أميركا
24 شباط 2026, 15:00

المتروبوليت سابا: الصّوم الحقّ يقودنا إلى عمق ذواتنا

تيلي لوميار/ نورسات
ذكّر راعي أبرشيّة أميركا الشّماليّة الأنطاكيّة الأرثوذكسيّة المتروبوليت سابا إسبر الجماعة المؤمنة بمجموعة نقاط مهمّة لزمن الصّوم، في رسالة كتب فيها:

"نستقبل بنعمة الله زمن الصّوم المقدّس، هذا الزّمن المبارك الّذي رتّبته لنا الكنيسة فرصة للتّجديد، والتّوبة، والعودة الصّادقة إلى أعماق القلب، حيث تلتقي بربّنا في جوّ من الصّفاء والهدوء، ممّا يساعدنا في إعادة ترتيب أولويّاتنا وما يلائم سعينا إلى الحياة الحقّة الّتي في المسيح. إنّه زمن لنتذكّر:

أنّ الصّوم، كما تسلّمناه من تقليد الكنيسة الحيّ، ليس غاية بحدّ ذاته، ولا هو مجرّد امتناع عن أطعمة معيّنة، بل هو مسيرة روحيّة متكاملة، تهدف إلى تحرير الإنسان الدّاخليّ، وإعادة ترتيب علاقتنا بالله، وبذواتنا، وبالآخرين.

أنّنا نصوم لا لإذلال الجسد أو تعذيبه، بل لكي يصير الجسد مطواعًا للرّوح. نصوم لأنّنا نحن المحتاجون إلى الصّوم، إذ به تنمو روحيًّا وإنسانيًّا، وبه تشفى أعماقنا، وتتّسع قلوبنا لنعمة الله. فالله لا يحتاج إلى صومنا، لكنّه يفرح بعودتنا إليه بقلب متواضع.

أنّنا خلقنا للملكوت السّماويّ والصّوم يساعدنا على إيقاظ هذا الشّوق العميق في داخلنا، وينقّي بصيرتنا الرّوحيّة لتنظر إلى حياتنا على ضوء الأبديّة. ومن هنا، تدعونا الكنيسة إلى عيش الصّوم في إطارها الجماعيّ، لا كاجتهاد فرديّ أو خيار انتقائيّ، بل كخبرة عاشتها جماعة المؤمنين عبر الأجيال، وسلكها القدّيسون طريقًا إلى الحرّيّة الحقيقيّة.

أنّ التزامنا بإرشادات الكنيسة الصّياميّة ليس شكليًّا، بل هو دعوة للانتقال من ضبط المائدة إلى تهذيب القلب، ومن الامتناع الخارجيّ إلى التّطهير الدّاخليّ فالصّوم الحقّ يقودنا إلى عمق ذواتنا، حيث نواجه ضعفنا، ونعترف بخطايانا، وتفتح قلوبنا لعمل النّعمة.

أنّ الصّوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصّلاة وعمل الرّحمة. فلا صوم بلا صلاة، ولا صوم بلا محبّة بالصّلاة ترفع قلوبنا إلى الله، وبالرّحمة تترجم صومنا إلى فعل محبّة حيّ خاصّة تجاه الفقراء والمحتاجين. لذلك، تدعونا الكنيسة إلى أن نشارك الآخرين بما توفّره بالصّوم، فتحوّل الامتناع إلى عطاء، والجوع إلى شركة، والحرمان إلى محبّة.

.أنّ عالمنا المعاصر، بما يحمله من استهلاك مفرط وامتلاء زائف، هو بأمسّ الحاجة اليوم إلى روح الصّوم، كطريق إلى الحرّيّة، والاتّزان واستعادة الإنسان لسيادته على ذاته. فنحن لسنا من هذا العالم، وإن كنّا نعيش فيه، والصّوم يعلّمنا أن نستخدم خيرات العالم دون أن تستعيد لها.

إنّ الصّوم، أيّها الأحبّاء، هو زاد المسيرة نحو الفصح المجيد، حيث يصير ستر الفداء واقعًا حيًّا فينا، وتتحوّل قيامة المسيح إلى قيامة داخليّة تجدّد حياتنا فلنعش هذا الزّمن المقدّس لا كفعل سلبيّ قائم على الحرمان، بل كمسيرة إيجابيّة نحو الله، امتلاء من حضوره، وتجديدًا للرّوح، ونموًّا في المحبّة.

أسأل الرّبّ باسمكم، أن يمنحنا جميعًا صومًا مقبولًا، وتوبة صادقة، وقلبًا متواضعًا، لتبلغ معًا فرح القيامة.

صومًا مباركًا، وزمنًا مقدّسًا للجميع."