لبنان
28 شباط 2025, 13:30

العبسيّ في رسالة الصّوم: صيامنا في هذا العام من أجل أن نكون واحدًا

تيلي لوميار/ نورسات
عشيّة انطلاق الصّوم الكبير، وجّه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الملكيّين الكاثوليك رسالة الصّوم إلى أبناء كنيسته، وقال:

"يطلّ الصّوم علينا في هذا العام لابسًا حلّة خاصّة وداعيًا إلى مزيد من الانتماء إلى السّيّد المسيح والالتزام بإنجيله. نصوم في هذا العام مع إخوتنا الأرثوذكس في العالم أجمع. يصوم المسيحيّون معًا ويحتفلون بالفصح معًا. شيء جميل يقوّي شهادتنا المسيحيّة الواحدة على سرّ الفداء الّذي أجراه لنا السّيّد بموته على الصّليب وقيامته من بين الأموات. ليكن صومنا في هذا العام على هذه النّيّة، بالصّلاة والقول والعمل، ولتكن وحدة المسيحيّين في الإيمان غاية حياتنا وصلواتنا وأعمالنا الصّالحة في هذا الزّمن المبارك کما كان في العام الفائت اليوبيليّ. لا ينبغي أن نستقرّ ونستكين إلى ما نحن عليه في كنيستنا الأنطاكيّة الّتي تتقاذفها الأمواج الخطرة من كلّ جانب، ولا أن تغيب وحدة المسيحيّين الأنطاكيّين عن بالنا. هي حاضرة في ضميرنا ووجداننا وتفكيرنا وصلاتنا وسعينا.  صيامنا في هذا العام من أجل أن نكون واحدًا.  

نصوم في هذا العام مع المسلمين. نصلّي من أجل أن يتقبّل الله صيام الجميع إذ الجميع يصومون له. ونصلّي من أجل أن يكون الصّيام الواحد للإله الواحد مدعاة ليتقرّب المسيحيّون والمسلمون بعضهم من بعض تقرّبًا أكثر شفافيّة وثقة وصراحة وإرادة في تقبّل بعضهم بعضًا كما يتقبّلهم الله جميعًا، ومن أجل بناء عالم يعيشُ فيه الجميع بمحبّة ورحمة وعدل وسلام وراحة وأمان. إنّ التّجربة الّتي تدفعنا إلى الانسلاخ عن المسلمين الّذين نعيش معهم منذ مئات السّنين، وخصوصًا إلى الهجرة بدافع الخوف والرّيبة واليأس والانزعاج، قويّة ومغرية. ليكن صومنا في هذا العام، على غرار صوم السّيّد المسيح، دافعًا للتّجربة مكلَّلًا بالانتصار عليها، متّكلين على الله الّذي يعرف ما نحن في حاجة إليه ويعتني بنا وواثقين بأنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده.  

نصوم في هذا العام 2025 الّذي يصادف انقضاء 1700 سنة على انعقاد المجمع المسكونيّ الأوّل في نيقية في العام 325 بدعوة من الامبراطور قسطنطين الكبير معادل الرّسل. في هذا المجمع المسكونيّ الأوّل أوضح الآباء المشاركون وثبّتوا الإيمان بألوهيّة السّيّد المسيح، بمساواته للآب في الجوهر وبأزليّته. وحدّدوا أيضًا ووحّدوا تاريخ الاحتفال بالفصح المجيد المقدّس. ليكن صومنا في هذا العام وصلاتنا من أجل أن يبقى الإيمان المسيحيّ واحدًا لدى جميع المسيحيّين فينأوا عن الانشقاقات والخصومات، ومن أجل أن يكون الاحتفال الواحد بالفصح الواحد رمزًا للإيمان الواحد.  

هذا العام 2025 الحافل بما سبق حدا قداسة البابا فرنسيس إلى جعله عامًا يوبيليًّا بامتياز عنوانه "الرّجاء". الرّجاء الذي، كما نعلم جميعًا، هو فضيلة إلهيّة يُدعى المسيحيّون إلى التّمسّك بها تمسّكهم بمرساة كما نقول في صلواتنا اللّيترجيّة، وهو كما يعلّم القدّيس بولس "لا يُخْزي لأَنَّ محبَّةَ اللهِ قد أُفِيضَتْ في قلوبنا بالرّوح القدس الّذي أُعْطيناه" (روما 5: 5). زمن الصّوم هو زمن الرّجاء يتّجه صوب القيامة ويسير فيه المسيحيّون متطلّعين إلى القيامة على طريق التّجرّد والتّضحية والعطاء وحمل الصّليب. فلنتمسّك إذن كلّنا بالرّجاء في صومنا في هذا العام وليكن لنا، كما يعلّم بولس، مصدر فرح وسلام بالرّغم من الصّعوبات والضّيقات لعلمنا أنّ الله "في كلّ شيء يسعى لخير الّذين يحبّونه" (روما 8: 28).  

تفتتح كنيستنا زمن الصّوم بصلاة تضعنا على الدّرب المستقيم في مسيرة صومنا، تقول: "لِنَفْتَتِحْ زمنَ الصِّيامِ بحبُور. باذلينَ أنفسَنا في الجهاداتِ الرّوحيَّة. ولْنُنَقِّ النَّفسَ ونُطهِّرِ الجسد. صائمينَ عن الشَّهواتِ صَومَنا عن الأغذِية. متنعِّمينَ بفضائلِ الرُّوح. الّتي نَستحِقُّ بتَتْمِيمِنا إِيّاها بشوقٍ. أَن نُشاهِدَ آلامَ المسيحِ الإلهِ الكاملةَ الوقار. ونُعاينَ الفصحَ المقدَّس. مبتهِجينَ روحيًّا" (قطعة من نظم ثيوذورس تقال في صَلاة الغُرُوب لأحَد مَرفَع الجبْن مَسَاءً).  كلام الكنيسة واضح، كما أنّ كلام بولس عن الصّوم واضح: "من يأكل من كلّ شيء فللرّبّ يأكل، لأنّه يشكر الله، ومن لا يأكل فللرّبّ أيضًا لا يأكل، وهو أيضًا يشكر الله... فأنت إذن، لِمَ تدينُ أخاك؟ وأنت أيضًا، لِمَ تزدري أخاك؟ فإنّا جميعًا سنقف أمام منبر الله" (روما 14: 6-10).  

أرفع صلاتي إلى الرّبّ يسوع لكي نخرج کما خرج هو من الصّوم منتصرين بقوّة الرّوح على الشّرّير، على تجربة المال والسّلطة، ومجتنين ثمار الرّوح الّتي هي "المَحَبَّة والفَرَح والسَّلاَم وطُولُ الأَنَاة واللُّطْف والصَّلاَح والإِيمَان" (غلاطية 5: 22)".