة ورعاة ومؤمنين من مختلف الكنائس والعائلات الرّوحيّة، بدعوة من اللّجنة الأسقفيّة للعلاقات المسكونيّة برئاسة رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف.

وفي تفاصيل اللّقاء، وبحسب ما نشر مكتب إعلام الأبرشيّة، "جاء اللّقاء، الّذي خصّص للصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين، بعنوان: "إنّ الجسد واحد، والرّوح واحد، كما دُعيتم أيضًا برجاء دعوتكم الواحد"، تأكيدًا لرسالة الكنيسة الواحدة في الإيمان والرّجاء والمحبّة، وتجسيدًا لمعنى الشّراكة الرّوحيّة في مواجهة التّحدّيات، وسط مشاركة كنسيّة واسعة عكست عمق الالتزام بالوحدة المسيحيّة، وترأّس الصّلاة مطران جبل لبنان وطرابلس للسّريان الأرثوذكس مار كريسوستومس ميخائيل شمعون، بمشاركة متروبوليت طرابلس والكورة وتوابعهما للرّوم الأرثوذكس المطران أفرام كرياكوس، رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس وسائر الشّمال للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران إدوار ضاهر، الأب خورين ممثّلًا مطران الأرمن الأرثوذكس في لبنان المطران شاهي بانوسيان، الأمين العامّ لمجلس كنائس الشّرق الأوسط الدّكتور ميشال عبس، النّائب العامّ لأبرشيّة طرابلس المارونيّة الخوراسقف أنطوان مخائيل، رئيس دير مار فرنسيس في الميناء الأب روجيه سعد، النّائب الخاصّ لأبرشيّة طرابلس المارونيّة المونسنيور جوزاف غبش، المونسنيور الياس البستانيّ، منسّق اللّجنة الأسقفيّة للعلاقات المسكونيّة في الشّمال الخوري صومائيل ابراهيم، النّائب الخاصّ على محافظة عكّار في أبرشيّة طرابلس المارونيّة المونسنيور الياس جرجس، أمين سرّ مطرانيّة طرابلس المارونيّة الأب جورج جريج، خادم رعيّة الكنيسة الخوري سمير حجّار، كاهن أبرشيّة جبل لبنان للسّريان الأرثوذكس الياس يعقوب جرجس، الأب عبد الله سكاف والقسّيسة في الكنيسة الإنجيليّة في طرابلس رولى سليمان.

شمعون

كلمة الافتتاح ألقاها المطران شمعون وقال: "إنّ وجودنا اليوم معًا، من مختلف الكنائس والعائلات الرّوحيّة، ليس مجرّد لقاء بروتوكوليّ، بل هو استجابة لصلاة السّيّد المسيح ليكون الجميع واحدًا، نرحّب بكلّ فرد منكم، فأنتم اليوم تعكسون صورة جسد المسيح المتنوّع والغنيّ بمواهبه في هذا اللّقاء الأخويّ، نضع جانبًا كلّ ما يفرّقنا، ونرفع عيوننا نحو ما يجمعنا الإيمان والمحبّة، والرّجاء. حضوركم هو الشّهادة الحيّة على أنّ المسيرة نحو الوحدة هي مسيرة صلاة وعمل مشترك، تبدأ من القلب وتنتهي بالشّهادة للحقّ في عالمنا اليوم".

وتابع: "عندما كتب القدّيس بولس إلى أهل أفسس قائلًا: كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد"، لم يكن يتحدّث عن "تمنّيات"، بل كان يضع يدنا على جوهر إيماننا الرّجاء. اليد اليوم، ونحن نحتفل بأسبوع الصّلاة من أجل وحدة الكنائس، قد يهمس لنا البعض قائلين: أليست الوحدة مستحيلة؟ ألم تمرّ قرون من الانقسام؟ جوابنا اليوم هو: لا، الوحدة ليست مستحيلة؛ لأنّها ليست مشروعًا بشريًّا نبنيه نحن، بل هي وعد الله الّذي ننتظره ونعمل معه".

وقال: "لماذا نثق في رجاء وحدتنا؟ أوّلًا: لأنّها رغبة قلب المسيح. الرّجاء في الوحدة يستمدّ قوّته من صلاة يسوع ليكون الجميع واحدًا. ويسوع لا يطلب مُحالًا، بل يطلب ما هو حقّ وصدق. ثانيًا: لأنّ الرّوح واحد والجسد واحد. نحن لا نصلّي لنخترع وحدة جديدة، بل لنكتشف الوحدة الّتي منحنا إيّاها الرّوح القدس منذ المعموديّة، ولكن غطّاها غبار الخلافات، وثالثًا: لأنّ الرّجاء لا يخزي في المسيحيّة، الرّجاء ليس هو "الانتظار السّلبيّ"، بل هو اليقين بأنّ ما بدأه الله فينا سيكمله حتمًا".

تابع: "الوحدة ليست مستحيلة لأنّ غير المستطاع عند النّاس مستطاع عند الله، إنّ انقسامنا هو حالة طارئة أمّا وحدتنا فهي رغبة العيك وحالتنا الأبديّة".

ختم: "دعونا لا ننظر إلى الجدران الّتي تفصل بين طوائفنا، بل ننظر إلى الرّجاء الواحد الّذي يجمعنا، نحن لا ننظر سرابًا، بل ننظر تحقيق وعد الرّبّ الّذي قال: وتكون رعيّة واحدة وراع واحد. فلنخرج من هذه الصّلاة ولسان حالنا يقول: "نحن نؤمن بالوحدة، نرجوها، وننتظرها كفجر آت لا محال"، لأنّ الّذي دعانا صادق، وهو يصنع هذا أيضًا".

عبس

ثمّ تحدث الأمين العامّ لمجلس كنائس الشّرق الأوسط الدّكتور ميشال عبس، واعتبر أنّ "الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين ليست مناسبة طقسيّة فحسب، بل فعل إيمان حيّ وتجديد لنداء المسيح: ليكونوا واحدًا. وأكّد أنّ وحدة المسيحيّين تنبع من وحدتهم في المسيح، وأنّ الصّلاة المشتركة إعلان رجاء ورسالة نور في عالم ممزّق"، وتوقّف عند معاناة المسيحيّين في الشّرق، لاسيّما في سوريا وأرمينيا الكيليكيّة، مشيدًا بـ"صمودهم وتمسّكهم بإيمانهم"، مؤكّدًا أنّ "كنيسة تضمّ هذا الإرث من الشّهادة لا يمكن أن تُهزّ".

وأكّد أنّ "وحدة الكنيسة لا تعني إلغاء التّنوّع، بل احتضانه ضمن إطار الإيمان الواحد والمعموديّة الواحدة"، معتبرًا أنّ "التّنوّع الثّقافيّ والطّقسيّ ثروة روحيّة وإنسانيّة، لا عائقًا أمام الوحدة"، وقال: "نحن واحد في جسد الرّبّ، وهذه الوحدة راسخة رغم اختلاف الخلفيّات، لأنّ ما يجمعنا في المسيح يتجاوز كلّ انقسام".

وفي الشّأن الوطنيّ، شدّد على "أهمّيّة الحوار والتّفاعل بين مختلف مكوّنات المجتمع"، مؤكّدًا أنّ "التّرابط بين المناطق والشّعوب، وما يجمعها من تاريخ وثقافة ومصير مشترك، يفرض تعزيز المحبّة والتّعاون، واحترام الاختلاف ضمن إطار القانون".

وختم داعيًا إلى "المضيّ قدمًا في الإيمان والشّهادة للمسيح، والعمل على إعادة بناء ما دمّرته الحروب من حياة وكنائس وإنسان"، مؤكّدًا أنّ "وحدة المسيحيّين ليست شعارًا، بل التزامًا يوميًّا ومسؤوليّة تاريخيّة ورسالة خلاص ورجاء لعالم يتطلّع إلى النّور".

بعد الكلمات بدأت خدمة الصّلاة المسكونيّة وتضمّنت قراءات من الكتاب المقدّس وتأمّلات وترانيم من وحي المناسبة شارك فيها الأساقفة والآباء وجوقات من مختلف عائلات الكنيسة شكّلت إطارًا جامعًا في ظلّ تناغم إنشاديّ جسّد معنى الوحدة في التّنوّع.

شمعون

بعد الإنجيل المقدّس قال المطران شمعون: "ما دام لكم النّور آمنوا بالنّور لتصيروا أبناء النّور" (يوحنّا (١٢:٣٦) تعدّ هذه الآية من أعمق الدّعوات الرّوحيّة في الإنجيل، وهي تحمل نداءً للاستنارة والعمل قبل فوات الأوان. الرّبط بين الإيمان بالنّور ووحدة الكنائس هو ربط جوهريّ، لأنّ النّور لا ينقسم والمصدر الواحد للنّور يقتضي بالضّرورة وحدة المستنيرين به. المسيح هو النّور الحقيقيّ فالنّور في الكتاب المقدّس ليس مجرّد ظاهرة فيزيائيّة، بل هو رمز للحقيقة، القداسة، والحضور الإلهيّ المسيح يقول عن نفسه أنا هو نور العالم. هذه العبارة تشير إلى الفرصة السّانحة. النّور حاضر الآن من خلال النّعمة وكلمة الله، لكن هناك تحذير من "الظّلمة" الّتي تأتي الخطيئة، الانقسام، أو نهاية الوقت هي دعوة للاستجابة الفوريّة وعدم التّأجيل".

أضاف: "الإيمان بالنّور ليس مجرّد تصديق عقليّ، بل هو عمليّة تحوّل كيانيّ. "أبناء النّور" هم الّذين تعكس حياتهم صفات الله المحبّة، السّلام، والحقّ. هم الّذين يحملون هويّة جامعة فالمعموديّة تجعلنا جميعًا أبناءً لهذا النّور. تتلاقى هذه الآية مع قضيّة الوحدة المسيحيّة في نقاط جوهريّة، خاصّة وأنّ الانقسام غالبًا ما يُنظر إليه في اللّاهوت كنوع من الظّلمة أو الحجاب الّذي يعيق رؤية النّور الكامل".

وتابع: "الصّلاة من أجل الوحدة هي النّور (المسيح). كلّما اقتربت الكنائس من المركز المسيح)، اقتربت بالضّرورة من بعضها البعض. النّور يكشف لنا أنّ الكبرياء والتّعصّب هما عتمة تعيق الوحدة، والإيمان بالنّور يتطلّب التّخلّي عن هذه الظّلمة. العالم الغارق في الصّراعات يحتاج إلى أبناء النّور. عندما نصلّي لوحدة الكنائس، نحن نطلب أن نكون شهودًا للمحبّة. فالعالم لا يستطيع أن يرى نور المسيح إذا كانت الكنائس الّتي من المفترض أن تعكس هذا النّور) تعيش في حالة خصام".

وختم: "عندما ينقسم المسيحيّون، يخفت النّور الّذي يشعّونه للعالم. ولكن عندما يتّحدون حول النّور الحقيقيّ، يصبح لشهادتهم قوّة وجاذبيّة الصّلاة من أجل الوحدة هي صلاة لكي يتوقّف المسيحيّون عن حجب نور المسيح بخلافاتهم، لكي يرى العالم فيهم "نور" العالم". فأن نكون أبناء "النّور" فهذا يعني أن نحمل مسؤوليّة إنارة العالم معًا، وهذا لا يتحقّق إلّا بقلب واحد وفكر واحد".

سويف

وفي الختام، اعتبر سويف أنّ "أسبوع الصّلاة، وإن امتدّ سبعة أيّام، إلّا أنّه لا يختصر بزمن محدّد، مشدّدًا على أنّ مسؤوليّة خدمة الإنسان هي مسؤوليّة محبّة"، مشيرًا إلى أنّ "طرابلس تشهد سعيًا مشتركًا مع جميع القيادات الرّوحيّة لترسيخ المحبّة والفكر النّاضج، وتعزيز اللّقاء بين المسيحيّين والمسلمين، لاكتشاف أنّهم جميعًا إخوة في الإنسانيّة".

وقال: "كما علّمنا الرّبّ ألّا نغفر سبع مرّات فقط، بل سبعين مرّة سبع مرّات، كذلك الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين لا تقتصر على سبعة أيّام، بل هي مسيرة مستمرّة، 70 يومًا سبع مرّات، أيّ صدقة دائمة تعاش بالرّوح القدس. نحن لا نصلّي وحدنا، بل الرّوح القدس هو الّذي يصلّي فينا، وعلينا أن نعرف ما نؤمن به، لأنّ ما نؤمن به هو الّذي يشهد فينا ومن خلالنا.وقبل تبادل السّلام وصلاة الختام، وباسم روح اللّجنة الأسقفيّة للعمل المسؤول والخدمة، التّابعة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، والّتي طُلب منّي خدمتها خلال هذه المرحلة، وبالتّعاون المحبّ والوطيد مع مجلس كنائس الشّرق الأوسط ممثّلًا بأمينه العامّ الدّكتور ميشال عبس، ومع الأعضاء المشاركين معنا اليوم، أشكر راعي هذه الأبرشيّة وراعي الكنيسة، سيّدنا المطران كريسوستومس ميخائيل شمعون، مجدّدًا الشّكر له على الاستضافة وحفاوة الاستقبال".

وتابع: "حقيقة، هذا الأسبوع جميل جدًّا، وأنا شخصيًّا أحبّ أن أعيشه، فقد افتتحنا الصّلاة في أنطلياس، في الكنيسة الرّسوليّة، أيّ الكنيسة الأرثوذكسيّة الرّسوليّة، الّتي كتبت للعالم أن يكونوا واحدًا، بعنوان نور من نور لأجل النّور".

وأشار إلى المحطّات الرّوحيّة الّتي شملها أسبوع الصّلاة، قائلًا: "بالأمس توجّهنا إلى زحلة رغم الطّقس العاصف، وبمشيئة الرّبّ تمكّنّا من حضور الصّلاة والعودة بسلام، وكانت الكنيسة في البقاع مجتمعة كما نحن اليوم مجتمعون في كنيسة مار أفرام في الميناء. كما ستكون محطّة أخرى تتمثّل بصلاة الشّبيبة في الكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة في وسط بيروت".

وأوضح أنّ "ختام أسبوع الصّلاة سيكون في الكنيسة الكلدانيّة"، لافتة إلى أنّ "هذه عظمة الرّبّ في كنائسه، الّتي قد نراها متعدّدة في الشّكل، لكنّها في الإيمان كنيسة واحدة، جامعة، مقدّسة، رسوليّة، ولا أحد منّا يقول إنّه يؤمن بكنيسة منقسمة، فهذا ليس موضوع إيماننا، نحن نؤمن بكنيسة واحدة، وإن كنّا كبشر بكبريائنا وضعفنا وخطايانا قد ابتعدنا عن هذه الوحدة، لذلك نصلّي بتوبة صادقة، ساعين مع الرّوح القدس إلى بلوغ الوحدة الكاملة حول المائدة المقدّسة".

وقال: "أحيّي من صميم القلب إخوتي المطارنة، سيّدنا أفرام وسيّدنا أدوار، ونحن متواجدون يوميًّا في طرابلس، ونسعى معًا إلى عيش هذه الوحدة من خلال اللّقاءات، والتّنشئة، والتّعاون الرّعويّ، كما أشكركم جميعًا على هذه المسيرة الرّوحيّة المشتركة. ولا بدّ أن أوجّه تحيّة إلى المطران شاهي بانوسيان ممثّلًا بالأب خورين، وإلى سيّدنا المطران باسيليوس، وشكرًا خاصًّا لراعي الكنيسة الإنجيليّة وراعي هذه الكنيسة الخوري سمير حجّار، الّذي تعاونّا معه يوم كنت خادمًا في رعيّة طرابلس قبل أن أتسلّم مسؤوليّة الأسقفيّة، حيث جرى العمل، بالتّعاون مع الأب حجّار، على خدمة النّاس والرّعيّة من خلال تكامل الجهود الرّوحيّة والرّعويّة والإنسانيّة. وأشار إلى أنّ هذه الخدمة شكّلت مساحة حقيقيّة للّقاء مع المؤمنين والوقوف إلى جانبهم في حياتهم اليوميّة. وشكر إلى الكاهن الجديد، ممثّل اللّجنة الأسقفيّة في الشّمال، الأب صموئيل إبراهيم، مثنيًا على الجهود الّتي بذلها في التّحضير لهذا اللّقاء وإنجاحه، كما شكر الرّهبان والرّاهبات والكهنة، وجميع المؤمنين الطّيّبين من إخوة وأخوات، الّذين اجتمعوا للاحتفال بهذا اللّقاء المقدّس".

وتوقّف عند كلام سيّدنا ميخائيل، الّذي قال: "نور من نور لأجل النّور"، معتبرًا أنّ "هذه الكلمات أدخلت الجميع في روحانيّة هذا الأسبوع، ومؤكّدًا أنّ النّور الحقيقيّ هو الرّبّ يسوع المسيح"، وأضاف أنّ المسيح قال في الوقت نفسه: "أنا هو نور العالم" و"أنتم أيضًا نور العالم"، وهي مسؤوليّة كبيرة حملها الرّبّ للمؤمنين، داعيًا من خلالها إلى عيش التّواضع فيما بينهم، والتّواضع أمام محبّة الله، على هذه الكلمة الّتي صارت جسدًا وحلّت فينا، فأعطتنا القوّة والسّلام".

وأكّد "ثقته بأنّ في قلب كلّ إنسان شوقًا ورغبة، وفي قلب الكنيسة ورسالتها شوقًا دائمًا للوصول إلى اللّقاء حول مائدة الإفخارستيّا، الّتي تشكّل تتويجًا للوحدة الكاملة"، لافتة إلى "أنّ الرّوح القدس وحده يعلم الزّمن الّذي ستتحقّق فيه هذه الوحدة بين المسيحيّين، إلّا أنّ المطلوب هو الشّهادة لها في الحياة اليوميّة، من خلال ما يعرف بالمسكونيّة، أيّ أن يتّحد الكون بالقلب بالمحبّة والإيمان".

وقال: "في هذه الكنيسة المباركة، استحضر المطران إرث المطرانين إبراهيم وبولس، والزّمن الّذي عاشاه، وما سبقه وما تلاه من قوافل الشّهداء، داعيًا إلى الصّلاة من أجلهم، ونطلب الرّحمة لهم وللأوضاع الّتي عاشوها"، مشيرًا إلى أنّ "هناك مسؤوليّة كبيرة نعيشها اليوم في هذا الشّرق وفي العالم كلّه، وهي مسؤوليّة الدّم، الّتي تقوّينا وتساعدنا على محبّة بعضنا البعض، والوقوف إلى جانب بعضنا البعض، وتحمّل المسؤوليّة الرّعويّة، وخلق فسحات رعويّة جديدة".

وكشف المطران، بعد أن طلب الإذن من المطران أفرام كرياكوس، عن "اقتراح تمّ البحث فيه بين الأسقفين في موضوع الإيمان، أيّ كيفيّة عيش الشّعب لإيمانه اليوم. واعتبر أنّ هذا اللّقاء بين أسقفين يحملان هم السّؤال حول إيمان النّاس هو مدعاة شكر لله، متسائلًا عمّا إذا كان الإيمان اليوم هو لقاء حيّ بيسوع المسيح، أم مجرّد إيمان اجتماعيّ موروث وانتماء مسيحيّ شكليّ"، وشدّد على أنّ "المسألة أعمق من ذلك بكثير، فهي مسألة روحيّة بامتياز، تتعلّق بكيفيّة عيش الشّعب، والشّباب، والشّابّات، والعائلات لإيمانهم بالرّبّ يسوع المسيح الفادي والمخلّص، الّذي يشكّل ركيزة حياتهم ونورهم وفداءهم وفكرهم"، وأعلن أنّه "سيتمّ، بمشيئة الله، التّوسّع في هذا المسار مع أساقفة المنطقة، لإيجاد سبل الوقوف إلى جانب بعضهم البعض، وابتكار برامج تساعد على بناء إيمان معمّق وغير سطحيّ، إيمان حقيقيّ يعيد تثبيت المؤمنين في لقاء حيّ ومتجدّد مع السّيّد المسيح".

وقال: "مسؤوليّة خدمة الإنسان هي مسؤوليّة محبّة، وأنّ طرابلس تشهد سعيًا مشتركًا مع جميع القيادات الرّوحيّة لترسيخ المحبّة والفكر النّاضج، وتعزيز اللّقاء بين المسيحيّين والمسلمين، لاكتشاف أنّهم جميعًا إخوة في الإنسانيّة"، وأعلن إنّ "وجودهم اليوم في هذه الكنيسة في الميناء يدعو إلى شكر الرّبّ يسوع على ميناء البحر، الّذي يرمز إلى الانفتاح، حيث تلتقي آمال المهاجرين بأحلام الغد، فلنفتح نحن أبواب قلوبنا كما يفتح البحر أبواب العالم، وطرابلس الفيحاء بعطر اللّيمون، حيث يمتزج عطر اللّيمون بالبخور، وترتفع الصّلوات شكرًا وتسبيحًا وتعظيمًا لحضور الله ومحبّته".

وختم: "من طرابلس، مدينة العلم والبحر، مدينة الجراح والرّجاء، نرفع اليوم صلاتنا في أسبوع الوحدة، طالبين من الله أن يجعلنا شهودًا للغفران والمصالحة، وبناة مستقبل أفضل لوطننا. الصّلاة ليست كلمات نردّدها، بل فعل إيمان يفتح القلوب على عمل الرّوح القدس، ويجعلنا شركاء في مشروع الوحدة والرّجاء. طرابلس الّتي عرفت جراح التّفرقة والحروب، مدعوّة اليوم الى أن تكون شاهدة على المحبّة والوحدة، وأن تربّي أبناءها على ما يجمع لا على ما يفرّق. فهي مدينة العلم، والعلم الحقيقيّ لا يقوم على فكر ضيّق، بل على فكر منفتح يحوّل الجراح إلى دروس، ويبني مستقبلًا حرًّا. وهي مدينة البحر، والميناء فيها رمز الانفتاح، مؤكّدًا أنّ المسيح هو رأس هذه السّفينة، أيّ الكنيسة، وهو الّذي يقودها إلى الوحدة الكاملة، الّتي تعاش بالمحبّة والصّلاة والتّواضع، شهادة لنور يسوع، له المجد إلى الأبد".

بعد انتهاء الصّلاة أقيم لقاء أخويّ للمشاركين في صالة الرّعيّة."