عوده: لا صوم بمعزل عن محبّة القريب
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: "أحبّائي، في هذا الأحد المسمّى أحد مرفع اللّحم أو أحد الدّينونة، نرفع اللّحوم عن موائدنا تهيئةً للصّوم الأربعينيّ المقدّس، والأحد القادم نرفع كلّ مشتقّات الحليب لنبدأ رحلة الصّيام الكبير الّذي نتهيّأ خلاله، جسدًا وروحًا، للاحتفال بالقيامة المجيدة. فبعدما تعلّمنا مساوئ الكبرياء وأهمّيّة التّواضع مع الفرّيسيّ والعشّار، وجمال التّوبة مع الإبن الضّالّ، يقرأ على مسامعنا اليوم إنجيل الدّينونة الّذي يفصل فيه المسيح، الدّيّان العادل الجالس على عرش القضاء، بين الخراف الّذين دعاهم إلى ملك أبيه، والجداء الّذين أسقطتهم أفعالهم ونالوا الدّينونة الرّهيبة. إنّه أحد أكثر النّصوص رهبةً، لأنّه لا يترك مجالًا للّبس، ولا يسمح للإنسان بأن يتعلّل بأعذار دينيّة أو ممارسات شكليّة. اليوم، تكشف لنا الكنيسة، كأمّ روحيّة حكيمة، معيار الملكوت بوضوح، وتضع أمام أعيننا وجه المسيح الدّيّان الّذي هو نفسه وجه المسيح المخلّص، المتألّم في إخوتنا الصّغار.
يعلن الرّبّ يسوع في مطلع إنجيل اليوم: "متّى جاء ابن البشر في مجده وجميع الملائكة القدّيسين معه، فحينئذ يجلس على عرش مجده وتجمع إليه كلّ الأمم" (25: 31-32). هذا الإعلان لا يهدف إلى تخويف الإنسان أو إدخاله في قلق مرضيّ، بل إلى إيقاظه من سباته الرّوحيّ. فالدّينونة ليست فكرةً رمزيّةً أو مجازيّةً، بل حقيقة إيمانيّة أساسيّة، تعلن أنّ للتّاريخ معنًى، وأنّ حياة الإنسان ليست عبثًا، بل مسيرة مسؤوليّة أمام الله.
غير أنّ ما يميّز هذا النّصّ الإنجيليّ، وما يجعله صادمًا لكلّ تديّن سطحيّ، هو معيار الدّينونة نفسه. فالرّبّ لا يسأل عن عدد الصّلوات ولا عن شدّة الأصوام أو المعرفة اللّاهوتيّة، كما أنّه لا يسأل عن المركز والثّروة والمكانة الاجتماعيّة، بل يسأل عن المحبّة: "جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني ومريضًا فعدتموني ومحبوسًا فأتيتم إليّ". فالإيمان الحقيقيّ لا يختبر في العزلة، بل في العلاقة مع الآخر، ولا يقاس بالأقوال بل بالأعمال.
يشدّد الآباء القدّيسون على هذه الحقيقة لأنّهم رأوا فيها قلب الإنجيل. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "إن أردت أن تكرّم جسد المسيح فلا تحتقره عريانًا، ولا تكرّمه في الكنيسة بالأقمشة الثّمينة وتتركه خارجها يتألّم من البرد والجوع". المسيح نفسه يعلن أنّه اختار أن يختبئ في الإنسان المتألّم. من هنا، فإنّ موقفنا من الفقير والضّعيف والمنبوذ والمتألّم ليس مسألةً أخلاقيّةً ثانويّةً، إنّما هو موقفنا من المسيح نفسه.
اللّافت أنّ الّذين دينوا لم يتّهموا بارتكاب الشّرور بل أدينوا بسبب الإهمال. لم يقل لهم الرّبّ يسوع إنّهم أذنبوا بفعل الشّرّ، بل إنّهم قصّروا في فعل الخير. هنا، تكشف الكنيسة خطورة اللّامبالاة الرّوحيّة، لأنّها تجعل الإنسان مكتفيًا بذاته، منغلقًا على راحته، غير مبال بصرخة الآخر. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "الخبز الّذي تحتفظ به هو للجائع، والثّوب الّذي تخزّنه هو للعريان، والمال الّذي تخفيه هو للمحتاج". فعدم العطاء في نظر الآباء ليس حيادًا بل مشاركة غير مباشرة في الظّلم.
يتكامل هذا التّعليم الإنجيليّ مع تعليم الرّسول بولس في رسالة اليوم، حيث يعالج مسألةً عمليّةً تتعلّق بالطّعام، لكنّه يكشف من خلالها مبدأً روحيًّا عميقًا: أنّ الحرّيّة المسيحيّة لا تمارس بمعزل عن محبّة الأخ. يقول بولس: "إنّ الطّعام لا يقرّبنا إلى الله… ولكن انظروا ألّا يكون سلطانكم هذا معثرةً للضّعفاء". ثمّ يذهب أبعد من ذلك، معلنًا استعداده للتّخلّي عن حقّه المشروع إن كان في ذلك خلاص أخيه: "إن كان الطّعام يشكّك أخي فلا آكل لحمًا إلى الأبد لئلّا أشكّك أخي". الحرّيّة الشّخصيّة تنتفي أمام كرامة الآخر لأنّ المحبّة الصّادقة لا تؤذي ولا تحسد.
على ضوء هذا التّعليم، يظهر بوضوح أنّ الدّينونة ليست حدثًا منفصلًا عن حياتنا اليوميّة، بل هي امتداد طبيعيّ لها. فالإنسان الّذي يعيش غير مبال بأثر أفعاله على الآخرين، والّذي يستخدم إيمانه وحرّيّته لخدمة ذاته فقط، إنّما يهيّئ نفسه، من حيث لا يدري، لسماع قول الرّبّ: "إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النّار الأبديّة المعدّة لإبليس وملائكته لأنّي جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني، وكنت غريبًا فلم تؤوني وعريانًا فلم تكسوني ومريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني". يقول القدّيس مكاريوس المصريّ: "كما أنّ العين لا تستطيع أن تقول لليد لا حاجة لي إليك، كذلك النّفس لا تخلص من دون محبّة".
في أحد الدّينونة يوجّه إلينا الإنجيل، نحن مسيحيّي اليوم، دعوةً صريحةً إلى مراجعة إيماننا. ففي عالم يسوده العنف والظّلم والأنانيّة والانعزال، لا يكفي أن نتمسّك بإيمان نظريّ أو طقسيّ. فالكنيسة لا تفصل بين العبادة والحياة، ولا بين المذبح والشّارع. من هنا، فإنّ الصّوم الكبير، الّذي نتهيّأ لدخوله، لا يبدأ بالإمتناع عن الطّعام فقط، بل بالامتناع عن القساوة، واللّامبالاة، والكبرياء، والحسد، وإدانة الآخر، والانفتاح الصّادق على المحتاج.
الدّينونة الّتي يعلنها المسيح ليست دينونة انتقام، بل دينونة حقّ. إنّها لحظة كشف، يظهر فيها إن كان الإيمان مجرّد كلام أو تحوّل إلى محبّة. والمسيح الّذي سيأتي في مجده، هو نفسه المسيح الّذي يقف اليوم على أبواب قلوبنا في صورة الجائع والغريب والمريض. من يفتح له اليوم لن يخاف لقاءه غدًا.
يا أحبّة، على كلّ مسيحيّ أن يعي، فيما نحن على أبواب الصّوم، أنّ لا صوم بمعزل عن محبّة القريب، ولا محبّةً حقيقيّةً إن لم تنسكب على المريض والضعيف والمتألّم والمحتاج والمظلوم رحمةً وعطفًا وحنانًا وعطاء. كلمات يسوع في إنجيل الدينونة دعوة صريحة لكلّ الأغنياء العميان عن حاجة الآخرين، ولكلّ سلطة تتناسى قضيّة الفقراء الّذين يفتقرون إلى لقمة العيش أو إلى سقف، أو الّذين تنهار على رؤوسهم أسقف منازلهم. إنّها دينونة للحكّام اللّاهين بأنفسهم، الّذين لا يقيمون وزنًا إلّا لمصالحهم ويتغاضون عن آلام شعوبهم، وعن الضّعفاء والمتألّمين، كما أنّها دينونة لكلّ من لم يدرك أنّ يسوع لا يقيم في القصور ولا يعتبر المال والمكانة مقياسًا للعظمة، بل هو مقيم في وجه كلّ محتاج وفي قلب كلّ مستضعف.
فلنصغ إلى صوت الكنيسة، ولنسمح لهذا الإنجيل أن يهزّ ضمائرنا، لا لكي نيأس، بل لكي نتوب. ولنطلب إلى الرّبّ أن يمنحنا قلبًا رحيمًا، يرى حضوره في كلّ إنسان محتاج إلى محبّتنا، لكيما إذا أتى ابن الإنسان في مجده، نكون من الّذين سمعوا ذلك الصّوت المملوء نعمةً: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم"، آمين."
