الأب محفوض: ما هو الصّوم الأرثوذكسيّ بحسب كتابات الآباء القدّيسين؟
"لقد أثبت آباء الكنيسة ومعلّموها القدّيسون، من خلال تجربتهم الشّخصيّة، نفع الصّيام، واتّفقوا بحماس مع تعاليم الكتاب المقدّس بشأنه.
بحسب تعاليم القدّيس باسيليوس الكبير:لقد أنزل الأنبياء الصّوم الذي يقوّي القوى؛ والصّوم يُحكّم واضعي القوانين. الصّوم نوع من الحماية للرّوح، ورفيقٌ أمينٌ للجسد، وسلاحٌ للشّعب الشّجاع، ومدرسةٌ للزّاهدين. إنّه يصدّ الإغراءات، ويُبارك الزّهاد بالتّقوى.
إنّه رفيق الرّصانة، وممارس العفّة. إنّه يُنجز أعمالًا بطوليّة في أوقات الشّدّة، ويُعلّم الصّمت في زمن السّلم. إنه يُبارك نذر الامتناع، ويُكمّل الكاهن. بدون الصّوم، يستحيل على المرء أن يُخاطر بنفسه في العمل اللّيتورجيّ، ليس فقط في الخدمة السّرّيّة والحقيقيّة الحاليّة، بل أيضًا في الخدمة المُغيّرة والشّرعيّة.
"إنّ الصّيام يرفع دعاءً إلى السّماء، يُؤدّي كما لو كان بأجنحة، أمام جبل الصّعود. الصّيام مكمّل للبيوت، وأم الصّحّة، ومعلّم الشّباب، وزينة لكبار السّنّ، ورفيق جيد للمسافرين، ورفيق موثوق لمن يعيشون معًا."
الصّوم سلاحٌ للحماية من الشّياطين، لأنّ "هذا النّوع لا يزول إلّا بالصّلاة والصّوم" (مرقس 9: 28). إنّ ملائكتنا الحارسة تبقى مع من طهّروا نفوسهم بالصّوم. الصّوم هو اقتداء بالملائكة، ومساكنة مع الصّالحين، وتدريب على حياة العفّة.
يحمي الصّيام الأطفال، ويحفظ عفّة الشّباب، ويجعل كبار السّنّ أكثر وقارًا وجدارةً بالاحترام. الصّيام هو لباس المرأة المحتشم، وضبط النّفس في ريعان الشّباب، وحماية الزّيجات، ومرشد العذارى.
كلّ فرد في المنزل مدعوٌّ إلى هذه النّعم الجليلة للصّيام. ولكن كيف يُنظّم الصّيام حياتنا في المجتمع؟ فجأةً، تقترب المدينة بأكملها وجميع النّاس من الحُسن، فتُخفت الصّرخات، وتُنبذ الخلافات، وتُوضع حدٌّ للشّتائم.
"لو أنّ الجميع قبلوه في مشورته بشأن أعمالهم، لما تدخّل شيء في السّلام الذي سيسود الكون بأسره: لن تثور الأمم على بعضها البعض؛ ولن تدخل الجيوش في معارك فيما بينها، ... ولن يكون هناك لصوص في الصّحاري، ولا نمّامون في المدن، ولا قطّاع طرق في البحر."
بحسب تعاليم القدّيس يوحنّا فم الذّهب: بما أنّ الإفراط في الطّعام، لأسباب ومصادر لا حصر لها، يُعدّ ضارًا بالبشريّة، ولأنّ الصّيام والامتناع عن الملذّات الجسديّة كانا دائمًا سببًا لنعم لا تُحصى، فإن اللّه، الذي خلق الإنسان في البدء، وعلم أنّ الشّفاء ضروريّ له لخلاص نفسه، أعطاه منذ البداية الوصيّة الأولى: "من كل شجر الفردوس تأكل، وأمّا شجرة معرفة الخير والشّرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها تموت" (تكوين ٢: ١٦-١٧). وكانت هذه الكلمات: "هذا كُلْ، وهذا لا تأكل"، في سياق الصّيام. لكنّ الإنسان بدلًا من الالتزام بهذه الوصيّة، خالفها، فاستحقّ الموت.
"وقد جلب سكّان سدوم على أنفسهم غضب اللّه الذي لا يلين، بسبب جرائم أخرى إلى جانب هذه الجرائم. فقد قال النّبيّ: 'إنّ فساد سدوم هذا، كما في كثرة الخبز، كان له نعيم شهوانيّ' (حزقيال 16: 49). إنّ هذا الخلل في الفعل نفسه هو في الحقيقة مصدر كلّ شرّ وجذره. لكن أنظر الآن إلى الأعمال الصّالحة للصّيام."
"الصّيام يُعرّضنا لإساءة أعدائنا، ويُحرّرنا من العبوديّة، ويُعيدنا إلى الحرّيّة." "يُعيننا في أتون النّار، ويحمينا من مخالب الأسود، ويطرد الشّياطين، ويُغيّر قضاء اللّه وقدره، ويُهذّب غضب الأهواء، ويمنحنا الحرّيّة، ويقودنا إلى سكونٍ عميق في أفكارنا."
الصّوم غذاء للرّوح، وكما أنّ الغذاء للجسد يغذّيه، كذلك الصّوم يقوّي الرّوح، ويمنحها سهولة التّحليق، والقدرة على الارتقاء إلى أعلى المراتب والتّفكير في المقام الأسمى، ويجلب إليها متع الحياة وبهجتها. وكما أنّ الحكمة الحكيمة تعبر البحار أسرع، بينما الحمولة الثّقيلة المثقلة أكثر عرضة للغرق، كذلك الصّوم، الذي يخفف من وطأة عقولنا، يمكّنها من عبور بحر الحياة الدّنيا بسرعة أكبر، والتّطلّع إلى السّماء والخضوع لها، وعدم الانشغال بالحاضر، بل التّفكير فيما هو أبعد من الظّلال والأحلام العابرة.
بحسب تعاليم القدّيس إسحق السّوريّ: كما أنّ إشباع المعدة بداية كلّ شرّ، كذلك الصّوم أساس كلّ فضيلة وسبيل مقدّس إلى اللّه. الصّوم حماية للفضيلة، وبداية للتّضحية، وإكليل للزّهد، وجمال للعذريّة والقداسة، ونور للعفّة، وأساس للحياة المسيحيّة، وأبو الصّلاة، ومصدر للعفّة والحكمة، ومعلّم للصّمت، وقائد لكلّ خير. وكما تتوق العين السّليمة بطبيعتها إلى النّور، كذلك تتوق نفس من يصوم صيامًا معقولًا بطبيعتها إلى الصّلاة.
عندما تصوم، يتوق عقلك إلى مناجاة اللّه. كذلك الجسد الذي اعتاد الصّيام، لا يرغب في النّوم ولا في البقاء على الفراش طوال اللّيل. من عوّد جسده على الصّيام، وجّه عقله إلى التّأمل بسكينة تامّة، وأفاض قلبه في الصّلاة، وظهر الحزن على وجهه، ولم يعد للأفكار المخزية مكان. لا تظهر على وجهه أيّ بهجة.
الصّوم سلاحٌ أعدّه اللّه لنا، ومن يُهمله فليس على صواب. فإذا كان واضع الشّريعة نفسه قد صام، أليس من الضّروريّ أيضًا على الذين أُعطيت لهم الشّريعة أن يصوموا؟ لزمنٍ طويل لم يستطع الجنس البشريّ الانتصار، ولزمنٍ طويل لم يختبر الشّيطان هزيمة طبيعتنا؛ ولكن في البداية أُضعف بهذا السّلاح.
كان ربّنا هو القائد والفاتح الأوّل، وهو الذي سلّمنا أوّلًا إكليل النّصر لطبيعتنا. ومنذ ذلك الحين، كلّما رأى الشّيطان أنّ أحدًا يمتلك هذا السّلاح، خاف على الفور، وتخيّل وتذكّر تلك الهزيمة التي مُني بها على يد المخلّص في الصّحراء: فتُدمّر قوّته وتزول.
إنّ أساس أيّ نعمة، وتحرير النّفوس من أسر العدوّ، والطّريق المؤدّي إلى النّور والحياة، هما أمران: الثّبات في مكان واحد والصّيام الدّائم. من هنا تنبع طاعة المشاعر، ومن هنا هدوء النّفس؛ وبهذه الوسائل تُروّض الأهواء الجامحة الكامنة في الجسد. ومن هنا تنبع رقّة الأفكار، والأفكار النّيّرة، والاجتهاد في أعمال الفضيلة، والمفاهيم السّامية.
من هنا تأتي القدرة على التّمييز بين الأرواح الشّريرة والقوى المقدّسة، وبين الرّؤى الحقيقيّة والأحلام الباطلة. من هنا تأتي اليقظة الدّائمة للعقل، فلا يسمح للمرء بالانجراف وراء مختلف السّبل والخطوات، ويطرد الكسل والإهمال.
من هنا تأتي تلك الغيرة المتأججة التي تحتقر أيّ خطر ولا تخشى شيئًا. من هنا يأتي ذلك الاجتهاد الشّديد، الذي لا يحمل في طيّاته أيّ عاطفة، بل يطردها من الأفكار ويحاول محو كلّ ما يمرّ بالرّوح من الذّاكرة. بإختصار، من هنا تأتي الحرّيّة الحقيقيّة للإنسان، فرحة الرّوح والقيامة، والسّكينة مع المسيح في ملكوته.
"الصّيام هو سلام عامّ للرّوح والجسد، وحياة هادئة، ونمط سلوك ثابت، وأسلوب حياة، يرضي اللّه ويحزن العدوّ."
الصّوم رفيقٌ مقدّس، ومصدرٌ لكلّ عملٍ صالح. وكما لا يصنع الحرفيّون منتجاتهم دون أدوات، كذلك لم يُبدع المتديّنون وأصحاب المواهب الرّوحية شيئًا عظيمًا أو استثنائيًا دون صيام. أحيا إليشع الميت بالصّوم، ورأى موسى اللّه بالصّوم، وتغلّب دانيال على سحر الأشوريّين وخداعهم بالصّوم، حتّى الرّبّ تغلّب على وساوس الشّيطان، وصلّى الرّسل في أمورٍ مهمّة بالصّوم، ودفع أهل نينوى خطر الموت بالصّوم. عمومًا، الصّوم وسيطٌ عند اللّه، جديرٌ بالاحترام، ورسولٌ واعدٌ يُصلّي سريعًا لمن يدعو لهم. لذلك، على كلّ مؤمنٍ، كلّ من يُحبّ اللّه أكثر من الملذّات، أن يبدأ أيّام الصّيام بفرحٍ وسرور، فليس من ذاق طعم الهزيمة وهو عابس الوجه في بداية المعركة.
"الصّيام ليس جوعًا، بل هو ابتعادٌ بسيط عن الطّعام. إنّه ليس عقابًا حتميًّا، بل هو امتناعٌ طوعيّ. إنّه ليس ضرورةً عبوديّة، بل فلسفةٌ حرّة."
إنّ الآباء والمعلّمين القدّيسين للكنيسة، الذين يكشفون عن ضرورة وأهميّة وفائدة الصّيام، يشرحون في الوقت نفسه تلك الشّروط التي تجعل الالتزام بالصّوم منقذًا لنا.
كتب القدّيس باسيليوس الكبير ما يلي: لا تقتصر فائدة الصّيام على الامتناع عن الطّعام فحسب، بل إنّ الصّيام الحقيقيّ هو استئصال الشّرور. اقطع كلّ صلة بالظّالمين. اغفر لجارك زلّاته، واغفر له ديونه. لا تصم في سبيل القضاء أو الخصام. لا تأكل اللّحم، بل تأكل أخاك. امتنع عن الخمر، لكنّك لا تمتنع عن الشّتائم. انتظر حتّى المساء لتأكل، لكنّك تقضي النّهار في أماكن القضاء.
"ليكن صيامنا في زمن الصّوم الكبير مُرضيًا للّه. فالصّيام الحقيقيّ هو اجتناب الشّرّ، وكبح جماح اللّسان، وكبح الغضب، والابتعاد عن الشّهوات الجسديّة، والنّميمة، والكذب، والشّهادة الزّور. والامتناع عن ذلك هو الصّيام الحقيقيّ. وفي هذا الصّيام أعمالٌ حسنة."
قال القدّيس يوحنّا فم الذّهب ما يلي: "لا تقتصر الأعمال على حضورنا للكنيسة يوميًّا، وسماعنا المحاضرات نفسها باستمرار، وصيامنا طوال فترة الأربعين يومًا المقدّسة. كلا، إذا لم نحصل على شيء من حضورنا المستمرّ وسماعنا المحاضرات، ولم ننل من فترة الصّيام أيّ خير لأنفسنا: فلن يُجدي هذا نفعًا لنا، بل سيزيد من إدانتنا، إذ نبقى على حالنا رغم عناية الكنيسة بنا."
"إذا لم نتغلّب على الأهواء التي تنشأ فينا، ونحن نأتي إلى هنا كلّ يوم، ونستمع باستمرار إلى هذا الكمّ الهائل من التّوجيهات، ونتلقّى العون من الصّيام، فأين ستكون المغفرة لنا، وأين سيكون التّبرير؟"
"الصائم المحترم هو من يمتنع عن الزّنا والفجور وكلّ ما هو نجس. الصّائم المحترم هو من يتخلّص من الغضب والسّخط والحنق والانتقام. الصّائم المحترم هو من يضبط لسانه ويتجنّب الكلام الفارغ واللّغة البذيئة والخطاب التّحريضيّ والافتراء والإدانة والتّملّق والكذب وكلّ أنواع الكلام البذيء. الصّائم المحترم هو من يكبح جماح يديه عن السّرقة والنّهب والابتزاز، وقلبه عن التّطلّع إلى ممتلكات الآخرين.
بإختصار: الصّائم الصّالح هو من يبتعد عن كلّ شرّ. أترى يا أيّها المسيحيّ ما هو الصّيام الصّادق! إنّ الصّيام الجسديّ مفيد لنا لأنّه يساعدنا على كبح جماح الشّهوات. لكنّ الصّيام الصّادق ضروريّ لا رجعة فيه، لأنّ الصّيام الجسديّ بدونه ليس إلّا امتناعًا عن الطّعام والشّراب.
كثيرون يصومون في أجسادهم، لكنّهم لا يصومون في أرواحهم. كثيرون يصومون عن الطّعام والشّراب، لكنّهم لا يصومون عن الشّرّ." الأفكار والأفعال والأقوال. وما فائدة ذلك لهم؟ كثيرون يصومون يومًا أو يومين أو أكثر، لكنّهم لا يصومون عن الغضب والحقد والانتقام. كثيرون يمتنعون عن الخمر واللّحم والسّمك، لكنّ ألسنتهم تعضّ من يشبههم. وما فائدة ذلك لهم؟ غالبًا ما لا يتعلّق هذا الوجود بالأيدي بالطّعام، بل يمتدّ إلى الابتزاز والنّهب والطّمع في ممتلكات الآخرين. وما فائدة ذلك لهم؟ الصّوم الحقيقيّ البسيط هو الامتناع عن كلّ شرّ.
لذلك، أيّها المسيحيّ، لكي يكون الصّوم نافعًا لك، صم جسديًّا، صم بصدق، وصم دائمًا. إذا فرضت صومًا على معدتك، فافرضه أيضًا على الأفكار الشّريرة وأهوائك. نعم، صم فكريًّا عن الأفكار الباطلة. نعم، صم بذاكرتك عن الحقد. نعم، صم بإرادتك عن الطّمع. نعم، صم بعينيك عن المعرفة السّيئة. "أغضّوا أبصاركم لئلّا تتعلّم الباطل". نعم، صُم بآذانكم عن الأغاني المُفسدة والنّميمة الباطلة. نعم، صُم بألسنتكم عن الافتراء، والحكم، والتّجديف، والكذب، والتّملّق، والكلام البذيء، وكلّ كلمة باطلة وفاسدة.
نعم، صُم بأيديكم عن القتل ونهب أموال الأجانب. نعم، صُم بأرجلكم عن ارتكاب الأعمال الشّريرة. "ابتعدوا عن الشّرّ وافعلوا الخير» (مزمور ٣٣: ١٥؛ ١ بطرس ٣: ١١).
هذا هو الصّوم المسيحيّ الأرثوذكسيّ الذي يطلبه منّا إلهنا! لذلك، توبوا إلى اللّه، وامتنعوا عن كلّ كلمة شريرة، وفعل شرير، وفكر شرير، وتعلّموا كلّ فضيلة، واحرصوا على الصّيام أمام اللّه دائمًا.
يقول القدّيس يوحنّا كاسيان: "يبذل العامل جهدًا للحصول على الأدوات التي يحتاجها، لا لمجرد امتلاكها دون استخدامها، ولا يجد أيّ فائدة في مجرّد امتلاكها. إنّما يسعى، بمساعدتها، إلى تحقيق الهدف المنشود الذي تُعدّ هذه الأدوات الوسائل الفعّالة لتحقيقه. وبالمثل، فإنّ الصّيام والسّهر والتّأمّل في الكتب المقدّسة والتّجرّد من الملابس والحرمان التامّ لا تُشكّل الكمال، بل هي وسائل للوصول إليه. فهي ليست غاية في حدّ ذاتها، ولكنّ الغاية تُنال من خلالها." و"الصّيام والعبادات، ودراسة الكتاب المقدّس، والتّخلّي عن الممتلكات وكلّ ما هو دنيويّ، ليست في حدّ ذاتها كمالاً، كما ذكرنا؛ إنّما هي أدواته. فالكمال لا يُوجد فيها، بل يُكتسب من خلالها. لذلك، لا جدوى من التّباهي بصيامنا وعباداتنا وفقره وقراءة الكتاب المقدّس ما لم نبلغ محبّة اللّه ومحبّة إخواننا. فمن بلغ المحبّة، كان اللّه في داخله، وعقله دائمًا مع اللّه".
سُئل الشّيخ، أبا موسى: "ما فائدة الصّيام واليقظة التي يفرضها الإنسان على نفسه؟" فأجاب: "إنّها تُذلّل النّفس. فقد كُتب: 'انظر إلى تواضع تعبي، واغفر لي جميع خطاياي' (مزمور ٢٤: ١٨). فإذا بذلت النّفس كلّ هذا العناء، فإن اللّه سيرحمها."
كتب القدّيس إسحق السّوريّ: الصّيام كسلاح في الحرب الرّوحيّة. بدأ المخلّص عمل خلاصنا بالصّوم. وبالمثل، يبني كلّ من يسير على خطى المخلّص بداية مسعاه على هذا الأساس، فالصّوم سلاحٌ وضعه اللّه. فمن ذا الذي يُعفى من اللّوم إن أهمله؟ إذا كان واضع الشّريعة نفسه يصوم، فكيف يُعفى أحدٌ ممّن عليه طاعة الشّريعة من الصّوم؟ لهذا السّبب لم يعرف الجنس البشريّ نصرًا قبل الصّوم، ولم يُهزم الشّيطان قطّ بطبيعتنا كما هي؛ بل إنّ هذا السّلاح قد سلب الشّيطان قوّته منذ البداية.
كان ربّنا هو القائد والمثال الأوّل لهذا النّصر، ليضع أوّل تاج للنّصر على رأس طبيعتنا. ما إن يرى الشّيطان من يمتلك هذا السّلاح، حتّى يتسلّل الخوف إلى خصمنا ومعذّبنا، الذي يتذكّر هزيمته على يد المخلّص في البرّيّة؛ فتُدمر قوّته على الفور، ويحرقه مشهد السّلاح الذي وهبنا إيّاه قائدنا الأعلى. إنّ الرّجل المتسلّح بسلاح الصّيام يكون دائمًا متّقدًا حماسةً. من يثبت عليه، يحافظ على ثبات عقله واستعداده لمواجهة كلّ الأهواء الجامحة وصدّها."
