تواضروس الثّاني يدعو إلى الرّحمة
وأوضح البابا أنّ المثل يقدّم عنصر الرّحمة والّتي لم تكن تتوفّر لدى المحيطين بمريض بيت حسدا، وشرح رحمة الله الواسعة من خلال مشاهد المثل، كالتّالي:
"في المشهد الأوّل يقدّم لنا المثل مقارنة غير متوازنة بين الملك الّذي يتنازل ويرحم ويترك الدّين وبين العبد الّذي يتعالى ويقسو ولا يترك الدّين، ومريض بيت حسدا كان يريد الرّحمة من المحيطين به "ليس لي إنسان يلقيني في البركة متّى تحرّك الماء. بل بينما أنا آت، ينزل قدّامي آخر" (يو ٥: ٧)، بينما رحمة الله واسعة "امتلأت الأرض من رحمة الرّبّ. بكلمة الرّبّ صنعت السّماوات، وبنسمة فيه كلّ جنودها" (مز ٣٣: ٥، ٦).
يتكلّم الأصحاح ذاته عن المعاملات الإنسانيّة والمغفرة للآخر، "كم مرّةً يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرّات؟ قال له يسوع: لا أقول لك إلى سبع مرّات، بل إلى سبعين مرّةً سبع مرّات" (مت ١٨: ٢١، ٢٢)، وإجابة السّيّد المسيح فتحت أمامنا أنّ الرّحمة بلا نهاية.
المحاسبة في المثل تشير إلى يوم الدّينونة، ومبلغ عشرة آلاف وزنة يبيّن ضخامة الدّين على الإنسان، فالإنسان مدين لله بكسر الوصايا وكأنّها دين لا يغفر، ولا يغفر هذا الكسر إلّا رحمة الله.
"تمهّل عليّ فأوفيك الجميع" (مت ١٨: ٢٦)، هل نطلب من الله أن يتمهّل علينا حتّى نحسّن من سيرتنا، ونعيش في الوصية؟! فموقف الله من الإنسان متمثّل في حبّه وشفقته ورحمته وغفرانه، لأنّها طبيعته.
"فتحنّن سيّد ذلك العبد وأطلقه، وترك له الدّين" (مت ١٨: ٢٧)، "دم يسوع المسيح ابنه يطهّرنا من كلّ خطيّة" (١ يو ١: ٧)، فالدّين الّذي علينا هو خطايانا وآثامنا ولذلك نلجأ إلى الله ليرفعها عنّا ويرحمنا ونصير في بياض ناصع.
في المشهد الثّاني يقدّم المثل العلاقة بين العبد والعبد الآخر، "فلم يرد بل مضى وألقاه في سجن حتّى يوفي الدّين" (مت ١٨: ٣٠)، ونرى أنّ الإنسان أمام أخيه الإنسان تكون أذناه صمّاء وقلبه حجريًّا بينما الله يستجيب للإنسان من كلمات قليلة يقدّمها.
"فلمّا رأى العبيد رفقاؤه ما كان، حزنوا جدًّا" (مت ١٨: ٣١)، برغم أنّ الدّين كان قليلًا جدًّا إلّا أنّ الإنسان يسقط في القساوة والخطيئة بسبب الغفلة والنّسيان، فالله ينظر إلى الآثام العظيمة الّتي صنعها الإنسان ويرفعها عنه، ونحن ننظر إلى الآثام الزّهيدة ونتوقّف عندها ولا نغفر لبعضنا البعض.
"وإن لم تغفروا للنّاس زلّاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلّاتكم" (مت ٦: ١٥)، الله ينظر إلى مقدار مغفرتنا للآخر لكي يعطينا الرّحمة من عنده، وبنفس المقدار.
"فلمّا رأى العبيد رفقاؤه ما كان، حزنوا جدًّا"، الله يسمع تنهّدات البشريّة من قسوة الآخرين، فعندما يسقط الإنسان في القساوة والخصام والعناد ينسى أنّ الله يمكن أن يرحمه، "والقادر أن يفعل فوق كلّ شيء، أكثر جدًّا ممّا نطلب أو نفتكر" (أف ٣: ٢٠).
"أفما كان ينبغي أنّك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا؟" (مت ١٨: ٣٣)، الله يعاتب الإنسان لأنّه بفعله يستبعد نفسه من نعمة الله.
وعلى ضوء هذا الشّرح، طرح بابا الأقباط التّساؤل التّالي: "أين نحن من هذه الرّحمة؟"، وأوعز بحسب ما نقل عنه "المتحدّث بإسم الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة"، بوجوب تذكّر "كيف يرحمنا لله ويغفر لنا ويستر علينا"، وبأنّه إذا "غفرنا سيغفر لنا وإذا لم نغفر سيضيع منّا الملكوت"، لافتًا إلى أنّ "صرخة مريض بيت حسدا صرخة مدويّة للغاية "ليس لي إنسان"، والأمر بيد الإنسان".