مصر
21 تشرين الأول 2021, 10:20

تواضروس الثّاني: إن أردت أن تكون حكيمًا فكُن وديعًا

تيلي لوميار/ نورسات
"أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلَامَةِ"، هو ثامن دروس الحكمة الّتي يقدّمها بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة تواضروس الثّاني خلال اجتماع الأربعاء، في المقرّ البابويّ بالقاهرة، متابعًا سلسلة التّأمّلات في المزمور 37، متناولاً فضيلة الوداعة الّتي هي إحدى ثمار الرّوح القدس.

وللتّوسّع في هذا الدّرس، قدّم بابا الأقباط نماذج من الكتاب المقدّس وعن قدّيسي الكنيسة، فقال بحسب "المتحدّث الرّسميّ بإسم الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة":

""أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ..." فالحياة الّتي نعيشها تحتاج إلى وداعة الإنسان، والوداعة من الصّفات الجميلة الّتي يُعلّمها ربّنا لنا "لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ" (مت 11: 29)، بالرّغم من أنّ السّيّد المسيح هو كنز لكلّ الفضائل.

فالوداعة هي مجموعة من الفضائل في حياة الإنسان، فيها: الهدوء، الطّيبة، سعة الصّدر، البشاشة، البساطة، الطّاعة، الاتّضاع، المحبّة.

"أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مز 37)...  

والوداعة هي ثمرة من ثمار الرّوح القدس، "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ" (غل 5: 22)، أيّ من عمل الرّوح القدس في الإنسان...

ومثل قصّة راعوث وبوعز، عندما جعل بوعز الفلّاحين وهم يجمعون السّنابل أن يتركوا ما يقع منهم حتّى يلتقطوه الفقراء ويأكلوه، وعندما وجد راعوث تلتقط ما يقع، طلب من الفلّاحين أن يتعمَّدوا في وقوع زيادة من السّنابل حتّى لا تشعر بأيّ خجل، خاصّة بعدما علم بما فعلتَه مع حماتها، وعندما كان بوعز يأتي ليتفقّد الحصاد كان يقول للفلّاحين "الرَّبُّ مَعَكُمْ" (ر21: 4)، وكانت عبارة وداعة...

كذلك راعوث مع حماتها كانت وديعة وفي قمّة الطّاعة، حتّى عندما تزوّجت بوعز حسب الشّريعة اليهوديّة وفرق السّنّ كبير بينهم إلّا أنّها لم تتذمّر ووداعتها ظهرت في محبّة ربّنا وطاعتها للشّريعة، "أَنَا رَاعُوثُ أَمَتُكَ. فَابْسُطْ ذَيْلَ ثَوْبِكَ عَلَى أَمَتِكَ لأَنَّكَ وَلِيٌّ" (را 3 : 9)...  

البعض يظنّ أنّ الوداعة ضعف، فإن كانت ضعف كان لا يذكرها الكتاب المقدّس ويُمجّدها، فأكَّد كثيرًا السّيّد المسيح وقال "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت 5: 5) في العهد الجديد، وفي العهد القديم "أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مز 37)، فيعيشوا حياة كلّها لذّة وفرحة...  

والقدّيس موسى الأسود لو كان لم يُقدّم توبة وظلّ مجرمًا، كان لا أحد يتذكّره إلى اليوم، وستنتهي حياته على ذلك، لكنّه عندما قدّم توبة ظلّت سيرته في التّوبة إلى الآن، بل وشفيع لنا وذلك لقداسته وشفاعته الّتي عاش بها...  

يقول الكتاب "الصِّدِّيقُ يَكُونُ لِذِكْرٍ أَبَدِيٍّ" (مز 112 : 6)، فالّذي يعيش حياة البرّ والقداسة يكون ذِكره أبديًّا لا يُنسى، مثال الأنبا أنطونيوس أب جميع الرّهبان، والأنبا بولا أوّل السّوّاح، والأنبا بيشوي حبيب مخلّصنا الصّالح، فسيرتهم وفضائلهم وحياتهم تحيا معنا إلى اليوم، فالوداعة ليست ضعفًا بل هي قوّة وتجعل صاحبها يستمرّ في سيرته عبر الأزمنة ويرث الأرض فعلاً...  

مثل صموئيل النّبيّ عندما طلب الشّعب أن يكون لديهم ملك عليهم، وترك صموئيل عمله كقاضي، فقال لهم "وَأَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى الرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، بَلْ أُعَلِّمُكُمُ الطَّرِيقَ الصَّالِحَ الْمُسْتَقِيمَ" (1صم 12: 23)، وهذه الوداعة الّتي يتّصف بها الإنسان...

وفي يوم قام شاول بتصرّف غير لائق، وهو كَمَلك ليس له دخل في أعمال الكهنوت، فقام صموئيل بتوبيخه "قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا، لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ" (1صم 13: 13)، فاِختار صموئيل النّبيّ الوداعة أسلوبًا لحياته، وعندما جاء الموقف اِحتاج أن يوبّخ الملك على تصرّف صدر منه، وأخبره بنيّة ربّنا في إنهاء مملكته وبدايتها مع رجل آخر حسب قلب الله، الّذي صار فيما بعد داود النّبيّ...

بأسلوب الإنسان ووداعته يكسب كلّ إنسان "وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت 11: 29)، وفي أحد الشّعانين وهو داخل أورشليم "هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ" (زك 9: 9)، فكان في قديم الزّمان الحصان هو رمز للقوّة، لكن السّيّد المسيح استخدم جحش ابن أتان وذلك لأنّ الأتان يوصف بحيوان متّضع وهادئ...  

كذلك السّيّد المسيح وهو الرّاعي، الرّقيق، الوديع، العطوف، ويقول الكتاب "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ" (مت 12: 19)، ويقول الكتاب المقدّس "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ" (مت 12: 20)، وذلك عندما يذكر نقطة مضيئة في الشّخص الّذي أمامه ويُشجّعه ويُقوّيه، "وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ"، وهذه صفات "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت 5 : 5)...  

وقال السّيّد المسيح ليهوذا عندما أسلّمه (أجئت يا صاحب)، بالرّغم من أنّ المسيح كان يعرف بخيانة يهوذا، فَكُلّ مشاهد المسيح نرى فيها صور قوية للوداعة، حتّى على الصّليب والنّاس حوله قائمين عليه بالسّبّ والبصق، وقابل هذا بقوله "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ" (لو 32: 34)، فالوداعة أسلوب حياة، والإنسان الوديع هو الّذي يكسب كثرة السّلامة، واسمه يرث الأرض "أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مز 37)...

وأيضًا لا بدّ أنّ الإنسان الوديع يكون حازمًا مثلما فعل يسوع "بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (مت 21: 13)، وعندما تكلّم عن المُدن الّتي لم تؤمن به "وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا" (مت 11: 21)، وعندما جاء لأورشليم ليُعِدُّوا صلبه "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" (لو 13: 35)، ومواقف كثيرة وصف فيها الكتبة والفرّيسيّين "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي" (مت 12: 34)، وأيضًا بالخبث والرّياء "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ" (مت 23: 27)...".  

وخلُص البابا تواضروس إلى القول: "إن أردت أن تكون حكيمًا فكُن وديعًا بكلّ ما تشمله هذه الكلمة من معاني، ولكي يتعلّم الإنسان الوداعة:

1- بلا شكّ أن يكون متواضع حتّى تنشأ له الوداعة، لذلك نصلّي في مقدّمة كلّ نهار (أسألكم أنا الأسير في الرّبّ أن تسلكوا كما يحقّ للدّعوة الّتي دُعيتم إليها، بكلّ تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا بالمحبّة) (رسالة بولس الرّسول لأهل أفسس)، فالإنسان بغياب اتّضاعه لن يكون وديعًا مهما يظهر نجاحه أمام النّاس، وتكون النّتيجة يومًا بعد يوم يخسر إنسان، لذلك يقول "أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مز 37)، ويقصد أنّ سيرتهم ونموذجهم وحياتهم يرث الأرض...

لذلك تُعلّمنا كنيستنا هذه الصّلاة في باكر: (أسألكم أنا الأسير في الرّبّ أن تسلكوا كما يحقّ للدّعوة الّتي دُعيتم إليها)، فهذا الجزء مختار بعناية فائقة، فكلّ شخص الله يُعطيه مسؤوليّة معيّنة ليسلك فيها، (بكلّ تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا بالمحبّة) (رسالة بولس الرّسول لأهل أفسس)، وهذه صورة الإنسان الأسير في محبّة ربّنا، لذلك اتّضع في حديثك ومعاملاتك وخدمتك، واِجعل حضورك هادئًا.  

2- اللّطف، فكثرة تعامل الإنسان مع الأجهزة والتّكنولوجيا الحديثة جعلت الإنسان قاسي المشاعر، فصارت حياة الإنسان مرتبطة بالآلة والآلة ليست لها مشاعر وبذلك أبعدت الإنسان عن حياة اللّطف، ومثل قول القدّيس بولس الرّسول "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ" (أف 4: 32)...

لا بدّ أن تكون لطيفًا حتّى مع الخطأة، مثل المرأة الخاطئة الّتي تحوَّلت بلُطف المسيح معها، كذلك المرأة السّامريّة تحوَّلت بلُطف المسيح، وأيضًا بطرس الرّسول عندما أنكر المسيح وبعد القيامة سأله المسيح بلُطف "أَتُحِبُّنِي؟"، فهذه الكلمة زلزلت مشاعر بطرس الرّسول حتّى صار كارزًا عظيمًا، وفي الّهاية طلب أن يُصلب وهو مُنكّس الرأس...

كما يقول بولس الرّسول "وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَلاَ يَطْعَنُوا فِي أَحَدٍ، وَيَكُونُوا غَيْرَ مُخَاصِمِينَ، حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ" (تي 3: 1، 2)، وهذه طبيعة الإنسان اللّطيف يكسب جميع مَنْ حوله، والوداعة ليست ضعفًا، لأنّها لم تمنع الإنسان أن يكون حازمًا، فاِكسب الوداعة من خلال اتّضاعك ولطفك.

3- ضبط النّفس، فضبط الإنسان لنفسه يرفعه، والّذي لا يستطيع ضبط نفسه يُسبّب حوله موجات من البُعد والكراهيّة، ويقول أحد الآباء (تحكّم في انفعالاتك لكي تكون وديعًا، لا تنتقم لنفسك بل دع المرّ في يدي الله)، اضبط نفسك لأنّ الحياة مواقف ومشاهد ومراحل كثيرة...

ومن أحد أسباب أصوامنا الكثيرة هي لضبط النّفس، ويقول القدّيس بولس الرّسول "وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (1كو 9: 25)، لأنّك كلّما تسير في طريق ربّنا تضبط نفسك في كلّ شيء وهذا ما نسمّيه بالرّزانة والهدوء، مثل صفات السّيّد المسيح "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ...".

وهذه الصّفات تجعل الإنسان يعيش في درس الحكمة "أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مز 37)، فحياتهم تكون ممتعة ويومهم مُفرحًا وأمورهم تسير في سلام، وهذه خلاصة خبرة داود النّبيّ في الحياة:

"لاَ تَغَرْ"، "اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ"، "اسْكُنِ الأَرْضَ"، "ارْعَ الأَمَانَةَ"، "تَلَذَّذْ بِالرَّبِّ"، "اصْبِرْ لَهُ"، "كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ"، اسلك بوداعة.  

يُعطينا مسيحنا أن نسلك بحكمة ووداعة كلّ يوم لنتمتّع بها وتكون أيّام عمرنا مليئة بالحكمة.

لإلهنا كلّ مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد. آمين".