لبنان
18 شباط 2026, 13:30

رسالة الصّوم الكبير للمتروبوليت جورج إسكندر

تيلي لوميار/ نورسات
وجّه متروبوليت صور للرّوم الملكيّين الكاثوليك جورج إسكندر إلى أبناء أبرشيّته وبناته رسالة الصّوم الكبير، وجاء في نصّها:

"ندخل معًا زمن الصّوم الكبير، هذا الزّمن المقدّس الّذي تمنحه لنا الكنيسة مسيرةً روحيّةً نحو الفصح، ونحو القيامة، ونحو تجديد العهد مع الرّبّ. إنّه ليس فقط فترة انقطاع عن الطّعام أو امتناع عن اللّحم، بل هو أوّلًا مسيرة قلب يعود إلى الله، وروح تتوب، وإنسان يتجدّد في الدّاخل.

الصّوم، يا أحبّائي، ليس فرضًا ثقيلًا، بل نعمةً معطاةً. هو دعوة لنخلي أنفسنا ممّا يثقلها، ولنملأها بما ينيرها. فكم من أمور نحملها في قلوبنا، من غضب، أو مرارة، أو خيبة، أو خوف، تحتاج إلى أن توضع أمام الصّليب لتتحوّل إلى رجاء.

في أبرشيّتنا العزيزة، وفي جنوبنا الجريح، نعرف جيّدًا معنى الألم والتّجربة والانتظار الطّويل. بيوت تضرّرت، وعائلات تألّمت، وشباب يسألون عن المستقبل، وأسر تكافح لتحفظ كرامتها في ظلّ أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة قاسية. ومع ذلك، لم ينطفئ النّور في هذه الأرض الّتي وطئتها أقدام الرّبّ يسوع. لم ينقطع الصّوت الّذي يردّد: الرّبّ قريب.

إنّ الصّوم هذا العام يدعونا أن نكون شهود رجاء. ليس رجاءً ساذجًا يتجاهل الواقع، بل رجاءً متجذّرًا في الإيمان بأنّ الله يعمل حتّى في الظّلام، وأنّ القيامة لا تولد إلّا من قلب القبر.

لذلك، أدعوكم أن نعيش هذا الزّمن على ثلاث ركائز روحيّة أساسيّة:

أوّلًا: الصّلاة

لنعد الاعتبار للّقاء الشّخصيّ مع الرّبّ. لنخلق في بيوتنا زاويةً صغيرةً للصّمت، وللإنجيل، وللسّجود. لا يكفي أن نؤدّي واجبًا طقسيًّا؛ الصّلاة هي علاقة. وإذا تزعزعت العلاقة مع الله، ضعف الإنسان من الدّاخل. أمّا إذا تجدّدت، فإنّ القوّة تتفجّر في القلب ولو كانت الظّروف صعبةً.

ثانيًا: الصّوم بمعناه العميق

لنصم عن كلّ كلمة تؤذي، وعن كلّ حكم متسرّع، وعن كلّ لامبالاة تجاه ألم الآخرين. لنصم عن الأنانيّة، ولنتعلّم فنّ المشاركة. في زمن تتّسع فيه الفجوات، نحن مدعوّون أن نكون جسورًا، لا جدرانًا.

ثالثًا: الصّدقة وخدمة المحبّة

ليست الصّدقة فضلًا منّا، بل عدالةً ومسؤوليّةً. في أبرشيّتنا عائلات تنتظر لفتةً من حنوّ، ومسنّون يحتاجون إلى من يسمعهم، ومرضى ينتظرون زيارةً تعيد إليهم الإحساس بأنّهم ليسوا منسيّين. لنجعل من صومنا جسرًا نعبر به نحو الأخ المتألّم.

أيّها الأحبّاء،

إنّ الصّوم هو أيضًا زمن مصالحة. فكم نحتاج إلى سرّ التّوبة في حياتنا. لا تخافوا من الاقتراب من كرسيّ الاعتراف. هناك لا نقف أمام قاض يدين، بل أمام أب يغفر ويعيد إلينا الكرامة. إنّ الغفران ليس ضعفًا، بل قوّةً إلهيّةً تكسر سلسلة الشّرّ.

كما أدعو عائلاتنا أن تجعل من الصّوم فرصةً لتجديد الوحدة البيتيّة. لنجلس معًا حول كلمة الله، ولنصلّ معًا، ولنتحدّث بصدق عن الألم والرّجاء. فالبيت الّذي يصلّي معًا يبقى معًا، ويصير كنيسةً صغيرةً في وسط العالم.

أمّا أنتم أيّها الشّباب، فأنتم رجاء أبرشيّتنا. لا تدعوا الإحباط يسرق أحلامكم. قد يكون الطّريق طويلًا، والتّحدّيات كثيرةً، لكنّ الرّبّ الّذي دعاكم للحياة لن يترككم. إبنوا حياتكم على أساس متين من القيم، ولا تستبدلوا نور الحقّ ببريق زائف سريع الزّوال.

وإلى كهنتنا ومكرّسينا، أقول: لنكن في هذا الزّمن وجّه الرّاعي الصّالح لشعبنا. لنرافق، ولنصغ، ولنحمل مع النّاس أعباءهم. فالكلمة الّتي تخرج من قلب يصلّي تبلغ القلوب وتحرّكها.

أحبّائي،

إنّ رسالتي لكم في هذا الصّوم هي ألّا نسمح للظّروف أن تفقدنا فرح الإيمان. فرح الإيمان لا يعني غياب الصّليب، بل يعني أنّنا نحمله ونحن نعرف أنّ القيامة آتية.

فلنسر معًا نحو أورشليم، نحو الأسبوع المقدّس، ونحو فجر الفصح. لنسر بتواضع، وبثقة، وبقلب مفتوح لنعمة الله.

أصلّي لأجل كلّ واحد منكم، ولأجل كلّ عائلة، ولأجل مرضانا ومتألّمينا، ولأجل أرضنا الجنوبيّة كي تبقى أرض شهادة وثبات ورجاء.

لتكن العذراء مريم، سيّدتنا، رفيقتنا في مسيرة الصّوم، وليثبّتنا الرّبّ في محبّته حتّى نعاين مجد قيامته."