الملكوت والنّار عند الآباء القدّيسين
"في هذا اليوم، أحد مرفع اللّحم، الأحد الثّالث للتّهيئة لدخول الصّوم الكبير المقدس."نُحيي ذكرى المجيء الثّاني لربّنا يسوع المسيح". إنّ عبارة "نُحيي ذكرى" تؤكّد أنّ كنيستنا، كجسد المسيح، تُعيد تمثيل المجيء الثّاني لرّبنا في ليتورجيّتها كحدثٍ وليس مجرد أمرٍ مُتوقع تاريخيًا.
والسّبب هو أنّنا من خلال القربان المقدّس، ننتقل إلى الملكوت السّماويّ، إلى ما وراء التّاريخ. ومن هذا المنظور الأرثوذكسيّ يُتناول موضوع الفردوس والنّار. في الأناجيل المقدّسة، ذُكر "الملكوت" و"النّار الأبديّة". "الملكوت" هو المصير الإلهيّ للبشريّة. أمّا "النّار" فهي "مُعدّة" للشّيطان وملائكته (الشّياطين)، ليس لأنّ اللّه أراد ذلك، بل لأنّهم بلا توبة.
هناك التّصوّرات الشّائعة للعقيدة المسيحيّة عن الجحيم، ربّما مستلهمةً صورًا من الأدب الكلاسيكيّ ودانتي، الجحيم كمكانٍ من نارٍ حقيقيّة، حيث ترقد الأرواح المعذّبة في عذابٍ شديد، ويُقدّم هذا التّصوير الكاريكاتوريّ صورةً مُشوّهةً للأرواح البشريّة. في رؤيا يوحنّا، نكتشف بحيرةً من نارٍ، مُعدّة للشّيطان وملائكته، كمكانٍ للعقاب، بالإضافة إلى هاويةٍ لا قعر لها. وقد سمّى يسوع نفسه الجحيم بالمكان الذي لا يموت فيه الدّود ولا تنطفئ فيه النّار أبدًا، ولكنّه تحدّث أيضًا عن الظّلام الأبديّ، والدّمار الأبديّ، والموت الأبديّ.
إنّ هذه الأوصاف، في أحسن الأحوال، مجازيّة، شأنها شأن أجزاء أخرى من الكتاب المقدّس، حيث يُوصف اللّه، على سبيل المثال، بدجاجة ترعى فراخها (اللّه ليس طائرًا بالمعنى الحرفيّ). بل يبدو جليًّا، وفقًا لتعاليم الكنيسة القديمة، أنّ الأوصاف غير الحرفيّة للجحيم، الواردة في الكتاب المقدّس وغيره، تتعلّق بصفات جوهريّة لحالة وجوديّة، لا تُعرَّف أساسًا بالعقاب، بل بالموت.
يُعلّم آباء الكنيسة أنّ البشريّة هي مُسبّبة الموت، لا اللّه. كتب القدّيس باسيليوس في القرن الرّابع: "لم يخلق اللّه الموت، بل جلبناه على أنفسنا". الموت هو نتيجة الخطيئة؛ هو المُنتج النّهائيّ الذي نخلقه لأنفسنا، بمعزلٍ عن اللّه، بقوّة الإرادة البشريّة، وهو الذي يُوقعنا في شركها ويُديننا.
إذ يشير القدّيس باسيليوس الكبير إلى نار الفتية الثّلاثة في الأتون لتفسير المزمور 7/ 28-29، حيث يقول إنّ النّار انقسمت إلى قسمين. لم تشتعل على من كانوا في وسط الأتون، بينما اشتعلت على من كانوا خارجه. وبالمثل، يقول باسيليوس، بعد الدّينونة العظيمة، سيختبر الصّالحون نار حضور الرّبّ كنور وبهجة، بينما سيختبرها الخطأة كحرق وعقاب.
كتب القدّيس باسيليوس الكبير شارحًا ومفسّرًا "للمزمور 28" صوت الرّبّ يقسم لهيب النّار" (المزمور 7/ 28-29). بحسب قصّة الفتية الثّلاثة في بابل، انقسم لهيب النّار حين انسكبت النّار من الأتون، فبلغ ارتفاعها تسعة وأربعين ذراعًا وأحرقت كلّ من حولها. لكنّ اللّهيب، الذي انقسم بأمر اللّه، سمح بدخول الرّيح، فمنح الفتية نسيمًا عليلًا وبرودة منعشة كما في ظلّ النّباتات في مكان هادئ. إذ قيل: "كريح تحمل النّدى". ومن العجيب أن ينقسم عنصر النّار أكثر من أن ينقسم البحر الأحمر إلى جزئين. ومع ذلك، فإنّ صوت الرّبّ يفصل استمراريّة ووحدة طبيعة النّار. فرغم أنّ النّار تبدو للعقل البشريّ عاجزة عن القطع أو الانقسام، إلّا أنّها بأمر الرّبّ تُقطع وتُقسم. أؤمن أنّ النّار المُعدّة عقابًا للشّيطان وملائكته تُقسّم بصوت الرّبّ، فبما أنّ للنّار جانبين: الحرق والإضاءة، فإن جانبها الشّديد المُؤلم ينتظر من يستحقّون العذاب، بينما يُخصّص جانبها المُضيء المُبهج لمتعة المُبتهجين. لذلك، يُقسّم صوت الرّبّ النّار ويُوزّعها، فتكون نار العقاب مُظلمة، بينما يبقى نور السّكينة غير قادر على الحرق.
إنّ الموت يتحوّل إلى عذاب مرير ويأس. وكما كتب القدّيس سمعان اللّاهوتيّ الجديد: "الله نار، وعندما جاء إلى العالم وصار إنسانًا، أرسل نارًا على الأرض، كما يقول هو نفسه؛ هذه النّار تدور باحثةً عن مادّة - أيّ نزعة ونيّة حسنة - لتسقط فيها وتشعلها؛ وبالنّسبة لمن تشتعل فيهم هذه النّار، تصبح لهيبًا عظيمًا يصل إلى السّماء... هذا اللّهيب في البداية يطهّرنا من دنس الأهواء، ثم يصبح فينا غذاءً وشرابًا ونورًا وفرحًا، ويجعلنا نورًا لأنّنا نشارك في نوره." (الخطبة 78) النّار نفسها، محبة اللّه، التي تشتعل في قلوب المؤمنين، تتحوّل في تجربة من يرفضونها إلى نار جهنّم.
أيضًا يتبنّى القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ الرّأي القائل بأنّ اللّه نفسه هو نار الجنّة والنّار، وأنّ كيفيّة اختبار الإنسان لهذه النّار في الأبديّة تعتمد عليه. فنار الرّبّ إمّا أن تكون مطهّرة ومنيرة أو عقابيّة ومظلمة، وذلك بحسب الحالة التي ندخل بها في حضرة الرّبّ.
ويتابع القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ من (الخطبة رقم 40)،حول المعموديّة المقدّسة. "... وكما أعرف نوعين من النّار، كذلك أعرف نوعين من النّور. أحدهما نور قوّتنا الحاكمة الذي يرشد خطواتنا وفقًا لإرادة اللّه؛ والآخر نور خادع ومتطفّل، مناقض تمامًا للنّور الحقيقيّ، وإن تظاهر بأنّه ذلك النّور، ليخدعنا بمظهره. هذا في الحقيقة ظلام، ومع ذلك يبدو كضوء النّهار، كمال النّور...".
يُطهّر الأوّل، لكنّه يُحرق الثّاني، كما يقول القدّيس إسحاق السّوريّ: "من الخطأ تمامًا الاعتقاد بأنّ الخطاة في الجحيم محرومون من محبّة اللّه. فالمحبّة نتاج معرفة الحقّ، وهي بلا شكّ تُمنح للجميع. لكنّ قوّة المحبّة تعمل بطريقتين: فهي تُعذّب الخطاة، وفي الوقت نفسه، فإنّه يُسعد أولئك الذين عاشوا وفقًا له." (العظة 84) يُفهم الجحيم، وفقًا لهذا المنظور، على أنّه حضور اللّه الذي يختبره شخصٌ يرفض محبّة الله بإرادته الحرّة.
يُعذَّب هذا الشّخص بمحبّة اللّه، ويُعذَّب بوجوده في حضرة اللّه الأبديّة دون أن يكون على اتّصال به. محبّة اللّه هي النّار التي لا تنطفئ، وحالة النّفس ومعاناتها في حضرة اللّه الذي يرفضه هي الدّودة التي لا تموت.
الفردوس والجحيم ليسا مكانين مختلفين. إنّ هذه الفكرة مفهومٌ وثنيّ. بل إنّها تشير إلى حالتين مختلفتين [طريقتين أو حالتين للوجود]، والتي تنبع من نفس المصدر غير المخلوق، ويدركها الإنسان على أنّها تجربتان مختلفتان. وبشكل أدقّ، هما التّجربة نفسها، إلّا أنّ الإنسان يدركهما بشكل مختلف، تبعًا لحالته الدّاخليّة.
ومن بين شهادات الآباء، يقول القدّيس يوحنّا السّلميّ إنّ نور المسيح غير المخلوق هو "نارٌ مُحرقة ونورٌ مُنير". يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس:"هكذا يُقال، سيعمّدكم بالرّوح القدس وبالنّار: أيّ بالنّور والدّينونة، بحسب استعداد كلّ شخص، الذي سيجلب عليه في حدّ ذاته ما يستحقّه".
اللّه لا يُعاقب في جوهره، مع أنّ الكتاب المقدّس يذكر العقاب لأغراض تعليميّة. وكلّما ازداد المرء روحانيّة، ازداد فهمه للغة الكتاب المقدّس والتّقليد المقدّس. إنّ حالة الإنسان (طاهر، نجس، تائب، غير تائب) هي العامل الذي يحدّد قبول النّور على أنّه "جنّة" أو "جحيم".
أمّا الأرثوذكسيّة، فهي ليست سعيًا وراء النّعيم، بل علاج لداء الدّين، كما يُعلّم الأب المغبوط (معلّمي) يوحنّا رومانيدس بأسلوبه الآبائي. الأرثوذكسيّة مستشفى مفتوح في رحاب التّاريخ (مستوصف روحيّ، كما وصفه القدّيس يوحنّا فم الذّهب)، يُقدّم شفاء القلب (التّطهير)، لبلوغ التّألّه في نهاية المطاف، وهي الغاية المنشودة للإنسان.
هذا هو المسار الذي وصفه الأب يوحنّا رومانيدس وصفًا شاملًا؛ إنّه شفاء البشريّة، كما اختبره جميع قدّيسينا.هذا هو معنى الحياة في جسد المسيح (الكنيسة). هذا هو سبب وجود الكنيسة. هذا ما سعى إليه عمل المسيح الفدائيّ برمّته.
يقول القديس غريغوريوس بالاما(العظة الرّابعة عن المجيء الثّاني) إنّ إرادة اللّه الأزليّة للإنسان هي "أن يجد مكانًا في جلال الملكوت الإلهيّ" - أن يبلغ التّألّه. هذا هو غاية الخلق. ويتابع: "بل حتّى تجسّده الإلهيّ والخفيّ، وسلوكه الإلهيّ البشريّ، وآلامه الفدائيّة، وكلّ سرّ من أسراره (أيّ كلّ عمل المسيح على الأرض) كان مُقدَّرًا بعناية إلهية وعلم مطلق لهذا الغرض بالذّات.يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: "اللّه لا يحمل عداوة أبدًا"، بل نحن من نصبح أعداءه، نحن من نرفضه." يُصبح الإنسان غير التّائب مُستعبَدًا للشّياطين باختياره. والله لا يُريد ذلك.
من ناحية أخرى ابتكر اللّاتين أسطورة أنّ الجنّة والنّار كلاهما حقيقتان مخلوقتان. كان اللّاتين ينظرون إلى نار جهنّم على أنّها شيء مخلوق. وقد ظلّ التّقليد الأرثوذكسيّ وفيًا لما جاء في الكتاب المقدّس من أنّ الملعونين سيرون اللّه (مثل الرّجل الغنيّ في المثل)، لكنّهم لن يروه إلّا كنارٍ مُلتهمة.
وقد اعتبر اللّاهوتيون اللّاتين جهنّم عقابًا وحرمانًا من رؤية ملموسة للجوهر الإلهيّ. أمّا من منظور الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة، فيُفهم "الجحيم" على أنّه فشل الإنسان في التّعاون مع النّعمة الإلهيّة، من أجل الوصول إلى رؤية اللّه المُنيرة (وهي الجنّة) والمحبّة غير الأنانيّة (وفقًا لكورنثوس الأولى 13: 8): "المحبّة... لا تطلب مقابلًا".
إذًا، فالخلاص لا يتحقّق إلّا في إطار التّعاون بين الإنسان والنّعمة الإلهيّة. يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: "إنّ كلّ شيء تقريبًا للّه، ولكنّه ترك لنا شيئًا يسيرًا". وهذا "الشّيء السّيّر" هو قبولنا لدعوة اللّه. لقد نُجّي اللّص على الصّليب "باستخدام طلبه الأساسيّ: أذكرني!".
يقول القدّيس باسيليوس الكبير في رسالته إلى الشّباب (الفصل 3): "كلّ ما نفعله هو إعداد لحياة أخرى". يجب أن تكون حياتنا إعدادًا مستمرًّا لمشاركتنا في الفردوس - شركتنا مع الخالق (يوحنّا 17: 3). كلّ شيء يبدأ من هذه الحياة. لهذا يقول الرّسول بولس: "ها هو الآن وقت مناسب. ها هو الآن يوم فداء" (2 كورنثوس 6: 2). كلّ لحظة من حياتنا ذات أهميّة خلاصيّة. إمّا أن ننال الخلود، أيّ التّواصل الأبديّ مع اللّه، أو نخسره.
ولهذا يُكمل باسيليوس الكبير: "علينا أن نُعلن أنّ ما يُقودنا إلى تلك الحياة يجب أن نُحافظ عليه ونسعى إليه بكلّ قوّتنا؛ أمّا ما لا يُؤدّي بنا إلى تلك الغاية، فيجب أن نتجاهله، لأنّه لا قيمة له". هذه هي معايير الحياة المسيحيّة. يختار المسيحيّ باستمرار ما يُؤدّي إلى خلاصه.فإنّ مهمّة الكنيسة ليست "إرسال" النّاس إلى الجنّة أو إلى الجحيم، بل إعدادهم للدّينونة الأخيرة. فعمل رجال الدّين علاجيّ وليس أخلاقيًّا أو تهذيبيًّا بالمعنى الدّنيويّ للكلمة. إنّ غاية العلاج الذي تقدّمه الكنيسة ليست خلق مواطنين "نافعين" أو "قابلين للاستخدام" فحسب، بل خلق مواطنين في الملكوت السّماويّ (غير المخلوق).
يربط القدّيس غريغوريوس النّيصصي بين الجنّة والنّار واختيار الإنسان. فهو يعلم يقينًا بوجود جنّة أبديّة ونار أبديّة.لكن في سياق تعاليم الكنيسة، يُعلّم أنّ الجنّة والنّار لا وجود لهما من منظور اللّه، بل من منظور الإنسان. فهما رهن اختيار الإنسان وحالته. ولا يُمكننا فهم تعاليم القدّيس غريغوريوس النّيصصي إلّا بدراستها في ضوء هذه المسلّمات الأرثوذكسيّة. فبالإشارة إلى الأثر المزدوج للنّور على العبرانيّين والمصريّين، يقول إنّه بينما أنارتهم شمس البرّ بأشعتها على حدّ سواء، "فرح العبرانيّون بنورها، أمّا المصريّون فكانوا غافلين عن هبتها". لقد نال المصريّون أيضًا نعمة اللّه، ولكن لقلّة إحساسهم، ظنّوها ظلامًا. والأمر نفسه ينطبق على البشر. فالنّعمة نفسها، والنّور نفسه، يرسلان أشعّتهما إلى جميع النّاس، لكن بعضهم يتخبّط في الظّلام بسبب أعمالهم الشّريرة وظلام الشّرّ، بينما يسطع آخرون، يعيشون في نور الفضيلة.
فكلّ إنسان هو خالق الأحزان والمحن باختياره. "كلّ إنسان يصنع مصائبه بإرادته الحرّة". وسيكون الحال كذلك في الحياة الأبديّة. فمن عاش بلا خطيئة لا ظلام فيه ولا دود ولا نار. المكان نفسه مصيبةٌ لأحدهم ولا مصيبة لآخر. وهذا يعني أنّ الأمر رهنٌ باختيارهم. لذلك، "من الواضح أنّه لا يمكن لأيّ شرّ أن يوجد بمعزل عن اختيارنا الحرّ". لا يمكن للشّرّ أن يوجد دون اختيارنا. يُظهر هذا التّحليل بوضوح أنّ القدّيس غريغوريوس لا ينكر وجود الجحيم، ولكنّه يقول إنّ الأمر يتعلّق باختيار الإنسان. فبالنسبة للّه، الجحيم غير موجود، ولم يخلق اللّه الإنسان من أجله، بل هو اختيار الإنسان الحرّ. يذكر القدّيس غريغوريوس في مؤلّفاته أنّ الشّرّ يجب أن يُستأصل من وجود الإنسان، وأّن "ما لا وجود له في الوجود يجب أن يزول تمامًا".
على أيّ حال، الشّرّ ليس له وجود في ذاته، بل هو حرمان من الخير. بعبارة أخرى، الشّخص الذي أُظلم سيُحرم من نور اللّه، وبالتّالي سيكون كأنّه غير موجود، مع أنّه سيعيش أبديًّا. لن يتلقى فعل اللّه النّورانيّ، بل فقط تأثيره اللّاذع والمعاقب."
