البابا فرنسيس يتأمّل بتقدمة يسوع إلى الهيكل ويدعو إلى الاقتداء بسمعان وحنّة "حاجّي الرّجاء"
وفي هذا السّياق، كتب الأب الأقدس: "في روايات طفولة يسوع، يظهر لنا الإنجيليّ لوقا طاعة مريم ويوسف لشريعة الرّبّ ولجميع وصاياه. في الحقيقة، لم يكن هناك في إسرائيل إلزام بتقدمة الطّفل إلى الهيكل، لكن من كان يعيش في إصغاء لكلمة الرّبّ ويرغب في الامتثال لها كان يعتبر ذلك ممارسة ثمينة. هكذا فعلت حنّة، أمُّ النّبيّ صموئيل، الّتي كانت عاقرًا؛ فإذ استجاب الله صلاتها، عندما رُزقت بابنها، أخذته إلى الهيكل وقدّمته للرّبّ إلى الأبد.
يروي لوقا إذن أوّل فعل عبادة يحتفل به يسوع في المدينة المقدّسة، أورشليم، الّتي ستكون وجهة خدمته المتجوّلة بأسرها، منذ اللّحظة الّتي سيقرّر فيها بحزم أن يصعد إليها، لكي يُتمَّ رسالته. لم يكتفِ يوسف ومريم "بتطعيم" يسوع في تاريخ عائلة، وشعب، وعهد مع الله. بل اهتمّا بحمايته وتنميته، وأدخلاه في جوّ الإيمان والعبادة. وفي الوقت عينه، كانا ينموان تدريجيًّا في فهم دعوة تتجاوزهما بكثير.
في الهيكل، الّذي هو "بيت الصلاة"، كلّم الرّوح القدس قلب رجل مسنّ: سمعان، وهو أحد أفراد شعب الله المقدّس، الّذي أُعدَّ في الانتظار والرّجاء، وكان يُغذّي شوق تحقيق الوعود الّتي قطعها الله لإسرائيل من خلال الأنبياء. لقد شعر سمعان في الهيكل بحضور مسيح الرّبّ، ورأى النّور الّذي يضيء بين الشّعوب الغارقة "في الظّلام"، فذهب لملاقاة ذلك الطّفل الّذي، كما تنبّأ إشعياء، "وُلِدَ لنا"، وهو الابن الّذي "أُعطِيَ لنا"، و"رئيس السّلام".
لقد احتضن سمعان ذلك الطّفل الصّغير والأعزل، الّذي كان بين ذراعيه؛ لكنّه في الواقع هو الّذي وجد العزاء وملأ حياته فيما كان يحتضنه. وقد عبّر عن ذلك في نشيد مليء بالامتنان، أصبح في الكنيسة صلاة تُتلى في نهاية كلِّ يوم: "الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقاً لِقَوْلِكَ فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُورًا يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجدًا لِشَعْبِكَ إِسرائيل". لقد أنشد سمعان فرح من رأى مخلّص إسرائيل والأمم، وتعرّف عليه، ويمكنه أن ينقل للآخرين اللّقاء معه. إنّه شاهد الإيمان، الّذي ينال عطيّة وينقلها للآخرين؛ إنّه شاهد للرّجاء الّذي لا يخيِّب؛ إنّه شاهد لمحبّة الله الّتي تملأ قلب الإنسان فرحًا وسلامًا. وإذ فاض بهذا العزاء الرّوحيّ، رأى سمعان الشّيخ الموت لا كنهاية، بل كإتمام، وكملء، ينتظره كـ"أخت" لا تفنيه، بل تدخله في الحياة الحقيقيّة الّتي سبق أن تذوّقها والّتي يؤمن بها.
في ذلك اليوم، لم يرَ سمعان وحده الخلاص الّذي صار جسدًا في الطّفل يسوع. فقد حدث الأمر نفسه مع حنّة، وهي امرأة قد تجاوزت الثّمانين من عمرها، أرملة، مكرّسة بالكامل لخدمة الهيكل وللصّلاة. ولدى رؤيتها للطّفل، سبّحت حنّة إله إسرائيل، الّذي خلّص شعبه في هذا الصّغير بالذّات، وأعلنت الخبر للآخرين، ونشرت الكلمة النّبويّة بسخاء. وهكذا، انطلق من نشيد الفداء الّذي أنشده هذان الشّيخان إعلان اليوبيل لكلّ الشّعب والعالم. وفي هيكل أورشليم، اتَّقدَ الرّجاء مجدّدًا في القلوب، لأنّ المسيح، رجاؤنا، قد دخل إليه.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لنقتدِ نحن أيضًا بسِمعان وحنّة، "حاجَّا الرّجاء"، اللّذين كانت لديهما عيون نقيّة قادرة على أن ترى أبعد من المظاهر، وعرفا كيف "يميِّزان" حضور الله في الصِّغر، وكيف يقبلان بفرح زيارة الله، ويعيدان إشعال الرّجاء في قلوب الإخوة والأخوات."