رسالة وداع من الكاردينال ساكو!
"إذ أستعدّ لوداعِ مقرِّ البطريركيّة ببغداد، للانتقال إلى المعهد الكهنوتيّ في عنكاوا/ أربيل، أودّ أن أوجّه هذه الرّسالة الوداعيّة.
أتوجّه أوّلًا بالشّكر الى الله على كلِّ النّعم الّتي سكَبها عليّ، وإلى كلِّ الّذين وقفوا معي بصدق طيلة خدمتي. كما أعرب عن امتناني لكلِّ الّذين اتّصلوا بي بعد استقالتي، من بطاركة وكرادلة وأساقفة وكهنة شرقيّين وأجانب، وأشخاص مسيحيّين وغير مسيحيّين. لقد أثّرت فيّ كلماتهم كثيرًا. أعِدهم بأنّي لن أنساهم في صلاتي.
يسرّني أن أنضمَّ إلى الكنيسة الكلدانيّة في الصّلاة من أجل أساقفتنا المجتمعين في روما، ليُنيرهم الرّبّ فيختاروا من بينهم من هو الأنسب ليكون أبًا لها، يُجسِّدُ وحدتَها، ويضمن حيويّتَها. يُحبُّ النّاس ويخدمهم. يفرح بهم ويفرحون به. بهذا الخصوص، أؤكّد أنّي لم أتّصل بأيّ أسقف من أجل أن يُصوّت لفلان أو غيره. وعدم حضوري المجمع الانتخابيّ هو تعبيرٌ عن احترامي لضميرِ الأساقفة في إختيارهم. مَن يبث هكذا أكاذيب وغيرها لا ضمير له.
حاولتُ خلال خدمتي للكنيسة الكلدانيّة، وسط تراكمات ثقيلة، وتحدّيات بالغة الصّعوبة، أن أبقى بروحي أمينًا للإيمان المستنير، وليس مجرّد الالتصاق بالموروث المغلق، وكانت لي القوّة في تسليط الضّوء على أهمّيّة الكنيسة الكلدانيّة والكنائس الشّرقيّة للدّاخل والخارج. فتحقّقت خلال 13 سنة، نقلة نوعيّة للكنيسة الكلدانيّة متأسَّسة على الأصالة والوحدة والتّجدّد كما جاء في شعاري البطريركيّ. الأصالة تنبع من الجذور، وبهاء التّوارث الرّسوليّ، وجمال التّقليد، لكن تنبثق أيضًا من الحسّ بضرورة التّجديد والتّأوين، فالتّقليد ليس تحنيطًا، بل روحًا يتواصل مع الزّمن وبشكل آخر.للأسف هذا ما لم يدركه البعض!
منذ سنوات شبابي ودراستي تابعت بجدٍّ روح المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، وكبار لاهوتيه:كونكار، وشنو، وبالتازر وراهنر.. فضلًا عن مشاركاتي، على سبيل المثال لا الحصر:مشاركتي منذ2010 في سينودسات الأساقفة الكاثوليك العامّة وترؤّسي العائلة الكاثوليكيّة في مجلس كنائس الشّرق الأوسط لفترة خمس سنوات، علّمتني هذه الخبرة الكثير من خلال الإصغاء والنّقاش والصّداقات.
أمّا في كتاباتي ككاهن وأسقف وبطريرك، فقد بحثتُ مع آخرين عن السُّبُل الّتي تمكّن الكنيسة من أداء ليتورجيّتها وتعليمها catechism بلغة معاصرة مفهومة، وخدمة الفقراء بفعاليّة أكثر. هذه السِّمات أساسيّة ودائمة في حياة الكنيسة، لئلّا تفقد حماسها وحيويّتها.
لم اكن يومًا ما طائفيًّا، فقد سعيتُ لتوحيد مواقف الكنائس وخطاباتها، كما طلبتُ تغيير الاسم من رؤساء الطّوائف إلى رؤساء الكنائس وتعديل النّظام الدّاخليّ، ولكن لم تكن ثمّة إستجابة بسبب موالاة بعضها لفصيل مسلّح معروف باستيلائه على مُقدّرات المسيحيّين. عزّزتُ الحوار المسيحيّ الإسلاميّ وتمكّنّا من تفكيك خطاب الكراهيّة. وغدَتْ البطريركيّة مرجعيّة دينيّة ووطنيّة واجتماعيّة، أتمنّى أن تستمرّ.
كما عملتُ على حماية المسيحيّين المتجذّرين في العراق طيلة فترة وجودي. ودعمتهم للبقاء في وطنهم رغم كلِّ الظّلم والسّياسات غير المستقرّة. طالبتُ بدولة مدنيّة تقوم على المواطنة الشّاملة والمساواة وليس على الدّين والطّائفيّة والمحاصصة. فالوطن كما يقول الفيلسوف ليو تولستوي، "ليس مساحة من الأرض ولا مجموعة من النّاس، بل هو البيئة الملائمة الّتي تُحفظ فيها كرامة الإنسان."
لم أَحْنِِ رأسي إلّا أمام الله، ورفضتُ الخضوع للابتزاز أو الشّراء بالمال أو المساومة، حتّى أبقى حرًّا وأمينًا لضميري ورسالتي.
لي الثّقة المطلقة بالعناية الإلهيّة بأنّ: "مَن آمَنَ بِه لا يُخْزى"(رومة 10/ 11).حاليًّا أعيش بسلام واطمئنان. الإستقالة ليست نهاية العالم! بل هي بداية جديدة للعيش بسكينة وطريقة أعمق وأكثر هدوءًا للخدمة بتواضع واختفاء.
إلى جانب هذا فإنّي أتقدّم بمحبّة وصفاء نيّة بتوصيتي القلبيّة للإخوة الأساقفة والكهنة والمؤمنات والمؤمنين.
للأساقفة، اعملوا كفريق واحد باحترام المواهب في خدمة الكنيسة بمحبّة وتواضع، والالتزام الثّابت تجاه المحتاجين. حافظوا على شعلة الرّجاء مضيئة في قلوبكم أوّلًا، وقلوب كهنتكم ومؤمنيكم. يقول مار افرام "حسبما يكون الأسقف هكذا تكون رعيّته" (ترانيم نصيبينية 2/ 19).ويكمل: "إنّه المربّي للإيمان والأخلاق وهو المُعين للمستضعفين". قد تختلفون في أفكاركم وهو أمر طبيعيّ، لكن لا ينبغي أن يقود إلى الخلاف، بل لتبقَ المحبّة هي السّائدة.
للكهنة، ليكن يسوع مثالًا لكم. تميّزوا بالبساطة والغيرة، وجسّدوا الإفخارستيّا لتترسَّخ ثقة النّاس بكم. كونوا شهودًا للمسيح وعلامة لحضوره في حياتكم اليوميّة. وعلى ضوء كلمة الفادي: إحذروا من المال (متّى 6/ 24).
للمؤمنات والمؤمنين، التزموا بإيمانكم وأخلاقكم المسيحيّة، ولا تتأثّروا بوسائل التّضليل. تمسَّكوا بكنيستكم وهويّتكم الكلدانيّة ولغتكم ومجتمعكم واحملوا شعلة إرثكم بكلّ فخر.
أخيرًا أضع خدمتي بالصّلاة من أجل الكنيسة بشهدائها وقدّيسيها، والعراق وطنًا للجميع ومن بينهم المسيحيّون حيث فيه جذورهم.
ملاحظة بخصوص التّسليم والاستلام:ليس لي شخصيًّا ما اُسلّمه للبطريرك القادم. ما أملكه هو ما تبقّى من رواتبي الّذي هو مثل راتب أيّ أسقف كلدانيّ في العراق نحو ألف ومائة دولار أميركيّ، وملابسي وحُلَلي الكهنوتيّة ومكتبة مهمّة تحوي أهمّ مصادر تاريخ وتراث كنيستنا، وسوف أتركها لاحقًا للمعهد الكهنوتيّ:
1. الدّائرة الماليّة معزولة عن البطريركيّة. هي الّتي تحتفظ بالأموال وليست البطريركيّة الّتي ليس فيها مال ما عدا ما ترسله الدّائرة الماليّة شهريًّا للمطبخ ووقود السّيّارات. كلّها تتمّ بوصولات من قِبل المحاسب بإشراف المطران باسيليوس يلدو. واليوم عند الدّائرة الماليّة مبلغ كبير لم تشهده البطريركيّة في تاريخها؟
2. لدى الدّائرة الماليّة قائمة بأملاك البطريركيّة وبثلاث مدارس ابتدائيّة وعدد من رياض الأطفال.
3. للبطريركيّة حساب في البنك الفاتيكانيّ باليورو والدّولار وأعتقد أنّ المبلغ بسيط، لم أستعمله أبدًا لحاجاتي الخاصّة. مصرف الفنادق خصوصًا في روما أدفعه من عندي عنّي وعن من يرافقني. وأحيانًا أدفع بطاقة الطّائرة. سلّمت بطاقة البنك إلى المعاون البطريركيّ المطران باسليوس يلدو.
4. الذّهب، توجد حاجات ذهبيّة ثمينة من صلبان وخواتم الخ. كلّها مسجَّلة وسُلّم المفتاح إلى المعاون البطريركيّ المطران باسليوس يلدو. لم أستعمل أيّ شيء منها. وليس لي إلّا خاتم ذهبيّ أهداه لي السّيّد أنطوان حكيم، أحد وجهاء الطّائفة في لبنان.
إنّي مستعدّ لأيّ سؤال من قِبل البطريرك القادم.
عيد قيامة مبارك بالسّلام والأمان والفرح."
