دينيّة
23 آذار 2025, 14:00

الصّليب المحيي والصّبر الإلهيّ

تيلي لوميار/ نورسات
تعيّد كنيسة الرّوم الأرثوذكس في الأحد الثّالث من الصّوم للسّجود للصّليب الكريم المحيي. وللمناسبة، اختار خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض أن يضيء على الصّبر الّذي يزداد مع صليب المسيح، فكتب:

"الصّليب هو راية محبّة المخلّص للنّاس "ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبّائه" (يوحنّا 15: 13). كلّ شيء في كنيستنا يعمل من خلال الصّليب. عندما نرسم إشارة الصّليب، نُعلن إيماننا بيسوع المسيح وانتماءنا إلى كنيسته المقدّسة. عندما طلب الملوك والأباطرة الوثنيون من المسيحيّين أن يُخبروهم بإيمانهم، رسموا إشارة الصّليب وأعلنوا إيمانهم بهذه الطّريقة. لذا في الأحد الثّالث من الصّوم نعيّد للسّجود للصّليب الكريم المحيي. إذ نرفع الصّليب الكريم لتكريمه ونرتّل: "لصليبك يا سيّدنا نسجد وقيامتك نمجد". إنّ تكريم صليب المسيح الكريم بالغ الأهميّة، إذ يشهد على إيماننا ومحبّتنا الحارّة لابن الله الذي خلّصنا من سلطان الشّيطان. ولكن هناك غاية أخرى نكرّم من أجلها صليب المسيح الكريم في منتصف الصّوم الكبير. ونفهم هذه الغاية عندما نقرأ قول الرّبّ: "بصبركم تربحون أنفسكم" (لوقا ٢١: ١٩). فإذا كان الصّبر، بحسب قول المسيح، بالغ الأهميّة، إذ يُخلّص الإنسان، فإنّ من أهمّ أهداف حياتنا أن نتعلّم الصّبر. وليس هناك معلّمٌ أفضل من صليب مسيحنا ليعلّمنا الصّبر. إذا حُفر صليب الرّبّ في قلوبنا، وتأثّرنا بقراءة كلمات قانون الإيمان: "مصلوب عنّا على عهد بيلاطس البنطيّ" يوميًّا، وإذا رأينا صليب المسيح في كلّ ضيق وحزن يُنزله الله بنا، فسنتعلّم كيف نكتسب الصّبر. إذا كان لديك ألمٌ شديدٌ يُعذّبك ولم تعد قادرًا على تحمّله، فانظر إلى الصّليب، انظر إلى ابن الله رأسه منحنيًا، مُزيّنًا بإكليل الشّوك. فكّر في عدد المرّات التي ضُرب فيها هذا

الرّأس، فكّر في الألم الذي سبّبته الأشواك في مخلّصنا، وستتعلّم كيف تصبر على ألمك. تذكّروا أنّه إلى جانب الآلام المروّعة التي قاساها ابن الله على الصّليب، فقد حمل أيضًا عبء خطايا العالم أجمع. تذكّروا أيضًا أنّ أحد الجنود طعن جنبه بحربة، فخرج منه في الحال دم وماء، غسلا بهما خطاياكم، وحماكم من هجمات العدوّ. هل ترون إذن كيف يزداد صبركم بصليب المسيح؟ هل ترون أنّ الصليب يُعلّمكم فضيلة الصّبر العظيمة التي بدونها لن تستطيعوا الدّخول من الباب الضّيّق واتّباع طريق الأحزان الطّويل والمتعرّج المؤدّي إلى ملكوت السّماوات؟ فلنمجّد ونشكر إلهنا العظيم ومخلّصنا الرّبّ يسوع المسيح، الذي يمنحنا بصليبه العظيم القوّة على تحمّل أحزان لا تُحصى في هذه الحياة الزّائلة، ولنخلّص نفوسنا بصبر.

ولذلك تدعو الكنيسة كلّ من يئنّ ويتعب من مشاق الصّوم الكبير إلى اعتلاء عرش صليب المسيح. وكما يستريح المسافر المتعب في منتصف طريقه تحت ظلّ شجرة كبيرة، فيشعر بسعادة غامرة هناك، كذلك فإنّ إبراز الصّليب وسط مشاق الصّوم الكبير له المعنى نفسه لدى المسيحيّ التّقيّ. إنّ تذكُّر الصّليب، والمسيح المخلّص الذي تألّم عليه من أجل خلاصنا، وتلك الوسائل المليئة بالنّعمة التي منحها "لكلّ المتعبين والثّقيلي الأحمال" (متّى 11: 28) لتقويتهم المعنويّة - كلّ هذا يمكن أن يشجع وينعش النّفس المسيحيّة، ويمنحها الرّاحة والسّكينة في أحزانها وتعبها. فنستمدّ من الصّليب المقدّس قوّة روحيّة مبتهجة، وننطلق لإكمال زمن الصّوم الكبير الشّاق ولكنّه عظيم النّفع. يعلم كلّ مؤمن أنّه إذا كانت مشاق الصّوم الخارجيّة شاقّة، حين

نسعى للامتناع عن بعض الأطعمة والاعتدال في تناول المسموحات، فإنّ صراعات الصّوم والتّوبة الرّوحيّة تكون أشدّ صعوبة. في الواقع، إنّ حراسة اللّسان من الكلام السّيئ، والامتناع عن الحقد، وقمع روح حبّ الذّات [الأنانيّة] في أنفسنا، والسّعي لإحداث تغيير جذريّ نحو الخير في جميع كياننا، كلّ هذا صراع زهد صعب للغاية. فهلمّوا يا جميع الأمم، فلنُكرّم صليب الرّبّ بالتّرانيم: "شاهدنا اليوم صليب المسيح الكريم موضوعًا فلنسجد له بايمان فرحين ونصافحه بشوق مبتهلين إلى الرّبّ الذي صلب عليه بمشيئته أن يؤهّل جميعنا للسّجود للصّليب الكريم وأن ندرك نهار القيامة خلوا من مداينة".