الفاتيكان
09 آذار 2026, 13:30

البابا: كلّ شيء يتبدّل مع لقاء الرّبّ

تيلي لوميار/ نورسات
في رعيّة تقدمة مريم العذراء في حيّ توريفيكيا بروما، كانت زيارة البابا لاون الرّابع عشر الرّاعويّة عصر الأحد الثّالث لزمن الصّوم، حيث ترأّس القدّاس الإلهيّ وتوقّف خلاله عند لقاء يسوع المرأة السّامريّة.

وفي عظته قال البابا بحسب "فاتيكان نيوز": "إنّ إنجيل اليوم، وإلى جانب كونه يتكلّم إلينا، فإنّه يتكلّم عنّا ويساعدنا على إعادة النّظر في علاقتنا مع الله.

إنّ عطش السّامريّة للحياة والمحبّة هو عطشنا، عطش الكنيسة والبشريّة كلّها الجريحة بالخطيئة ولكن الّتي يسكنها بقوّة التّوق إلى الله. إنّنا، وإن كنّا لا ننتبه إلى هذا، نبحث عنه في كلّ مرة نتساءل فيها حول معنى الأحداث وننتبه فيها إلى عدم توفّر الخير الّذي نتوق إليه لأنفسنا وللقريبين منّا. وفي بحثنا هذا نلتقي يسوع، وهو هناك، عند البئر، حيث وجدته المرأة السّامريّة وحيدًا تحت شمس الظّهر وقد تعب من المسير. إنّ السّامريّة تتوجّه إلى البئر في هذه السّاعة ربّما لتفادي نظرات النّساء الأخريات الّتي تحمل أحكامًا مسبقة. وقد لمس يسوع في قلبها سبب هذا التّهميش: زيجاتها الفاشلة وعيشها مع رجل ليس زوجها، أمور تجعلها غير جديرة بأن ترافق بنات وزوجات وأمّهات المدينة. إنّ يسوع ورغم ذلك يجلس عند البئر وكأنّه ينتظرها. إنّ هذا الموعد المفاجئ هو أحد الأشكال الّتي، وكما كان يقول البابا فرنسيس، يكشف بها يسوع إله المفاجآت، تلك الأجمل، الّتي تغيّر الحياة أيًّا كان شكلها أمام الله.

لقد أحبّ يسوع السّامريّة كما لم يحبّها أحد من قبل، وبينما كانت هي تبحث عن الماء في ذلك اليوم أراد هو أن يهبها الماء الجديد، الحيّ، القادر على إرواء أيّ عطش وتهدئة أيّ قلق، لأنّ هذا الماء ينبع من قلب الله كتحقيق لا ينتهي لكلّ انتظار. إنّ مبادرة يسوع تُطلق البحث عن خير أكبر من الماء نفسه، فقد قال يسوع للمرأة "لو كنتِ تعرفين عطاء الله"، وليس هذا توبيخًا بل هو وعد، أيّ أنّه هنا كي يجعلها تعرف الله الّذي يصبح هبة لها، هي الّتي لم تكن تعرفه والّتي كانت تَعتبر نفسها بعيدة ومدانة. وهذه الهبة ستُغيّركِ، وستصبحين أنتِ عين ماء يتفجّر حياة أبديّة. إنّ بدلًا من العطش السّابق المليء بالمرارة والجفاف الرّوحيّ فإنّ ابن الله يقدّم كعطيّة حياةً متجدّدة بالماء الّذي ينبع من رحمة الآب."

وتابع: "إنّ كلّ شيء يتبدّل مع لقاء الرّبّ، فالمرأة العطشى تصبح عين ماء، والمستبعَد يصبح صديقًا حميمًا. وقد أصبحت المرأة الّتي كان يملؤها الخجل مفعمة بالفرح، وأصبحت تلك الّتي كانت صامتة في المدينة مرسَلة لجميع سكّانها، ولم يكن لهذه المرأة أن تتخيّل أبدًا أن تتذوّق هي تحديدًا، بشعورها بالتّخبّط والهزيمة، هذا الماء النّضر، عطيّة الله، وأن تصبح هي بدورها هبة للآخرين. وقد حدث هذا بفضل اللّقاء والحوار مع يسوع، كلمة الله الحيّ الّذي صار بشرًا من أجل خلاصنا.

إنّ إنجيل اليوم يوضح لنا مسيرة نموّ هذه المرأة الّتي تعرّفت تدريجيًّا على الصّفات الأساسيّة لهويّة يسوع، الإنسان، النّبيّ، المسيح والمخلّص. وبكونها بالقرب منه ناعمةً بمرافقته تصبح السّامريّة بدورها ينبوع حقيقة، فقد بدأ يتفجّر في القلب الماء الجديد عطيّة الله. وقد شعرت المرأة بأنّ عليها العودة مسرعة إلى المدينة وقد تحرّرت أخيرًا من الخجل، وتتوق إلى أن تُعَرف الجميع بمُحَرِّرها، يسوع." 

وذكَّر البابا بأنّ "السّامريّة قد توجّهت أوّلًا إلى من كانوا قد أدانوها بينما غفر لها الله لتروي وتعلن وتشهد. إنّ الحاجة إلى الماء الّتي كانت قد جعلت السّامريّة تتوجّه نحو البئر تترك الفسحة الآن إلى الرّغبة في إعلان الجديد الكبير الّذي غَيَّرها.

إنّنا قد نلنا جميعًا بالمعموديّة نعمة الماء الجديد الّذي يغسل كلّ ذنب ويروي كلّ عطش. ومثل المرأة السّامريّة فإنّنا اليوم وخلال زمن الصّوم ننال زمنًا لإعادة اكتشاف عطيّة هذا السّرّ الّذي، وكما باب، قد حَمَلنا إلى الإيمان وإلى الحياة المسيحيّة. إنّ الرّبّ كراع صالح وحنون ينتظرنا ويرافقنا دائمًا أينما نعيش وكما نحن، يشفي برحمته جراحنا ويهبنا ذاته جاعلًا إيّانا قادرين على أن نكون بدورنا هبة للأخوّة."

هذا وفي حديثه إلى أبناء الرّعيّة في ختام العظة قال إنّه يعلم كونهم يعيشون في حيّ يواجه تحدّيات كثيرة، حيث هناك أوضاع تهميش وفقر مادّيّ ومعنويّ، بل وحتّى الفتية والشّباب معرّضون إلى النّموّ وقد خدعهم بائعو الموت أو فاقدين الأمل في المستقبل. 

وأضاف أنّه، وكما البئر في إنجيل اليوم، يأتي إلى هذه الرّعيّة الكثير من الرّجال والنّساء الجرحى في نفوسهم والمهانين في كرامتهم والعطاش للرّجاء. وعليكم أنتم واجب مُلح ومحرِّر، أن تبرزوا قرب يسوع ورغبته في إنهاض حياتنا أمام الشّرور الّتي تهدّدها من خلال اقتراح حياة حقيقيّة وكاملة. 

وشجّع البابا على العمل من أجل جعل نشاط الرّعيّة، بدءًا من الإفخارستيّا، القلب النّابض لأيّة جماعة مسيحيّة، علامة لكنيسة تعتني كما أُمّ بأبنائها بدون إدانتهم، بل تستقبلهم وتصغي إليهم وتدعمهم أمام الخطر. ولتساعد كلمة الإنجيل كلّ واحد على أن يفتح عينيه ليُقَيم بحكمة ما هو خير وما هو شرّ لتتشكّل هكذا ضمائر حرّة وناضجة. 

وشجّع في الختام الجميع على السّير قدمًا بثقة في أيّة ظروف، مؤكّدًا أنّ الرّبّ يسير معهم ويعضدهم على طول الطّريق، موكلًا إيّاهم إلى مريم كلّيّة القداسة.

وأنهى داعيًا أن إلى أن "يكون في كلّ أحد لقاء مع الرّبّ بهذه الحماسة ذاتها وبسعادة وفرح".