رسالة الفصح للبطريرك إبراهيم إسحق
"من قلب الأب البطريرك إبراهيم إسحق، خادم كنيسة الإسكندريّة وسائر الكرازة المرقسيّة للأقبـاط الكاثوليك، إلى إخوتنا الأجلّاء المطارنة والأساقفة، وأبنائنا الرّوحيّين القمامصة والقسوس، والرّهبان والرّاهبات والشّمامسة والخدّام، وإلى كلّ فرد من أبناء كنيستنا القبطيّة الكاثوليكيّة المباركة في مصر وبلاد المهجر. لتفض قلوبكم وعائلاتكم، في هذا العيد المجيد، بنور القيامة، ولتحلّ عليكم نعمة سماويّة وفرح حقيقيّ ورجاء لا يخيب.
"قال لها يسوع: يا أمرأة لماذا تبكين؟ ومن تطلبين؟ فظنّت مريم أنّه البستانيّ" (يو 20: 15):
إخريستوس أنيستي.. أليثوس أنيستي! بهذا الهتاف الملائكيّ المبهج الّذي شقَّ صمتَ القبور، وبدّد ظلام الموت، أُحيّيكم جميعًا أيّها الأحبّاء، وأعانقكم بقبلة السّلام والمحبّة في هذه اللّيلة المقدّسة المفعمة بالنّور والرّجاء.
القيامة تجديد وعودة للجذور.
أيّها الأحبّاء، إنّ قيامة السّيّد المسيح ليست مجرّد ذكرى تاريخيّة نحتفل بها كعادة سنويّة، ولا هي طقس نؤدّيه ونمضي. القيامة هي "زلزال روحيّ" يرجّ كياننا، ليجدّد حياتنا، فنصير خليقة جديدة.
عيد القيامة يذكّرنا بأنّ الله الآب الرّحيم لا يتخلّى عن شعبه ولا عن العالم الّذي خلقه بحبّه. وحتّى في قلب الصّعوبات والظّلام تبقى القيامة وعدًا إلهيًّا بأنّ الحياة أقوى من الموت، والنّور أقوى من الظّلمة.
في عالمنا اليوم، ومع كلّ ما نراه من تقدّم مذهل، لا يزال الكثيرون يشعرون بفراغ عميق. هناك إنسان معاصر تائه، يشعر وكأنّ شجرة حياته قد اقتلعت من جذورها؛ يشعر أنّ شيئًا أساسيًّا ينقصه. نرى هذا في عائلات تتفكّك روابطها، وفي شباب يبحثون عن الأمل، وفي مجتمعات يغزوها القلق على المستقبل. هنا، يشرق سرّ القيامة.
جاء المسيح ليعيد الإنسان إلى جذوره الحقيقيّة في الله. وكما علّمنا قدّيس كنيستنا المصريّة، أثناسيوس الرّسوليّ: "صار الله إنسانًا لكي يصيرالإنسان إلهًا" أيّ مشاركًا في حياته الإلهيّة.
ولأنّ إنسان اليوم فقد جذوره، صار يبكي مثل المجدليّة على القبر لقد ظنّت مريم المجدليّة أنّ يسوع هو البستانيّ، وربّما لم تكن مخطئة تمامًا، لأنّ يسوع هو بالحقيقة بستانيّ الخليقة الجديدة الّذي جاء يمسح دموعنا ويعيد غرس جذورنا في أرض الحياة. هكذا يؤكّد بولس الرّسول بقوله "من كان في المسيح فهو خليقة جديدة" (٢ كور ٥: ١٧).
يا امرأة، لماذا تبكين؟:
في فجر القيامة، يقدّم لنا إنجيل القدّيس يوحنّا مشهدًا يلامس قلوبنا جميعًا. مريم المجدليّة تقف عند القبر تبكي. قلبها مكسور، في نظرها انتهى كلّ شيء، فالمعلّم الّذي نظر إليها يومًا بعين الرّحمة قد غاب. وهناك يقترب منها يسوع القائم من الموت، لا ليدين حزنها، بل ليسألها بحنان الرّاعي: "يا امرأة، لماذا تبكين؟ مَن تطلبين؟". هذا السّؤال دعوة لترسيخ إيماننا وفهم ما يبكي أرواحنا فى صمت.
إنّ يسوع لا يستخفّ بأحزاننا، ولكنّه يدعونا اليوم أن نرفع نظرنا من "قبورنا الفارغة" لكى نلتقي به. وها هو يسوع القائم اليوم، يعبر بين صفوفنا، ويدخل عبر الشّاشات إلى بيوتنا، ويوجّه ذات السّؤال لكلّ واحد وواحدة منّا: وأنت أيّها الإنسان.
لماذا تبكي اليوم في أعماق قلبك؟
هل تبكي سرًّا بسبب ضيق الحال أو تعثّر مشاريعك وأحلامك؟
هل تبكي بسبب مرض ألمّ بك، أو لغياب السّلام في بيتك؟
هل تبكي بسبب خطيئة أثقلت ضميرك وعزلتك عن الله؟
هل تبكي بسبب الفراغ الّذي لا تملؤه أموال ولا مناصب؟
المسيح القائم يناديك باسمك:
كانت مريم تبحث عن "جثّة" بين الأموات، فالتقت بـ"القيامة والحياة" شخصيًّا. ولم تكتشف حقيقة القيامة إلّا عندما ناداها يسوع باسمها: "يا مريم!". يا لعظمة هذا الإله! وسط زحام العالم وكلّ تيّاراته ومغرياته، الله لا يتعامل معك كرقم، بل يعرفك باسمك. يناديك باسمك، لا بصوتٍ عالٍ من الخارج بل فى عمق قلبك بصوت داخليّ هادىء وحنون. إنّ الله ينادي كلّ أب، وكلّ أمّ، وكلّ شابّ اليوم بصوت حنون في قلبه. فمتى سمعت صوته يناديك باسمك، ستتحوّل دموعك إلى سلام. وكما يصرخ القدّيس أوغسطينوس معبّرًا عن هذا الشّوق: "خلقتنا يا الله لك، وستظلّ قلوبنا قلقة مضطربة حتّى تستريح فيك".
فلنطلب من الرّبّ القائم أن يجدّد قلوبنا، ويعيدنا إلى جذور حياتنا في الله، ويمنح عائلاتنا وشبابنا وكنيستنا ووطننا نعمة الرّجاء الّذي لا يخيب.
رسالة ودعوة للبناء:
أيّها الأحبّاء؛ إنّ المجتمعات متى فقدت جذورها تفقد قدرتها على بناء المستقبل. لذا، فإنّ القيامة تدعونا للعودة إلى الجذور، وحين تتجدّد الجذور الرّوحيّة والأخلاقيّة، تنفتح أمام الشّعوب آفاق جديدة مليئة بالحياة والرّجاء.
فإلى شبابنا أقول: لا تستسلموا لليأس والإحباط. أنتم قوّة الكنيسة وعصب الوطن. المسيح قام ليمنحكم شجاعة التّغيير والنّجاح تغيير الذّات أوّلًا والمساهمة بالعمل لأجل تغيير المجتمع.
إلى عائلاتنا أقول: إجعلوا من بيوتكم كنائس صغيرة، مدارس للمحبّة، فالعائلة هي الحصن الأوّل الّذي تتكسّر عليه كلّ أمواج الانقسام.
وإلى وطننا أقول: إنّ مصرنا الغالية تحتاج اليوم إلى تكاتفنا جميعًا، لنبني ونعمّر بالعمل المخلص والضّمير الحيّ، متسلّحين بالرّجاء.
فيا أيّها الخائفون تشجّعوا ولا تخافوا. ويا أيّها الباكون امسحوا دموعكم. نعم، نحن متأكّدون.. ورجاؤنا لا يخيب: المسيح قام حقًّا! المسيح حيّ! فلنقم نحن أيضًا معه، ولتقم عائلاتنا في نور قيامته المجيدة.
في هذه اللّيلة المباركة الّتي تتشابك فيها أيدينا وترتفع بالدّعاء قلوبنا، متّحدين مع قداسة البابا لاون الرّابع عشر وبطاركة الشّرق وكلّ المؤمنين .
نصلّي لكي يمنح الله سلامه للعالم كلّه، وخاصّة المناطق الموجوعة والّتي تعاني الحروب والدّمار. من أجل مصرنا الغالية، لكي تظلّ متماسكة تعيش قيمها الرّوحيّة ويعمل كلّ في مكانه من أجل رفعتها.
ومن أجل كلّ القائمين على خدمتها، الرّئيس عبد الفتّاح السّيسي وكلّ المشاركين له في المسؤوليّة ليهبهم الله الحكمة والقوّة لبناء مستقبل مشرق لوطننا.
من أجل العائلة، لتظلّ حجر الزّاوية للمجتمع البشريّ.
من أجل الكنيسة ومؤمنيها وخدّامها، لتظلّ الشّاهدة الأمينة لقيامة المسيح.
هيّا بنا ننطلق اليوم لنلتقي بالحيّ القائم الّذي يبحث عنّا ليرسلنا. أصبحت مريم المجدليّة "رسولة للرّسل"، ونحن اليوم مدعوّون لنحمل فرح القيامة إلى بيوتنا، إلى شوارعنا، إلى أعمالنا، وإلى كلّ متألّم وحزين.
قولوا للجميع بأفعالكم ومحبّتكم وتسامحكم: "لقد رأينا الرّبّ!". كلّ عام ومصرنا وشعبها، وكنيستنا المجيدة، وعائلاتكم بألف خير وسلام. المسيح قام... حقًّا قام!".
