البابا لطلّاب جامعة "لاسابينزا": كونوا معي "صانعي سلام" حقيقيّين
وبعد جولة في معرض "الجامعة والبابوات" الّذي يستعرض الرّوابط الوثيقة بين الفاتيكان والجامعة، بلغت الزّيارة ذروتها في "القاعة الكبرى"، حيث ألقى خطابًا محوريًّا أمام الأساتذة والطّلّاب، حثّهم فيها على مشاركته في صناعة السّلام، وقال بحسب "فاتيكان نيوز": "لقد لبّيتُ بفيض من الفرح الدّعوة للقاء الجماعة الجامعيّة في "لا سابينزا"- جامعة روما. إنّ جامعتكم لا تبرز فقط كمنارة للتّميز في مختلف العلوم، بل تتميّز أيضًا بالتزامها الرّاسخ في تعزيز الحقّ في الدّراسة، لاسيّما للّذين يفتقرون إلى الإمكانات المادّيّة، وللأشخاص ذوي الإعاقة، وللسّجناء، وللّذين فرّوا من ويلات الحروب. وعلى سبيل المثال، أثمّن جدًّا توقيع اتّفاقيّة بين أبرشيّة روما وجامعة "لا سابينزا" لفتح ممرّ إنسانيّ جامعيّ من قطاع غزّة. لذا، فمن الأهمّيّة بمكان بالنّسبة لي، أنا الّذي لم يمضِ على تنصيبي أسقفًا لروما سوى ما يزيد قليلًا عن العام، أن ألتقي بكم. وبقلب راعٍ، أودّ أن أتوجّه بحديثي أوّلًا إلى الطّلّاب ثمّ إلى الأساتذة.
إنّ دروب المدينة الجامعيّة الّتي عبرتها للوصول إلى هنا، يعبرها يوميًّا شباب كثر، تسكنهم مشاعر متضاربة. أتخيّلكم أحيانًا مفعمين بالحيويّة، مبتهجين بشبابكم الّذي يمنحكم الشّعور- حتّى في عالم مضطرب ومثقل بأشكال الظّلم الصّارخة- بأنّ المستقبل لا يزال قيد الكتابة، وأنّه لا يمكن لأحد أن يسرقه منكم. إنّ دراستكم، والصّداقات الّتي تولد في هذه السّنوات، واللّقاء بأساتذة الفكر، هي وعود بما يمكن أن يغيّرنا نحو الأفضل، حتّى قبل أن يتغيّر الواقع من حولنا. فعندما تتحوّل الرّغبة في الحقيقة إلى بحث جادّ، تصبح جرأتكم في الدّراسة شهادة على الرّجاء في عالم جديد.
تعلمون أنّني مرتبط روحيًّا بالقدّيس أوغسطينوس، الّذي كان شابًّا قلقًا؛ ارتكب أخطاء جسيمة، لكن شغفه بالجمال والحكمة لم يضع سدى. وفي هذا السّياق، سررتُ بتلقّي عدد هائل من الأسئلة منكم: المئات! وبالطّبع لا يمكنني الرّدّ عليها جميعًا، لكنّني آخذها في عين الاعتبار، متمنّيًا لكلّ واحد منكم البحث عن مزيد من الفرص للحوار. ولهذا الغرض أيضًا توجد خدمات الإرشاد الرّوحيّ الجامعيّة، حيث يلتقي الإيمان بتساؤلاتكم.
بيد أنّ لهذا القلق وجهًا حزينًا أيضًا: فلا يجب أن نغضّ الطّرف عن أنّ الكثير من الشّباب يعانون. ثمّة فترات عصيبة تمرّ على الجميع، لكن البعض قد يشعر أنّها لن تنتهي أبدًا. واليوم، يعود ذلك بشكل كبير إلى "ابتزاز التّوقّعات" وضغوط الأداء. إنّها الكذبة المتغلغلة في نظام مشوّه، يختزل الأشخاص في مجرّد أرقام، ويؤجّج التّنافسيّة المحمومة، ويتركنا في دوّامات من القلق. إنّ هذا الألم الرّوحيّ الّذي يعتري الكثير من الشّباب يذكّرنا بأنّنا لسنا مجرّد مجموع ما نملك، ولا مادّة جُمعت مصادفة في كون صامت. نحن رغبة، ولسنا خوارزميّة! وهذه الكرامة الخاصّة الّتي نتمتّع بها هي ما يدفعني لمشاركتكم سؤالين.
أمّا أنتم أيّها الشّباب، فإنّ هذا الألم يطرح عليكم سؤالًا: "من أنت؟". فأن نكون أنفسنا هو الالتزام الجوهريّ في حياة كلّ رجل وامرأة. "من أنت؟" هو السّؤال الّذي نطرحه على بعضنا البعض؛ والسّؤال الّذي نوجّهه بصمت إلى الله؛ السّؤال الّذي لا يمكننا الإجابة عليه إلا بأنفسنا ولأنفسنا، ولكنّنا لا نستطيع أبدًا الإجابة عليه بمفردنا. نحن نتاج روابطنا، ولغتنا، وثقافتنا: ومن هنا، تبرز الحيويّة في أن تكون سنوات الجامعة وقتًا للّقاءات الكبرى.
أمّا للبالغين، فإنّ ألم الشّباب يسألهم: "أيّ عالم سنتركه لهم؟". عالم شوّهته الحروب ولغة الحرب، للأسف. نحن أمام تلوّث للعقل، انتقل من المستوى الجيوسياسيّ ليغزو كلّ علاقة اجتماعيّة. إنّ التّبسيط الّذي يصنع الأعداء يجب أن يُصحّح، لاسيّما في الجامعة، من خلال العناية بالتّعقيد والممارسة الحكيمة للذّاكرة. وبشكل خاصّ، لا ينبغي أن ننسى مآسي القرن العشرين. إنّ صرخة "لا للحرب بعد الآن!" الّتي أطلقها أسلافي، والّتي تتماهى مع نبذ الحرب المنصوص عليه في الدّستور الإيطاليّ، تحثّنا على تحالف روحيّ مع حسّ العدالة الّذي يسكن في قلوب الشّباب، ومع دعوتهم لعدم الانغلاق خلف الأيديولوجيّات والحدود الوطنيّة.
على سبيل المثال شهد العام الماضي نموًّا هائلًا في الإنفاق العسكريّ العالميّ، ولاسيّما في أوروبا: فلا يمكن تسمية إعادة التّسلّح "دفاعًا" وهي تزيد من التّوتّرات وعدم الاستقرار، وتستنزف الاستثمارات في التّعليم والصّحّة، وتضرب الثّقة في الدّبلوماسيّة، وتُغني نُخبًا لا تبالي بالخير العامّ. كما يجب الحذر تجاه تطوير وتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في المجالين العسكريّ والمدنيّ، لكي لا تُسلب المسؤوليّة من القرارات البشريّة وتتفاقم مأساويّة الصّراعات.
إنّ ما يحدث في أوكرانيا، وفي غزّة والأراضي الفلسطينيّة، وفي لبنان، وفي إيران، يجسّد التّطوّر اللّاإنسانيّ للعلاقة بين الحرب والتّقنيّات الجديدة في دوّامة من الفناء. على الدّراسة والبحث والاستثمارات أن تسير في الاتّجاه المعاكس: لتكن "نعمًا" جذريًّا للحياة! نعم للحياة البريئة، نعم لحياة الشّباب، نعم لحياة الشّعوب الّتي تنشد السّلام والعدالة!
أمّا الجبهة الثّانية لالتزامنا المشترك فتتعلّق بالإيكولوجيا. كما قال لنا البابا فرنسيس في الرّسالة العامّة "كن مسبّحًا": "هناك إجماع علميّ ثابت يشير إلى أنّنا نشهد ارتفاعًا مقلقًا في حرارة النّظام المناخيّ". لقد مرّ أكثر من عقد منذ ذلك الحين، ورغم النّوايا الطّيّبة وبعض الجهود، لا يبدو أنّ الوضع قد تحسّن. في هذا المشهد، أشجّعكم بشكل خاصّ، أيّها الشّباب الأعزّاء، على عدم الاستسلام لليأس، بل على تحويل القلق إلى نبوءة. إنّ الّذي يؤمن، بشكل خاصّ، يعرف أنّ التّاريخ لا يسقط في قبضة الموت بدون مفرّ، بل هو دائمًا في عهدة إله يخلق الحياة من العدم، ويعطي بدون أن يأخذ، ويشارك بدون أن يستهلك.
إنَّ انهيار النّموذج الاستهلاكيّ والتّملّكيّ اليوم هو ما يمهّد الطّريق أمام الجديد الّذي بدأ ينبت: ادرسوا، وازرعوا، وصونوا العدالة! كونوا معي ومع العديد من الإخوة والأخوات، "صانعي سلام" حقيقيّين: سلام مجرٌد من السّلاح ويجرِّد من السّلاح، متواضع ومثابر، يعمل هكذا على الوئام بين الشّعوب وحماية الأرض. نحن بحاجة إلى كلّ ذكائكم وجرأتكم. يمكنكم في الواقع أن تساعدوا الّذين سبقوكم على استعادة أفق حقيقيّ للمعنى، لكي لا نتوقّف عند مجرّد صورة عابرة أخرى للواقع الّذي نعيشه. علينا أن ننتقل من التّأويل إلى الفعل: أنتم الّذين يستهين بكم مجتمعٌ ينحسر فيه عدد الأبناء يومًا بعد يوم، اشهدوا على أنّ الإنسانيّة تكون قادرة على المستقبل، عندما تبنيه بالحكمة.
إنّ جامعتكم، الّتي تحمل اسمًا إلهيًّا، هي مكان للدّراسة ومركز للاختبار، صقل التّفكير النّقديّ عبر القرون. وأنتم أيّها الأساتذة، بإمكانكم تنمية تواصل مثمر مع عقول وقلوب الشّباب: إنّها مسؤوليّة متطلّبة بلا شكّ، لكنّها مشوّقة. من الأهمّيّة بمكان أن تؤمنوا بطلّابكم وبطالباتكم. لذا، اسألوا أنفسكم غالبًا: هل أثق بهم؟
إنّ التّعليم هو شكل من أشكال المحبّة، تمامًا كما يجب أن يكون إغاثة مهاجر في البحر، أو فقير في الطّريق، أو ضمير يائس. إنّ الأمر يتعلّق بمحبّة الحياة البشريّة دائمًا وأبدًا، وتقدير إمكاناتها، للتّحدّث إلى قلوب الشّباب دون الاقتصار على معارفهم فقط. وبذلك يصبح التّعليم شهادة للقيم من خلال الحياة: هو عناية بالواقع، وانفتاح لاستيعاب ما لم نفهمه بعد، وقول الحقيقة. ما الجدوى من تخريج باحث أو مهنيّ لا يرعى ضميره، وحسّه بالعدالة، واحترامه لما لا يمكن ولا يجوز الهيمنة عليه؟ ذلك إنّ المعرفة لا تُفيد في بلوغ الأهداف المهنيّة فحسب، بل لتمييز من نحن. ومن خلال المحاضرات، والتّدريبات، والتّفاعل مع المدينة، والأطروحات، والدّكتوراه، يمكن لكلّ طالب دائمًا أن يجد دوافع جديدة، ويرتِّب ما بين الدّراسة والحياة، وما بين الأدوات والغايات.
أيّها الأحبّاء، بينما أشجّعكم على هذا التّمرين اليوميّ، تريد زيارتي هذه أن تكون علامة على تحالف تربويّ جديد بين الكنيسة الّتي في روما وجامعتكم العريقة، الّتي ولدت ونمت في حضن الكنيسة. أؤكّد لكم جميعًا ذكري في الصّلاة، ومن قلبي أستمطر بركة الرّبّ على جماعة "لا سابينزا" بأكملها. شكرًا لكم!".
