العالم
29 تشرين الثاني 2025, 15:26

النّصّ الكامل للإعلان المشترك الّذي وقّعه البابا لاون والبطريرك برثلماوس

تيلي لوميار/ نورسات
وقّع البابا لاون الرّابع عشر وبطريرك القسطنطينيّة المسكونيّ اليوم على إعلان مشترك، عقب صلاة المجدلة الكبرى.

وفي السّطور التّالية نصّه كما نشره موقع "فاتيكان نيوز":

""إحمدوا الرّبّ لأنّه صالح، لأنّ إلى الأبد رحمته"

مزمور ١٠٦ (١٠٥): ١

عشيّة عيد القدّيس أندراوس الرّسول المدعوّ أوّلًا، أخي الرّسول بطرس وشفيع بطريركيّة القسطنطينيّة المسكونيّة، نقدّم نحن، البابا لاون الرابع عشر والبطريرك المسكوني برثلماوس، الشكر القلبي لله، أبينا الرحيم، على هبة هذا اللقاء الأخوي. وإذ نتبع مثال أسلافنا المكرمين، ونصغي إلى إرادة ربنا يسوع المسيح، نواصل السير بعزم راسخ على درب الحوار، في المحبة والحق (راجع أفسس ٤: ١٥)، نحو الاستعادة المرجوة للشركة الكاملة بين كنيستينا الشقيقتين. ونحن، إذ نعي أن وحدة المسيحيين ليست ثمرة جهود بشرية فقط، بل عطية تأتي من العلى، ندعو جميع أعضاء كنيستينا — الإكليروس والرهبان والمكرّسين والعلمانيين — إلى أن يلتمسوا بجد تحقيق الصلاة التي رفعها يسوع المسيح إلى الآب: "ليكونوا واحدا… لكي يؤمن العالم" (يوحنا ١٧ : ٢١).

إن إحياء الذكرى الألف والسبعمائة للمجمع المسكوني الأول في نيقية، الذي احتُفل به عشية لقائنا، كان لحظة نعمة استثنائية. إن مجمع نيقية المنعقد عام ٣٢٥ ميلادي كان حدثا عظيما بالنسبة للوحدة تحت العناية الإلهية. لكن الغاية من إحياء ذكراه لا تقتصر على التذكير بأهميته التاريخية، بل على أن يحثنا على البقاء منفتحين دوما للروح القدس نفسه الذي تكلم من خلال نيقية، فيما نواجه تحديات عصرنا الكثيرة. نحن ممتنون بعمق لجميع رؤساء وممثلي الكنائس والجماعات الكنسية الأخرى الذين أرادوا المشاركة في هذا الحدث. وإلى جانب الاعتراف بالعوائق التي لا تزال تحول دون استعادة الشركة الكاملة بين جميع المسيحيين—وهي العوائق التي نسعى لمعالجتها عبر طريق الحوار اللاهوتي—علينا أيضًا أن ندرك أن ما يربطنا معا هو الإيمان المعبَّر عنه في قانون نيقية. هذا هو الإيمان الخلاصي بشخص ابن الله، الإله الحق من الإله الحق، المساوي للآب في الجوهر، الذي تجسّد لأجلنا ولأجل خلاصنا وسكن بيننا، وصُلب ومات ودُفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات. وبمجيء ابن الله صار لنا الدخول في سرّ الثالوث الأقدس—الآب والابن والروح القدس—ودعينا أن نصير، في شخص المسيح ومن خلاله، أبناءً للآب وورثة مع المسيح بنعمة الروح القدس. وبفضل هذا الاعتراف المشترك، نستطيع أن نواجه تحدياتنا المشتركة في الشهادة للإيمان الذي أُعلن في نيقية باحترام متبادل، وأن نعمل معًا من أجل حلول ملموسة بروح رجاء صادق.

إننا واثقان بأن إحياء هذه الذكرى المهمة يمكن أن يلهم خطوات جديدة وجريئة على طريق الوحدة. ومن بين مقرراته، وضع المجمع الأول في نيقية المعايير لتحديد تاريخ عيد الفصح المشترك لجميع المسيحيين. ونحن ممتنون للعناية الإلهية أنه في هذا العام احتفل العالم المسيحي كله بعيد الفصح في اليوم نفسه. إن رغبتنا المشتركة هي الاستمرار في البحث عن حل ممكن للاحتفال معا "بعيد الأعياد" كل عام. ونأمل ونصلي أن يلتزم جميع المسيحيين، "بكل حكمة وفهم روحي" (كولوسي ١: ٩)، بالمسار المؤدي إلى الاحتفال المشترك بقيامة ربنا يسوع المسيح المجيدة.

كما نحيي هذا العام الذكرى الستين للإعلان المشترك التاريخي لأسلافنا المكرمين، البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغوراس، الذي أنهى تبادل الحُرمَين لعام ١٠٥٤. نشكر الله أن هذه الخطوة النبوية دفعت كنيستينا إلى متابعة الحوار "بروح الثقة والتقدير والمحبة المتبادلة، والذي سيقود، بمعونة الله، إلى العيش المشترك من جديد، لخير النفوس الأعظم، ولمجيء ملكوت الله، في تلك الشركة الكاملة في الإيمان والوئام الأخوي والحياة الأسرارية التي كانت بينهم خلال الألف سنة الأولى من حياة الكنيسة" (الإعلان المشترك، ٧ كانون الأول ديسمبر ١٩٦٥). وفي الوقت نفسه، ندعو الذين لا يزالون مترددين إزاء أي شكل من أشكال الحوار إلى الإصغاء لما يقوله الروح للكنائس (راجع رؤيا ٢: ٢٩)، الذي يدعونا في الظروف الراهنة إلى تقديم شهادة متجددة للسلام والمصالحة والوحدة.

وإذ نؤمن بأهمية الحوار، نعلن دعمنا المتواصل لعمل اللجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية، التي تبحث في مرحلتها الحالية قضايا اعتُبرت عبر التاريخ عاملا لانقسام. وإلى جانب الدور الذي لا غنى عنه للحوار اللاهوتي في مسار التقارب بين كنيستينا، نشيد أيضا بالعناصر الأخرى الضرورية في هذا المسار، ومن بينها العلاقات الأخوية، والصلاة، والعمل المشترك في كل مجال يكون التعاون فيه ممكنا. ونحث بقوة جميع المؤمنين في كنيستينا، وخاصة الإكليروس واللاهوتيين، على استقبال ثمار ما تحقق حتى الآن بفرح، والعمل على زيادتها.

إن غاية وحدة المسيحيين تشمل أيضا الهدف المتمثل في الإسهام بشكل أساسي ومُحيٍ في إحلال السلام بين جميع الشعوب. وبصوت واحد نرفع بشدة صلاتنا ملتمسين من الله عطية السلام للعالم. وللأسف، ما يزال العنف والصراعات يدمران حياة الكثيرين في مناطق عديدة من العالم. وندعو أصحاب المسؤوليات المدنية والسياسية إلى بذل كل ما في وسعهم لوقف مأساة الحرب فورا، وندعو جميع أصحاب النوايا الحسنة لدعم ندائنا.

وعلى وجه الخصوص، نرفض أي استخدام للدين أو لاسم الله لتبرير العنف. إننا نؤمن أن الحوار الأصيل بين الأديان، البعيد عن كل أشكال التوفيقية أو الارتباك، هو أمر أساسي لتعايش الشعوب ذات التقاليد والثقافات المختلفة. وبمناسبة الذكرى الستين لإعلان "في عصرنا"  Nostra Aetate، ندعو جميع النساء والرجال ذوي الإرادة الصالحة إلى العمل معًا لبناء عالم أكثر عدلا وتضامنا، والاعتناء بالخليقة التي عهد بها الله إلينا. فبهذه الطريقة وحدها يمكن للأسرة البشرية أن تتغلب على اللامبالاة، والرغبة في الهيمنة، والجشع، ورهاب الأجانب.

وإذ يقلقنا بعمق الوضع الدولي الراهن، لا نفقد الرجاء. فالله لن يتخلى عن البشرية. فالآب أرسل ابنه الوحيد ليخلّصنا، وابنُ الله، ربنا يسوع المسيح، منحنا الروح القدس ليجعلنا شركاء في حياته الإلهية، محافظا على قدسية كل إنسان وحاميا لها. وبالروح القدس نعرف ونختبر أن الله معنا. لذلك، نوكل في صلاتنا كل كائن بشري إلى الله، ولا سيما المحتاجين والجائعين والوحيدين والمرضى. ونستمد لكل فرد من أفراد الأسرة البشرية كل نعمة وبركة كي "تتعزى قلوبهم وهم مقترنون في المحبة، لينالوا كل غنى اليقين والفهم ومعرفة سرّ الله"، الذي هو ربنا يسوع المسيح (كولوسي ٢ : ٢).

من الفنار، ٢٩ تشرين الثاني نوفمبر."