الفاتيكان
14 أيار 2026, 06:30

البابا: في مريم العذراء ينعكس سرّ الكنيسة

تيلي لوميار/ نورسات
إلى الاقتداء بمريم العذراء لكونها "مثالًا، وعضوًا متميّزًا، وأمًّا للجماعة الكنسيّة بأسرها"، دعا البابا لاون الرّابع عشر المؤمنين في مقابلته العامّة أمس الأربعاء.

فعلى ضوء "نور الأمم"، أظهر الأب الأقدس مكانة العذراء مريم في الكنيسة، وتوجّه إلى المحتشدين في ساحة القدّيس بطرس في تعليمه قائلًا بحسب "فاتيكان نيوز":

"لقد أراد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني تخصيص الفصل الأخير من الدّستور العقائديّ في الكنيسة، "نور الأمم"، لمريم العذراء. فهي "تُعرف بصفتها عضوًا ساميًا وفريدًا تمامًا في الكنيسة، وكصورة لها ومثال فائق في الإيمان والمحبّة". تدعونا هذه الكلمات لنفهم كيف يمكننا أن نرى في مريم- الّتي قبلت وولدت ابن الله المتجسّد بعمل الرّوح القدس- مثالًا، وعضوًا متميّزًا، وأمًّا للجماعة الكنسيّة بأسرها.

من خلال استسلامها لعمل النّعمة الّذي تمّ فيها، وقبولها عطيّة العليّ بإيمانها وحبّها العذريّ، تظهر مريم كمثال كامل لما دُعيت الكنيسة كلّها أن تكون عليه: خليقة كلمة الرّبّ، وأمًّا لأبناء الله المولودين بروح الطّاعة لعمل الرّوح القدس.

وبما أنّها "المؤمنة" بامتياز، والّتي تقدّم لنا الشّكل الأكمل للانفتاح غير المشروط على السّرّ الإلهيّ في شركة شعب الله المقدّس، فإنّ مريم هي عضو متميّز في الجماعة الكنسيّة. وأخيرًا، بما أنّها تلد أبناءً في "الابن"، محبوبين في "المحبوب الأزليّ" الّذي جاء بيننا، فإنّ مريم هي أمّ الكنيسة جمعاء، الّتي يمكنها أن تتوجّه إليها بثقة بنويّة، ويقين بأنّها تُسمع وتُحفظ وتُحبّ.

يمكن التّعبير عن مجموع هذه الخصائص لمريم العذراء بوصفها المرأة الأيقونة للسّرّ. فبكلمة امرأة، نبرز الواقعيّة التّاريخيّة لابنة إسرائيل الشّابّة هذه، الّتي أُعطيت لها نعمة عيش الخبرة الاستثنائيّة بأن تصبح أمًّا للمسيح المنتظر. أمّا بتعبير أيقونة، فنحن نؤكّد على أنّ الحركة المزدوجة للنّزول والصّعود تتحقّق فيها: ففيها يتجلّى الاختيار المجّانيّ من قبل الله، بقدر ما يتجلّى قبول الإيمان الحرّ به. مريم هي إذن المرأة الأيقونة للسّرّ، أيّ لتدبير الخلاص الإلهيّ الّذي كان خفيًّا في السّابق وأُعلن بملئه في يسوع المسيح.

لقد ترك لنا المجمع تعليمًا واضحًا حول المكانة الفريدة المحفوظة لمريم العذراء في عمل الفداء. وذكّر بأنّ يسوع المسيح هو الوسيط الوحيد للخلاص، وأنّ والدته القدّيسة "لا تحجب أو تنقص من هذه الوساطة الوحيدة للمسيح، بل تُظهر فاعليّتها". وفي الوقت عينه، فإنّ "العذراء الطّوباويّة، الّتي سبق أن خُصّصت منذ الأزل، في تدبير تجسّد الكلمة لتكون أمًّا لله... قد تعاونت بطريقة استثنائيّة في عمل المخلّص، بطاعتها وإيمانها ورجائها ومحبّتها المتّقدة، لإعادة الحياة الفائقة الطّبيعة إلى النّفوس. ولهذا السّبب صارت لنا أمًّا في رتبة النّعمة".

في مريم العذراء، ينعكس أيضًا سرّ الكنيسة: ففيها يجد شعب الله تمثيلًا لأصله، ومثاله، ووطنه. في أمّ الرّبّ، تتأمّل الكنيسة سرّها الخاصّ، ليس فقط لأنّها تجد فيها مثال الإيمان العذريّ، والمحبّة الوالديّة، والعهد الزّوجيّ الّذي دُعيت إليه، بل وأيضًا وبالدّرجة الأولى لأنّها ترى فيها نموذجها الأصليّ، والصّورة المثاليّة لما هي مدعوة لتكون عليه.

كما ترون، فإنّ التّأمّلات حول العذراء الأمّ الواردة في دستور "نور الأمم" تعلّمنا أن نحبّ الكنيسة ونخدم فيها إتمام ملكوت الله الآتي والّذي سيتحقّق بملئه في المجد. لنسمح إذًا بأن يُسائلنا المثال السّامي، لمريم العذراء والأمّ، ولنطلب منها أن تعيننا بشفاعتها لنجيب لما يُطلب منّا من خلال مثالها: هل أعيش انتماءي للكنيسة بإيمان متواضع وفاعل؟ هل أرى فيها جماعة العهد الّتي وهبني إيّاها الله لأبادل حبّه اللّامتناهي؟ هل أشعر بأنّني جزء حيّ من الكنيسة، في طاعة للرّعاة الّذين أقامهم الله؟ هل أنظر إلى مريم كمثال وعضو أسمى وأمّ للكنيسة، وأطلب منها أن تساعدني لأكون تلميذًا أمينًا لابنها؟

أيّها الإخوة والأخوات، ليمنحنا الرّوح القدس، الّذي حلّ على مريم ونبتهل إليه بتواضع وثقة، أن نعيش هذه الحقائق الرّائعة بملئها. وبعد أن تعمّقنا في الدّستور العقائديّ "نور الأمم"، لنطلب من العذراء أن تستمدّ لنا هذه النّعمة: أن ينمو فينا جميعًا حبّ الكنيسة الأمّ المقدّسة. آمين."