عيد بشارة والدة الإله مريم العذراء
تحتفل الكنيسة في 25 آذار/ مارس من كلِّ عامٍ بعيد بشارة مريم العذراء الّذي أضحى عيدًا وطنيًّا لا كنسيًّا وحسب. فالأمم كافَّةً تُجمع على بشارتها من الملاك جبرائيل وعلى بتوليَّتها وعلى قداسة الّذي تجسَّد في أحشائها بنعمةٍ من الله.
وتعود مصادر هذا العيد لإنجيل لوقا (1: 26 - 38) إذ يوثِّق تفاصيل الحديث الّذي دار بين الملاك المُرسل من الله ووالدة الإله، "فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ...فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (1 : 35 /38)"،مع العلم أنَّ وصفًا لهذه الأحداث قد ورد أيضًا في أقوال الآباء القدّيسين وفي إنجيل يعقوب المنحول.
مسيحيًّا، تعود جذور هذا العيد الّذي يعتبر أساسًا لكلِّ العقائد المسيحيَّة والّذي فيه تجسَّد الخالق بدون أن يعتريه تغييرٌ في ألوهيَّته، إلى القرون الأولى للمسيحيَّة ، حتّى قبل إقرار دستور الإيمان في المجمعين المسكونيّ الأوَّل عام 325 م، والمجمع المسكونيّ الثَّاني عام 381 م.
والجدير ذكره أنَّه لم يكن عيدًا مُستقلًّا بحدِّ ذاته بل كان مرتبطًا بعيدي الميلاد والظُّهور الإلهيّ أيّ الغطاس شعبيًّا. ولكن عندما استقلَّ عيدي الميلاد والغطاس استقلَّ عيدُ البشارة بدوره، فجُعل في 25 آذار/ مارس بالتَّزامن مع اعتدال الرَّبيع (March Equinox) حيث يتساوى اللّيل والنَّهار. وقد تماشى ذلك مع اعتقاداتِ وفلسفاتِ شعوبٍ قديمةٍ كانت تعتبر أنَّ العالم والكائنَ البشريَّ قد خُلقا في هذا اليوم.
لاهوتيًّا شُرِح الموضوع من قبل قدّيسين كُثر، ومن بينهم القدّيس أنستاسيوس الأنطاكيّ الّذي قال: "بحكمةٍ خلق الله كلَّ شيءٍ وبترتيبٍ وعدالةٍ أوجد الخليقة وافتتح الزَّمن وهو أيضًا أراد أن ياتي في الفترة الزَّمنيَّة ذاتها الّتي فيها خلق الموجودات والعالم. فبعد اعتدال الرَّبيع في 20 آذار/ مارس يأتي اليوم السّادس الّذي فيه خلق الله الإنسان ويكون بالتّالي في 25 آذار/ مارس. وفي هذا اليوم أيضًا اتّحد الله مع الإنسان بشكلٍ كامل."
لقد تمَّت البشارةُ بحكمةٍ من الله مع فتاةٍ عذراء مخطوبةٍ، حتّى متى حلَّ الرُّوح القدس عليها وحملت، لا يُعلن لليهود ما حصل معها على أنَّه زنى فتُرجم بحسب الشَّريعة. وبنفس الحكمة اختار الرَّبّ أن يكون رجلها هو يوسف البّار الّذي حفظ السِّرّ كما بتوليَّتَها.
هكذا بكلمة نعم وبحرّيَّةٍ مطلقةٍ، أضحت والدةُ الإله الفائقة القداسة مريم هي حوّاء الجديدة، الّتي أصغت إلى الله فارتفعت مُبدِّدةً بذلك عصيان حوّاء الأولى، فأولدت ثمرة الحياة المحيية لنفوسنا الرَّبّ يسوع المسيح الّذي غلب الموت بموته وقيامته.