رسالة الصّوم الأربعينيّ للبطريرك المسكونيّ برثلماوس الأوّل
وفي هذه الرّسالة، كتب برثلماوس بحسب ما نشر إعلام "البطريركيّة المسكونيّة باللّغة العربيّة":
"أيّها الإخوة الأجلّاء من الآباء الرّؤساء،
وأيّها الأبناء المباركون في الرّبّ،
ممتلئين بخشوع مقدّس، ندخل هذا العام أيضًا، بمشيئة إلهيّة، إلى الصّوم الكبير المقدّس، إلى ميدان الجهاد النّسكيّ، إلى زمن الصّيام والتّوبة، والتّواضع والصّلاة، والسّهر الرّوحيّ والمحبّة الأخويّة، وعيون قلوبنا متّجهة نحو صليب الرّبّ المحيي، الّذي يقودنا جميعًا إلى الفصح المقدّس، ويفتح لجنس البشر أبواب الفردوس.
إنّ هذه الفترة المباركة الّتي نبدأها هي فرصة لكي ندرك من جديد حقيقة النّسك بحسب المسيح، وارتباطه الّذي لا ينفصم بتحقّق الكنيسة الإفخارستيّ، تلك الكنيسة الّتي تضاء جميع مظاهرها وأبعادها بنور القيامة وفرحها. فروح النّسك ليست عنصرًا دخيلًا على المسيحيّة، ولا هي نتيجة تأثير أيديولوجيّات ثانويّة من خارج الكنيسة. إنّ النّسك هو تعبير آخر عن جوهر الوجود المسيحيّ، يربطه بالثّقة المطلقة بالعناية الإلهيّة، وبالفرح الرّوحيّ الّذي لا ينضب للحياة المكرّسة للمسيح، وبالتّجاوز الذّاتيّ وبذل الذّات، وبالمحبّة الإنسانيّة، وباحترام الخليقة كلّها.
فالنّسك ليس مسألة خيارات فرديّة أو خصوصيّات ذاتيّة، بل هو خضوع للقانون ولـ"الخبرة الجامعة" للكنيسة. إنّه، كما قيل، واقع "كنسيّ" لا "فرديّ". فالحياة في الكنيسة غير قابلة للتّجزئة: التّوبة، والصّلاة، والتّواضع، والمغفرة، والصّيام، وأعمال الرّحمة، كلّها مترابطة ومتداخلة. ولا وجود في التّقليد الأرثوذكسيّ لنسك يكون غايةً في ذاته، لأنّ ذلك يؤدّي دومًا إلى المبالغة في تقدير الجهد الفرديّ، ويغذّي نزعات التّبرير الذّاتيّ.
إنّ الصّوم الكبير هو الزّمن الملائم لعيش الكنيسة كمكان وطريقة لإعلان عطايا نعمة الله فيها، دائمًا كعربون لفرح قيامة الرّبّ، الّتي هي حجر الزّاوية في إيماننا، والأفق المنير كلّه لـ"الرّجاء الّذي فينا". وبإلهام إلهيّ، تكرّم الكنيسة في سبت المرفع ذكرى القدّيسين الرّجال والنّساء الّذين أشرقوا في النّسك، وهم المعينون والرّفقاء للمؤمنين في سباق الجهاد الرّوحيّ. وفي ميدان هذه الجهادات، لنا رضى الله المثلّث الأقانيم، وسترة والدة الإله الكلّيّة القداسة وأمّنا جميعًا، وشفاعات القدّيسين وشهداء الإيمان.
إنّ النّسك المسيحيّ الصّحيح هو اشتراك الإنسان كلّه- روحًا ونفسًا وجسدًا- في الحياة بالمسيح، من دون انتقاص من المادّة أو الجسد، ومن دون تقليص مانيّ مشوّه للرّوحانيّة. وكما كتب: إنّ النّسك المسيحيّ هو في النّهاية "جهاد لا ضدّ الجسد بل لأجل الجسد"، وذلك وفقًا لقول الآباء في البستان:
"لم نتعلّم أن نكون قتلة أجساد، بل قتلة أهواء."
إنّ النّسك المسيحيّ السّليم هو مشاركة الإنسان كلّه، بوصفه وحدةً روحيّةً ونفسيّةً وجسديّة، في الحياة بالمسيح، من دون انتقاص من المادّة والجسد، ومن دون اختزال مانيّ مشوّه للرّوحانيّة. وكما كتب، فإنّ النّسك المسيحيّ هو في جوهره "جهاد لا ضدّ الجسد بل لأجل الجسد"، وذلك وفاقًا أيضًا لما جاء في أقوال الآباء (الجرونتيكون): "نحن لم نتعلّم أن نكون قتلة أجساد، بل قتلة أهواء."
وللأسف وبغير صواب، وصف النّسك المسيحيّ من قبل بعض المفكّرين المعاصرين على أنّه إنكار لفرح الحياة وتقييد للإبداع الإنسانيّ. ولا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك! فالنّسك، بوصفه تحرّرًا من التّملّك والتّعلّق باقتناء الأشياء، وبصورة أعمق تحرّرًا من الأنا، من "طلب ما لأنفسنا"، ومن جعل "الامتلاك" جوهر كياننا، هو ينبوع الحرّيّة الحقيقيّة وتعبيرها الأصيل. وما أصدق من الخروج من سجن "الحقّ الفردي" المنغلق، والانفتاح بالمحبّة على القريب، ومن "التّحوّل الدّاخليّ الصّالح" والثّبات في تطبيق وصايا الله!
وما هو أكثر إبداعًا من الصّوم، عندما يكون موقف حياة شاملًا، ويعبّر عن الرّوح النّسكيّة والإفخارستيّة للكنيسة، عندما يكون "جهادًا مشتركًا" لا تمرينًا فرديًّا؟ وما هو أعمق وجوديًّا من التّوبة، أيّ التّحوّل الدّاخليّ، بوصفها توجّهًا حيويًّا نحو الحقيقة، وإعادة اكتشاف لقوّة النّعمة الإلهيّة، وعمق الحياة في المسيح، ورجاء الحياة الأبديّة؟
ومن اللّافت أنّه، حين استبدل الطّابع المسيحيّ الأوّليّ للصّوم الكبير، بوصفه زمن إعداد للمعموديّة المقدّسة في القدّاس الإلهيّ للقيامة، بـ"روح التّوبة"، بقي عيش هذا الصّوم على أنّه "معموديّة ثانية". ولذلك فإنّ زمن الصّيام والتّوبة ليس زمنًا كئيبًا. فترانيمنا تتحدّث عن "ربيع الصّوم"، ويصف اللّاهوت الصّوم الكبير بأنّه "ربيع روحيّ" و"فترة فرح ونور". وتكتسب هذه الحقائق أهمّيّةً خاصّة في ظلّ الارتباك الأنثروبولوجيّ المعاصر، وما يرافقه من اغترابات جديدة ذات جذور ثقافيّة.
وبهذه المشاعر والأفكار، نذكّر أبناء كنيسة المسيح الكبرى المقدّسة في جميع أرجاء سيادة الرّبّ، بأنّه في يوم النّشيد الأكاثستي ستبلغ الاحتفالات ذروتها بمناسبة مرور 1400 سنة على سنة 626، حينما، تعبيرًا عن الشّكر لوالدة الإله على خلاص القسطنطينيّة من حصار خطير، رنّم النّشيد الأكاثستي وقوفًا في كنيسة بلاخرن المقدّسة. ونتمنّى لكم جميعًا مسيرةً موفّقة في ميدان الصّيام، بالنّسك والصّبر، وبالشّكر والتّسبيح.
ولعلّنا، صادقين في المحبّة ومتقدّسين في الرّبّ، نسير في الطّريق نحو فرح قيامته المجيدة الكامل."
