أستراليا
05 أيار 2026, 13:05

رسالة مفتوحة من المطران طربيه إلى الشّيخ علي الخطيب

تيلي لوميار/ نورسات
وجّه راعي أبرشيّة أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا المارونيّة المطران أنطوان شربل طربيه رسالة مفتوحة إلى نائب رئيس المجلس الإسلاميّ الشّيعيّ الأعلى في لبنان العلّامة الشّيخ علي الخطيب، كتب فيها:

"أتوجّه إليكم من موقع المسؤوليّة الرّوحيّة والوطنيّة، ومن عمق العلاقة التّاريخيّة بين الكنيسة المارونيّة والطّائفة الشّيعيّة الكريمة، الّتي حملت عبر تاريخ لبنان رسالة الشّراكة الصّادقة والعيش الواحد، والحرص على لبنان بلدًا نهائيًّا لجميع أبنائه. أتوجّه إليكم بنداء مخلص في لحظة دقيقة ومرحلة مصيريّة تستدعي من جميع المرجعيّات الدّينيّة أقصى درجات الحكمة والرّصانة وسموّ الخطاب لإنقاذ لبنان.

لقد تلقّينا بأسف بالغ واستنكار شديد ما تمّ تداوله من صور مسيئة طالت مقام أبينا غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، وهي إساءات، أيّاً يكن مصدرها أو دوافعها، تمسّ شخصًا بذاته، بل مقامًا روحيًّا ووطنيًّا جامعًا يشكّل ركنًا أساسيًّا من أركان الكيان اللّبنانيّ. من المعروف أنّ التّعرّض للمقامات الدّينيّة في لبنان، أيًّا كانت الجهة المستهدفة، لا يطال طائفة دون أخرى، بل يصيب في العمق جوهر الصّيغة اللّبنانيّة القائمة على الاحترام المتبادل لقدسيّة الرّموز الدّينيّة ولكلّ مكوّنات الوطن.

منذ أن اعتلى يوحنّا مارون سدّة البطريركيّة المارونيّة الأنطاكيّة في القرن السّابع، حملت الكنيسة المارونيّة رسالة صمود وحضور وهويّة في وجه التّحدّيات والتّحوّلات الكبرى الّتي شهدتها منطقتنا. ولم تكن يومًا منغلقة على ذاتها، بل كانت على الدّوام مساحة لقاء وضمانة توازن، ورافعة للكيان اللّبنانيّ في تنوّعه وغناه. لست بصدد التّوقّف عند دور الموارنة أو غيرهم في الحفاظ على لبنان، ولكن من المعلوم أنّهم أسهموا، عبر مسيرتهم، في ترسيخ مفهوم لبنان الرّسالة، القائم على الحرّيّة الدّينيّة والتّعدّديّة، وكانوا شركاء صادقين مع إخوتهم المسلمين في الدّفاع عن الأرض والإنسان، وعن كرامة اللّبنانيّين جميعًا. ويشهد تاريخ لبنان على عمق هذه الشّراكة الإسلاميّة- المسيحيّة الّتي صاغت هويّة وطن لا يقوم إلّا بتلاقي مكوّناته وأبنائه وبناته، وصون كرامة رموزه، واحترام مقاماته الرّوحيّة.

ويندرج صون هذه الكرامات أيضًا في صلب الالتزام بروحيّة الدّستور اللّبنانيّ وبالميثاق الوطنيّ الّذي جمع اللّبنانيّين على مبدأ المساواة بينهم في الحقوق والواجبات، ودعمهم غير المشروط لمشروع الدّولة القادرة، وعلى رأسها اليوم فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون. هذا ما يحمّلنا جميعًا اليوم مسؤوليّة مضاعفة في هذه المرحلة الدّقيقة، حيث لا يحتمل لبنان أيّ انزلاق إضافيّ نحو المزيد من التّوتّر والحروب، بل أن تتضافر الجهود لوقف الحرب فورًا، وتحرير الأرض، وإعادة الإعمار، وعودة النّازحين إلى بيوتهم وأرضهم معزّزين ومكرّمين.

من هنا، فإن المرجعيّات الدّينيّة، وفي طليعتها مقامكم الكريم، ليست مجرّد مواقع تمثيليّة، بل هي ضمانات حيّة وأساسيّة للسّلم الأهليّ، وحارسة للاعتدال والتّواصل الوثيق بين أبناء الوطن الواحد. وأيّ اعتداء معنويّ أو رمزيّ على أيّ مقام دينيّ، مسيحيًّا كان أم إسلاميًّا، يُشكّل مساسًا خطيرًا بهذا الدّور، ويفتح الباب أمام انزلاقات لا تُحمد عقباها في ظلّ ما يمرّ به لبنان من أزمات ودمار وتهجير.

إنّني، إذ أتوجّه إليكم بما تمثّلونه من مرجعيّة وطنيّة كبرى، أهيب بحكمتكم المعهودة للقيام مع غبطة أبينا البطريرك مار بشارة بطرس الرّاعي وسماحة مفتي الجمهوريّة اللّبنانيّة الشّيخ عبد اللّطيف دريان، وشيخ العقل للموحّدين الدّروز الشّيخ سامي أبي المنى، والمرجعيّات الدّينيّة في لبنان، بإطلاق حملة توعية واضحة وصريحة لوقف هذا النّهج المسيء، والعمل على منع تكراره، والتّأكيد أنّ الخلافات السّياسيّة، مهما بلغت حدّتها، لا يمكن أن تبرّر التّطاول على الرّموز الرّوحيّة الّتي تختزن كرامة الجماعات اللّبنانيّة ووجدانها لأنّ الأوطان لا تبنى بأفعال الإساءة بل بالتّضامن والتّضحيات.

إنّ مسؤوليّتنا المشتركة، كمؤتمنين على القيم الدّينيّة والإنسانيّة والوطنيّة، تفرض علينا أن نصون مساحات الاحترام، وأن نحمي المقامات الدّينيّة من أيّ استغلال أو توظيف يهدّد العيش المشترك أو يتناقض مع هويّة لبنان البلد التّعدّديّ، الّذي يبقى من أثمن ما نملكه وأقدس ما نؤتمن عليه.

أخاطبكم اليوم بهذه الرّسالة المفتوحة، وأتمنّى اللّقاء بكم في ربوع الوطن الغالي عندما تسمح الظّروف.

وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام والتّقدير."