بيتسابالا: أيّ شخص يختبر رحمة الله إذا أراد يمكنه أن يبدأ من جديد
نحن في الهيكل، حيث جاء يسوع من جبل الزّيتون؛ جلس وبدأ يُعلّم الشّعب المجتمع حوله (يوحنّا 8 :1-2). وبينما كان يُعلّم، جاء إليه الكتبة والفرّيسيّون يقودون امرأة زانية، وطلبوا منه أن يحكم عليها. لكن يسوع سكت، وخطّ بإصبعه على الأرض (يوحنّا 8 :6). ولما أصرّوا، نطق يسوع بالكلمات الشّهيرة: "من منكم بلا خطيئة، فليرجمها بحجر" (يوحنّا 8 :7)، ثمّ انحنى مرّة أخرى، وأخذ يخطّ مجدّدًا على الأرض (يوحنّا 8 :8)."
وتابع بيتسابالا قائلًا بحسب إعلام البطريركيّة: "إنّها لحظة غريبة حقًّا: يسوع ينحني مرّة أخرى ويكتب ثانية. من المستغرب أن يفعل ذلك في المرّة الأولى، لكن ما يثير الدّهشة أكثر هو تأكيد الإنجيليّ يوحنّا على أنّه فعل ذلك مرّة ثانية.
قد يكون من المفيد لفهم هذه الإشارة الغريبة ظاهريًّا من الإنجيليّ أن نعود إلى الكتاب المقدّس نفسه. في نهاية الفصل 31 من سفر الخروج، نقرأ أنّ الله، بعد أن تحدّث مع موسى طويلًا عن جميع الشّريعة الّتي سلّمها لإسرائيل، "أعطاه لوحي الشّهادة، لوحي حجر، مكتوبين بإصبع الله" (الخروج 31 :18).
هنا نجد أوّل إشارة: في الآية 6 من مقطع اليوم يُقال أيضًا إنّ يسوع كتب على الأرض بإصبعه.
ولكن، كما قلنا، الأمر الغريب هو أنّ هذه الإشارة تتكرّر مرّتين. حتّى لوحي الشّريعة كان لا بدّ من كتابتها مرّتين. فالأولى، في الواقع، قد دمّرها موسى كرمز لخطيئة عدم الوفاء وعبادة الأوثان من الشّعب: العهد الّذي تمّ توقيعه حديثًا تمّ كسره فورًا (الخروج 32). لكن الله لم يُهلك الجميع كما كان قد قرّر في البداية، وفي الفصل 34 من الخروج، سلَّم موسى لوحي عهد آخرين، كتبهم الله مرّة أخرى (الخروج 34 :1-28).
بالتّأكيد، أولئك الّذين قادوا المرأة إلى يسوع مطالبين بالحكم عليها بالموت، لا بدّ أنّهم أدركوا هذا التّلميح. يكتب يسوع مرّتين، لأنّه هكذا يفعل الله مع شعبه، ومع كلّ إنسان. هو دائمًا يعطي فرصة ثانية. يقدّمها للجميع، لأنّنا جميعًا بحاجة إليها.
كما أنّ الكتبة والفرّيسيّين، الّذين كانوا يراقبونه وهو يكتب، كانوا بحاجة إلى هذه الفرصة أيضًا. فهي تتيح لهم التّذكّر أنّهم ينتمون إلى شعب خاطئ، شعب ارتكب الخطايا، شعب بحاجة إلى فرصة ثانية.
يسوع، مع ذلك، لا يحوّل الانتباه ببساطة من خطيئة المرأة إلى خطايا الجميع. فهو لا ينكر خطيئة المرأة، كما أنّ موسى لم يُنكر أمام الله خطيئة شعبه، ولا يُقلّل من حجمها. يسوع لا يخفّف من مسؤوليّتها، ولكنّه في الوقت ذاته لا يثقلها بأعباء ذنبها.
أوّلًا، يتحدّث يسوع إليها؛ فقال لها يسوع: "أين هم؟" (يوحنّا 8 :10) قسوة متّهميها جعلتها تفقد القدرة على الكلام، لكن يسوع أعاد إليها هذه القدرة، وأعاد إليها كرامتها. هو ليس ديّانًا. قال يسوع: "ولا أنا أدينك" (يوحنّا 8 :11)، لأنّه لم يأتِ ليدين: "لم آتِ لأدين العالم، بل لأخلّص العالم" (يوحنّا 12 :47). فمرتكب الشّرّ يدين نفسه في النّهاية. أخيرًا، يعيدها إلى الطّريق، ويحرّرها من ضرورة البقاء في خطيئتها، ومن تكرار خطئها: "اذهبي ولا تعودي للخطيئة" (يوحنّا 8 :11).
يقدّم يسوع لها فرصة ثانية، ولكن لا يقتصر ذلك عليها فقط! حتّى الفرّيسيّون والشّيوخ يمكنهم البدء من جديد: هم أيضًا يتحرّكون "فانصرفوا واحدًا تلو الآخر، بدءًا من الأقدم" (يوحنّا 8:9). أيّ شخص يختبر رحمة الله، إذا أراد، يمكنه أن يبدأ من جديد، أن يولد من جديد، وأن يخطو بداية جديدة في مسيرته."