الأب محفوض: عيد الصّعود الإلهيّ…
"يُعدّ عيد صعود ربّنا يسوع المسيح أحد الأعياد الإثني عشر الكبرى للكنيسة الأرثوذكسيّة. في هذا اليوم، نحتفل بإتمام عمل المسيح من أجل خلاصنا، ودخول ربّنا المجيد إلى السّماء بصورته البشريّة، وجلوسه عن يمين الآب، ووعده لنا بالتّمجيد معه.
يُحتفل بعيد الصّعود في اليوم الأربعين بعد أحد الفصح، إذ نقرأ في الكتاب المقدّس أنّ يسوع، بعد قيامته المجيدة، استمر في الظّهور لتلاميذه لمدّة أربعين يومًا، متحدّثًا إليهم عن ملكوت اللّه. وفي اليوم الأربعين، اصطحب ربّنا تلاميذه إلى قمّة جبل الزّيتون، ومن هناك صعد إلى مجده السّماويّ كما تنبّأ النّبيّ زكريّا: "في ذلك اليوم تستقرّ قدماه على جبل الزّيتون الذي هو مقابل أورشليم من جهة الشّرق" (14: 4).
في سفر أعمال الرّسل، نقرأ أنّ التّلاميذ كانوا ينظرون إلى يسوع المسيح وهو يُرفع، ولكن فجأةً "حجبته سحابة عن أنظارهم" (أعمال ١: ٩). وهكذا تحقّق حرفيًّا الوعد الذي قطعه يسوع لليهود بأنّهم "سيرون ابن الإنسان يصعد إلى حيث كان من قبل" (يوحنّا ٦: ٦٢). لقد رُفع ربّنا حقًا "في المجد" (١ تيموثاوس ٣: ١٦).
ما هو الصّعود؟ لماذا يُحتفل به؟ لماذا تُخلّد الكنيسة ذكراه؟ صعود الرّبّ هو الحدث قبل الأخير من المجيء الثّاني. لأنّ حدثًا واحدًا ينقص هذا الحدث برمّته الذي جاء فيه اللّه إلى العالم من أجل الإنسان. ما هو هذا الحدث؟ إنّه "سيعود في مجده ليدين الأحياء والأموات". بهذا ينتهي حدث التّجسّد بأكمله. يخبرنا الشّهيد الأوّل استفانوس عندما كان يُرجم. بأنّه سيعود المسيح يومًا ما، والويل لمن لا يطيعونه ولا يتحمّلون عدله.
صعود الرّبّ يعني تأليه الإنسان، صعود الطّبيعة البشريّة إلى المجد الإلهيّ، إلى كرامة وشرف لم يسبق لهما مثيل. يقول كتاب "الخمسيني": "وبرحمتك أصعدت طبيعتنا الفانية ووضعتها مع الآب"، بينما يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب إنّه من خلال صعود المسيح، "ارتقت طبيعتنا البشريّة فوق الملائكة، وتجاوزت رؤساء الملائكة، والكروبيم والسّرافيم، ولم تتوقّف حتّى جلست على عرش اللّه".
تُبيّن لنا صلاة الغروب في عيد صعود الرّبّ أنّ صعود الرّبّ هو سبيل تحقيق الانفصال التّامّ عن ظلام الموت والجحيم، وبلوغ نور الحياة الأبديّة السّماويّ، أيّ ارتقاء الطّبيعة البشريّة في محبّة الثّالوث الأقدس، واستقبالها على عرش المجد الإلهيّ: "تتعجب الملائكة لرؤية البشر أعلى منهم. يستقبل الآب في حضنه من كان دائمًا في حضنه. يأمر الرّوح القدس جميع ملائكته: إرفعوا أيّها الرّؤساء أبوابكم! صفّقوا بأيدي جميع الأمم! لأنّ المسيح صعد إلى حيث كان من قبل."
فالمسيح لا يعود إلى السّماء، ولا يُقدِّم نفسه لأبيه بصفته إلهًا فحسب، بل بصفته إنسانًا أيضًا، ليجعلنا نحن البشر أبناء اللّه بنعمته في مجد ملكوت السّماوات (يوحنّا 1: 12 و17: 24). وبالتّالي، فإنّ الغاية النّهائيّة للكنيسة هي ملكوت الثّالوث الأقدس السّماويّ، الذي يُحتفل به كبشارة في الأسرار المقدّسة وفي مجمل الحياة اللّيتورجيّة للكنيسة الأرثوذكسيّة. ولهذا يُقال: "الكنيسة ممتلئة بالثّالوث الأقدس" (أوريجانوس)، وهي "مدخل ملكوت السّماوات" (القدّيس نيكولاس كاباسيلاس). ويقول ترنيم ليتورجيّ: "بينما نقيم في كنيسة مجدك، نشعر وكأنّنا في السّماء" (صلاة السّحر
يقول الأب المغبوط يوحنّا رومانيدس: "إنّ صعود المسيح على سحابة من المجد غير المخلوق". قد يتخيّل البعض أنّ المسيح، عند صعوده، بدأ يرتفع على سحابة كما لو كانت مِصْعَدًا. وسيقول البعض: "كيف يُعقل أن يجلس إنسان على سحابة؟". فسيقول: "أنظروا، لقد صنع يسوعنا الحبيب هذه المعجزة أيضًا! جلس على سحابة وصعد إلى السّماء". وسيصدّق ذلك.
لكن بحسب آباء الكنيسة، فإنّ هذه "السّحابة" ليست سحابة مخلوقة، وليست كتلة من قطرات الماء. إنّها مجد اللّه الأزليّ. في الكتاب المقدّس، يُطلق على مجد اللّه "سحابة" و"نور" و"نار". عندما يذكر الكتاب المقدّس كيف سار "عمود النّار" و"عمود السّحاب" أمام بني إسرائيل في الصّحراء، فإنّه يشير إلى الظّاهرة نفسها - مجد اللّه (أنظر سفر العدد 14: 14). لذا، لم يصعد المسيح في سحابة من قطرات الماء أو عليها، ولم يصعد إلى السّماء كما لو كان يركب مصعدًا. بل صعد في مجد، كما تنصّ عليه بوضوح ترنيمة الوداع لعيد التّجلّي. بعبارة أخرى، اختفى المسيح ببساطة في وسط المجد الأزليّ أمام أعين الرّسل."
