قديسو اليوم : 21 كانون الثاني 2016
ولما اثار الملك الاضطهاد على المسيحيين، قبضوا على سيبستيانوس وعلى فارسَيْن رومانيَّين أخوَين هما مرقس ومرشلينوس، لانهما لم يضحِّيا للاصنام. عندئذ ظهر المخلص محاطاً بنور سماوي، ومعه سبعةُ ملائكة. فدُهِش الحاضرون من هذا المشهد العجيب. فآمن كاتب المحكمة وستون شخصاً، بل آمن والي المدينة ايضاً، وجعل بيته معبداً يجتمع فيه المؤمنون لصلاة، واستُشهد معظمهم.
استشاط الملك غيظاً، وامر ان يُشدَّ على خشب، ويُرشق بالسهام، فبدأ الجند يرمونه بالنبال حتى اثخنوه جراحاً، وجرت دماؤه سيلاً. فظنّوه قد مات، فتركوه ومضَوا. فأتت ايرينا التقية ارملة الشهيد كالستولوس ليلاً، فأخذته الى بيتها، واعتنت به اياماً حتى اندملت جراحه.
فأشار عليه اصدقاؤه بان يختبىء، فأبى إِلا الظهور، ومضى ينتظر قدوم الملك الى الهيكل، فتصدَّر السلَّم ولما وصل الملك قال له:" مولاي، ان كهنتكم يخدعونكم بقولهم: إِن النصارى اعداؤكم. وهم يصلُّون لاجلكم ومن اخلص المواطنين للمملكة".
فدهش الملك، اذ رآه حياً، واغتاظ من كلامه. فأمر به فضربوه بقساوة وحشية حتى اسلم روحه الطاهرة بيد خالقها مكلَّلة بغار الشهادة سنة 288. صلاته معنا. آمين.
القديس مكسيمس المعترف (بحسب الكنيسة السريانية الكاثوليكية)
من الكواكب الرهبانة اللامعة في القرن السابع. ولد في القسطنطينية سنة 580، من أسرة غنية، وأضحى من جهابذة الأعلام. فاختاره هرقل رئيساً لديوانه، وصار صاحب الرأي، يتسابق الأمراء الى نيل رضاه. لكنه كان في الوقت نفسه رجل الواجب مع الله والناس. لكن تأمله الدائم في غرور الحياة وسرعة زوالها حمله على ترك كل شيء والذهاب الى دير قريب من العاصمة يدعى خريسوبولي (أي مدينة الذهب) حيث تنسّك.
عكف على النسك بثبات، وما لبث أن اختاره الرهبان للرئاسة. فكان المدبّر الحازم والأب العطوف. وبينما كانت الجيوش الفارسية تهاجم القسطنطينية، اضطرّ مكسيمس أن يترك ديره وخلوته ويهرب مع اثنين من تلاميذه الى أفريقيا ليمارس هناك حياة العزلة والصلاة ومناجاة الله. وكانت بدعة المونوثليين القائلين بالمشيئة الواحدة في المسيح قد سرى سمّها في الشرق، وكان صفرونيوس بطريرك أورشليم يحاربها. فاندفع مكسيمس يهاجمها ويدافع عن إيمان الكنيسة. وبعد موت صفرونيوس بطريرك أورشليم سنة 638 تألّب البطاركة والملك على مكسيمس فلم يسكت ولم تثنِ التهديدات عزمه. وجادل يوماً في أفريقيا البطريرك بيرس الهرطوقي علناً فأفحمه أمام الشعب سنة 645. لأنه أضحى حامل العلم الأول في ميدان الدفاع عن الإيمان القويم، صوّب الهراطقة سهامهم إليه. والتأمت مجامع عديدة في أفريقيا حضرها مكسيمس، وذهب الى روما. فعقد البابا مرتينس مجمعاً حافلاً في كنيسة اللاتران سنة 649، وحرم تلك البدعة والبطاركة سرجيوس وبيرس وبولس وكيرس، وأنحى باللائمة على مرسومَي الملكين هرقل 638 وكونستان 648.
واجتاح الفرس البلاد، ووصلت طلائعهم الى العاصمة. ثم عقبهم العرب فاحتلوا البلاد الشرقية كلها. فسكتت الدنيا المسيحية الشرقية وأغلقت المدارس الكبرى في الإسكندرية وانطاكية وقيصرية وبيروت والرها، وصمتت الأصوات التي دوّت في هذه المدارس. وفي أوائل القرن السابع، شعر ملوك القسطنطينية وبطاركتها بأن زمام الأمور أوشك أن يُفلت من أيديهم وأن المنوفيزية القائلة بالطبيعة الواحدة في المسيح فصلتهم عن الشعوب الشرقية، فراحوا يفتشون عن مخرج لهم من حرجهم هذا. فاتفق سرجيوس بطريرك القسطنطينية وهرقل ملكها مع بولس رئيس الأرمن المنوفيزيين على حل وسط، وهو أن يقبل البيزنطيون بالقول بمشيئة واحدة أو بعزم وفعل واحد في المسيح، وأن يقبل النوفيزيون بالطبيعتين في المسيح بحسب المجمع الخلقيدوني 451. وفي سنة 626 اتفق على هذا الرأي سرجيوس بطريرك القسطينطينية وأثناسيوس بطريرك الأرثوذكس وكيرس بطريرك الإسكندرية. وأوهموا البابا هونوريوس أن صفرونيوس ورهبان فلسطين ينسبون الى المسيح مشيئتين متناقضتين.
في غضون ذلك سار هرقل على رأس الجيوش الرومانية فدحر الفرس وجلاهم عن مصر وسوريا وآسيا. ثم ظهر العرب، فأراد هرقل أن يجعل حدّاً للمشاحنات الدينية ليتفرّغ للدفاع عن المملكة، فأصدر مرسوماً فيه منع الكلام عن مشيئة أو مشيئتين سنة 638 ودعا مرسومه Ecthèse "شرح الإيمان". فقام مكسيمس وحارب المرسوم وثار الغرب على الملك وعلى البطريرك سرجيوس الذي أوحى للملك بالمرسوم.
ومات هرقل سنة 641 وخلفه كونستان الثاني وأصدر مرسوماً شبيهاً بالأول سنة 648 دعاه "تيبون اي الأنموذج". فرفضته الدنيا بأسرها وعلى رأسها مكسيمس والبابا مرتينس. فصبّ الملك عليهما غضبه وأماتهما في المنفى. والتأم في أواخر القرن السابع المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية سنة 681 وحرم المونوثليين ومرسومَي هرقل وكونستان وسرجيوس وبيرس وبولس بطاركة القسطنطينية وبطريرك الإسكندرية... الخ.
سمع الملك كونستان بما حدث في أفريقيا وقرار مجمع اللاتران، وأن مكسيمس كان يتزعم تلك الحملة، فثار عليه وأرسل أمراً الى ازاركا النائب الملكي في مدينة رافنا بالقبض على مكسيمس. فأرسله مقيداً مع اثنين من تلاميذه وهما انسطاسيوس أبو كرساريوس (أي المسجّل) وانسطاسيوس الراهب الى القسطنطينية فبلغوها سنة 653.
وهجم الجند في الميناء على مكسيمس وعرّوه من ثياب الرهبانية وجرّوه عارياً مهاناً في الأزقة وكان فرحاً لأنه يتألم من أجل الإيمان. وليبرّروا موقفهم اتهموه بالخيانة العظمى للدولة، فساقوه أمام ديوان الملك بهذه التهمة. ولكن لم يثبت عليه شيء. فأعادوه الى السجن وأرادوا أن يقنعوه بوجوب الخضوع لإرادة الملك ومرسومه. فلم تنجح مساعيهم، وأرسلوه الى المنفى مع تلميذيه بعد أن فرّقوا بينهما وأذاقوهما العذاب على الطريق وتركوا مكسيمس في مدينة بتيسيا ورفيقيه في أمكنة أخرى.
وفي سنة 656 أرسل الملك الى مكسيمس ثاوذوسيوس مطران قيصرية من رؤساء البدعة وقنصلين من البلاط ليقنعوه بقبول المرسوم الملكي "التيبون". لكن الوفد أخفق في مهمته، واقتنع بكلام وبيان مكسيمس. وأمر الملك بإعادته الى دير القديس ثاوذوسيوس في أركا بالقرب من القسطنطينية وأعاد اليه تلميذيه وأرسل من يتملّقه بالوعود الخلاّبة فلم يلاقوا سوى إرادة لا تنثني. فهجموا عليه بلا حياء وأوسعوه ضرباً وشتماً. وأحضروه بعد أيام مع تلميذيه أمام محفل من الأساقفة وأمروه بأن يحرم البابا مرتينس والقديس صفرونيوس ويقبل "التيبون". فأبى وانبرى يبيّن ضلالهم فخلبهم بفصاحته. إلا أن حب الدنيا صمّ الآذان عن سماع الحق.
ولما أعيتهم الحيل رشقوه بالحرم الكبير وأمروا بقطع لسانه ويده اليمنى وكذلك فعلوا بتلميذيه، وأرسلوهم الى المنفى في بلاد لاتسيا (خراسان).
وقضى مكسيمس سنين طويلة في المنفى. ومنحه الرب النطق بأعجوبة فائقة ومات سنة 662.
القديس البار مكسيموس المعترف (بحسب الكنيسة الارثوذكسية)
ولد القديس مكسيموس المعترف لعائلة مرموقة في القسطنطينية سنة 580م. كان على ذكاء خارق وتمتّع بقدرة خارقة على التأمّلات الفلسفية السامية. درس فلمع وانخرط في السلك السياسي. عندما تولّى هيراكليوس العرش، سنة 610م، لاحظ مكسيموس وفطن إلى ما يتمتّع به من فهم وعلم وفضيلة فاختاره أمين سرّه الأوّل. لكن الكرامات والسلطة والغنى لم يطفئ فيه الرغبة. التي طالما احتضنها منذ الشبابية في أن يسلك في سيرة مطابقة للفلسفة الحق التي يدين بها. لهذا السبب، تخلّى عن وظيفته بعد ثلاثة أعوام وترهّب في دير والدة الإله في خريسوبوليس القريبة من القسطنطينية.
كان مكسيموس مزوّداً بأمرين أساسيّين قدّماه في مراقي الحياة الروحية: المعرفة التأملية للكتاب المقدّس وكتابات الآباء، ثم الرغبة العميقة في صعود سلّم الفضائل وصولاً إلى اللاهوى. لذا أخضع، بمعرفة، وثبات الأهواء بالنسك، والغضب بالوداعة. كما حرّر نفسه من استعباد الأهواء وغذّى ذهنه بالصلاة وارتقى، بسلام، معالي التأملات الإلهية. في صمت قلاّيته، إذ انعطف على لجّة قلبه، نظر في ذاته سرّ الخلاص بشأن كلمة الله الذي تنازل ليتّحد بطبيعتنا المقطوعة عن الله والمنقسمة على نفسها بسبب عشقها لذاتها. دافعُ السيّد هو حبّه للناس بلا حدود وقصده استعادة المحبة الأخوية بينهم وأن يفتح لهم سبيل الاتحاد بالله لأن الله محبة.
أمضى مكسيموس في الهدوئية ما يقرب من العشر سنوات، تحوّل بعدها برفقة تلميذ له يدعى أنستاسيوس إلى دير صغير للقدّيس جاورجيوس في كيزيكوس. هناك باشر بكتابة أولى مؤلّفاته وكانت عبارة عن مقالات نسكية تناولت الصراع ضد الأهواء، والصلاة، واللاهوى والمحبة المقدّسة. لكن أحداثاً عسكرية أجبرت الرهبان على مغادرة أديرتهم في القسطنطينية والجوار بعدما تعرّضت المنطقة لهجمات الآفار والفرس. مذ ذاك سلك القديس مكسيموس في التشرّد.
أقام في جزيرة كريت لبعض الوقت حيث شرع يقاوم لاهوتيين، من أصحاب الطبيعة الواحدة، دفاعاً عن الإيمان الأرثوذكسي القويم. ثم انتقل إلى قبرص ووصل أخيراً إلى قرطاجة، عام 632م، فالتقى القدّيس صفرونيوس الأورشليمي وانضمّ إليه. القديس صفرونيوس كان أحد كبار العارفين بالتراث الرهباني واللاهوتي، ومشهوداً له بأرثوذكسيته. كان، يومذاك، مقيماً هو وعدد من رهبان فلسطين في دير أوكراتا حيث التجأوا إثر استيلاء الفرس على أورشليم.
في تلك الفترة الممتدة بين العامين 626 و 634م، تسنّى لمكسيموس أن يعرض بعمق، لم يسبقه إليه أحد، لعقيدة التألّه مقدّماً الأسس الفلسفية واللاهوتية للروحانية الأرثوذكسية. ففي مقالات عميقة صعبة طالت مقاطع غامضة في الكتاب المقدّس وتعاطت الصعوبات الواردة في كتابات ديونيسيوس المنحولةوالقدّيس غريغوريوس اللاهوتي، وكذلك سرّ الشكر، في هذه المقالات تمكّن مكسيموس من وضع حصيلة (Synthèse) لاهوتية فخمة بشأن تألّه الخليقة. فالإنسان، كما قال، جعله الله في العالم كاهناً يقيم سرّ الشكر الكوني، وهو مدعو إلى جمع الكائنات المخلوقة كلها لتقريبها إلى الكلمة الإلهي. كل خليقة، في لغته، تُعرف بتسمية "كلمة"، ومجموع الخلائق "كلمات". وفي فهمه إن الإنسان يرفع "الكلمات" إلى "كلمة الله"، الذي هو مبدأها، في حوار محبّة حرّ من كل قيد. إذ يحقِّق الإنسان القصد الذي من أجله خُلق، وهو الاتحاد بالله، يأتي بكل الكون أيضاً إلى الكمال في المسيح الذي هو إله وإنسان معاً.
منذ أن ارتقى هيراكليوس سدّة العرش سعى إلى إعادة تنظيم الإمبراطورية البيزنطية المتزعزعة وإلى التحضير لهجوم معاكس ضد الفرس. بعض الإصلاحات الإدارية والعسكرية كان لا بد منه. وكان لا بد أيضاً من إعادة اللحمة بين المسيحيّين تجنباً لتحوّل أصحاب الطبيعة الواحدة نحو الفرس أو العرب. لهذا السبب كلّف الإمبراطور البطريرك القسطنطيني سرجيوس إعداد صيغة لاهوتية وسطية تكفل كسب رضى أصحاب المشيئة الواحدة دون أن تتنكّر للمجمع الخلقيدوني. وقد اقترح سرجيوس، في هذا الإطار، صيغة تقوم على أساس وحدانية الطاقة في المسيح يسوع. وفق الصيغة التوفيقية المقترحة، اعتُبرت طبيعة الرب يسوع البشريّة منفعلة لا فاعلة، ومحايدة لا مقدامة، فيما اعتبرت طاقتها الخاصة مستوعّبة من طاقة كلمة الله. وهذا لا يعني، على أرض الواقع، سوى القول بالطبيعة الواحدة ولو بشكل مموّه قضى باستبدال لفظة "الطبيعة" بلفظة "الطاقة". وفي السنة 630م عيّن الإمبراطور كيرُس بطريركاً على الإسكندرية. وكلّفه بتحقيق الوحدة مع أصحاب الطبيعة الواحدة الذي كان عددهم في مصر كبيراً. وما إن جرى توقيع اتفاق الوحدة هناك حتى خرج القديس صفرونيوس الأورشليمي عن صمته ودافع عن القول بالطبيعتين في المسيح يسوع. كما توجّه صفرونيوس إلى الإسكندرية فإلى القسطنطينية وتناقش وكيرُس وسرجيوس دون أن يكون من النقاش في الموضوع جدوى. على الأثر عاد صفرونيوس إلى أورشليم حيث استقبله الشعب المؤمن كمدافع عن الأرثوذكسية وجرى انتخابه بطريركاً جديداً في الوقت الذي اجتاح المسلمون العرب البلاد. وقد صدرت، عنه، للحال، رسالة حبرية حدّد فيها أن كلتا الطبيعتين في المسيح لها طاقتها الخاصة بها وإن شخص المسيح واحد فيما طبيعتاه اثنتان وكذلك طاقتاه.
الكلام على الطببعتين والطاقتين في المسيح يسوع وكذلك الجدل القائم. أوقف بأمر إمبراطوري. رغم ذلك دافع القديس مكسيموس من مقرِّه في قرطاجة عن قول صفرونيوس معلّمه، بطريقة ذكية. قال: "يحقّق المسيح بشرياً ما هو إلهي، من خلال عجائبه، ويحقّق إلهياً ما هو بشري، من خلال آلامه المحيية". ولكن ما أن أصدر هيراكليوس مرسوم الاكتيسيس سنة 638م وأكدّ حظر الكلام على الطاقتين فارضاً على الجميع الاعتراف بإرادة واحدة في المسيح (مونوثيليتية)، حتى خرج مكسيموس عن صمته وجاهر بالحقيقة جهراً. القديس صفرونيوس كان في تلك السنة قد مات واتجهت الأنظار، مذ ذاك، نحو مكسيموس الذي أخذ الجميع يعتبرونه كأبرز المتحدّثين رسمياً بلسان الأرثوذكسية. وكما حدث في زمن القديس أثناسيوس الكبير ومن بعده القديس باسيليوس الكبير، استقر حِمل الإيمان القويم بالدرجة الأولى على كاهل رجل واحد هو مكسيموس.
راسل مكسيموس أسقف رومية والإمبراطور وذوي الشأن في الإمبراطورية موضحاً لهم، في مقالات عميقة قيّمة، أن كلمة الله، لمحبته وتوقيره اللانهائيين لخليقته، اتخذ الطبيعة البشريّة في كلّيتها دون أن يغيّر شيئاً في حرّيتها. لذلك إذ كان هو حرّاً في التراجع أمام الآلام، أخضع نفسه، بملء إرادته كإنسان، للإرادة والقصد الإلهيّين فاتحاً لنا بذلك سبيل الخلاص بالخضوع والطاعة. وإذ اتحدت الحرّية الإنسانية بحريّة الله المطلقة في شخص الرب يسوع المسيح، وُجدت مستعادة في حركتها الطبيعية نحو الاتحاد بالله والناس بالمحبة. ما سمحت له خبرة الصلاة والتأمل أضحى باستشفافه أضحى بإمكان مكسيموس أن يقدِّمه مركِّزاً عقيدة تأليه الإنسان على قاعدة لاهوت التجسّد.
رقد البطريرك سرجيوس القسطنطيني، هو أيضاً، سنة 638م، فكان خلفه بيروس مروّجاً متحمّساً للهرطقة الجديدة. ورغم كل الضغوط التي مورست فإن فريقاً لا يستهان به من المسيحيّين قاوم المرسوم الإمبراطوري حتى إن هيراكليوس اعترف، قبل قليل من موته، سنة 641م، إن سياسته الدينية باءت بالفشل. أما بيروس فلم يلبث أن فرّ إلى إفريقيا حيث كانت له مواجهة علنية والقدّيس مكسيموس في قرطاجة في شأن شخص الرب يسوع (645م). وإذ عرض القدّيس لسرّ الخلاص بحجج دامغة، نجح في تبيان أضاليل البطريرك الذي اقترح أخيراً التوجّه شخصياً إلى رومية ليلقي الحرم على القول بالمشيئة الواحدة (المونوثيليتية) عند قبر الرسل القدّيسين. ولكن لم يحفظ بيروس كلمته، بل عاد إلى قينه وفرّ إلى رافينا. وقد قطعه ثيودوروس، أسقف رومية، ثم قطع خلفه على الكرسي القسطنطيني، بولس. إزاء هذا التطوّر خشي الإمبراطور البيزنطي قسطنديوس الثاني العاقبة، في المستوى السياسي، وأن يفضي تطوّر الأحداث إلى انشقاق الغرب عن الإمبراطورية، لاسيما بعد سقوط مصر في يد العرب، فعمد إلى نشر مرسوم التيّبوس (648م) الذي حرّم فيه على كل مسيحي، تحت طائلة العقاب الصارم، مناقشة موضوع الطبيعتين والمشيئتين. عليه بوشر بملاحقة الفريق الأرثوذكسي واضطهاده، لاسيما الرهبان وأصدقاء القديس مكسيموس. أما مكسيموس فالتحق بمرتينوس الأول، أسقف رومية، الذي عزم على دعم الإيمان القويم ودعا إلى عقد المجمع اللاتراني (649م) الذي أدان القول بالمشيئة الواحدة ونبذ المرسوم الإمبراطوري. فلما وصلت أخبار ما حدث للإمبراطور اغتاظ واعتبر أن في الأمر تمرّداً، فبادر إلى إرسال جيش إلى رومية لوضع حدّ للتدهور الحاصل (653م). أوقف العسكر مرتينوس الأسقف، وكان مريضاً عاجزاً، واستاقوه كمجرم إلى القسطنطينية حيث أُهين أمام الملأ وحُكم عليه بالنفي، ثم اقتيد إلى شرصونه حيث قضى شهيداً في حال يرثى لها، في أيلول من السنة 655م.
أما القدّيس مكسيموس فجرى توقيفه، بعد ذلك بقليل. وكذلك أوقف تلميذه الأمين أنستاسيوس وأنستاسيوس آخر كان مندوباً لأسقف رومية. أودع الثلاثة السجن أشهراً طوالاً قبل أن يمثلوا للمحاكمة. وُجِّهت إلى مكسيموس تهم سياسية بالدرجة الأولى. قالوا إنه ناهض السلطة الرسمية وبارك اجتياح العرب لمصر وإفريقيا. وقيل أيضاً إنه تسبَّب في بذر الشقاق في الكنيسة بسبب عقيدته. أجاب مكسيموس بهدوء، ولكن بثبات عزم، إنه يؤثر قطع الشركة وسائر البطاركة والموت على أن يخون الإيمان القويم. وقد حُكم عليه بالنفي واستيق إلى بيزيا في تراقيا فيما استيق أنستاسيوس وأنستاسيوس الآخر إلى موضعين آخرين.
بقي مكسيموس في المنفى طويلاً وكابد الأمرّين. أخيراً قرّر الإمبراطور فتح باب الحوار معه عسى أن يكسبه لأنه أدرك أنه ما لم ينجح في إقناع مكسيموس بالانضمام إلى حزبه فلن ينجح في كسب الرأي العام الأرثوذكسي. لهذا أوفد سفارة من ثلاثة أشخاص، أسقفاً يدعى ثيودوسيوس ونبيلين آخرين. فلما التقوه وجدوه سيّد قواه، ثابتاً على قناعته الأولى. ولما دخلوا معه في بحث لاهوتي في الموضوع المطروح فنّد حججهم ودحض مزاعمهم، فثارت ثائرتهم عليه وأمطروه شتماً وضرباً وانصرفوا.
بعد ذلك جرى نقل مكسيموس إلى بربريس حيث بقي محتجزاً وتلميذه أنستاسيوس ست سنوات، بانتظار محاكمتهما من جديد. وفي السنة 662م مثل أمام بطريرك القسطنطينية ومجمعه. سألوه: من أية كنيسة أنت؟ من القسطنطينية؟ من رومية؟ من أنطاكية؟ من الإسكندرية؟ من أورشليم؟ فها هم جميعاً متّحدون فيما بينهم. فأجاب مكسيموس: "إن الكنيسة الجامعة هي الاعتراف بالإيمان الصحيح والخلاصي بإله الكون". هُدِّد بالموت فأجاب: "ليتحقق فيّ ما رسمه الله من قبل الدهور لأعطي لله المجد الذي له من قبل الدهور!" فلعنوه وأهانوه وسلّموه لحاكم المدينة الذي حكم عليه بالجلد وقطع لسانه ويده اليمنى اللذين بهما اعترف بإيمانه. وبعدما استاقوه في شوارع المدينة مدمّى كله أودعوه قلعة في أقاصي القوقاز، في لازيكوس. هناك لفظ أنفاسه الأخيرة في 13آب 662م عن عمر ناهز الثانية والثمانين. وقد نُقل أن ثلاثة قناديل زيت كانت تشتعل على قبره من ذاتها كل ليلة.
تذكار أبينا البار مكسيموس المعترف (بحسب كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك)
إنَّ القدّيس مكسيموس سليل الأشراف في القسطنطينيّة. ولد فيها سنة 580، وشغل أسمى المناصب في البلاط الإمبراطوري. ثم اعتزل العالم وترّهب. وجاء روما سنة 646 وحثّ البابا القدّيس مرتينوس على عقد مجمع يوضح حقيقة الايمان ويقضي على ضلال القائلين بالمشيئة الواحدة في المسيح (649). وعكف هو على الكتابة في هذا الموضوع. وانتشرت كتاباته في الأوساط المسيحية كلها. وأثار هذا النضال الجريء حقد الإمبراطور كونستان أصل البدعة، ومن لفّ حوله من الأحبار، بينهم بولس بطريرك القسطنطينيّة. فألقى القبض على مكسيموس وحوكم في روما سنة 65 3. ونفي إلى ثراقية في اليونان سنة 655، ثم إلى القوقاز حيث اسلم الروح في 13 آب سنة 662.
وفي مثل هذا اليوم أيضاً: القديسة أغنس البتول الشهيدة
وُلدت أغنس في مدينة رومة العظيمة، من والدين شريفين، في أواخر القرن الثالث للمسيح. ومنذ طفولتها رضعت مع لبن أمّها الفاضلة التقيّة، حب التقوى والنقاوة والبتوليّة.
وكبرت الفتاة، فكانت حشمتها تزيد في جمالها وبهاء قوامها وإشراق طلعتها. فرآها يوماً إبن والي رومة، فأعزم بها، وراح يركض وراءها يخطب ودّها. وكانت لا تزال حديثة السن، لا تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها. فأغضت عنه ولم تكترث له. فبعث إليها بهدايا ثمينة من ذهب وجواهر، فاحتقرتها، وأعادتها إليه، وأرسلت تقول له: إنّي مخطوبة لشاب لديه من الحليّ والجواهر ما لا مثيل له عند أعظم وأغنى ملكٍ من ملوك الأرض. وهو من نسلٍ لا يدانيه نسلك، ومن نسبٍ لا نسب يفوقه في الدنيا. أمّه عذراء، وأبوه لا عروس له. الملائكة تسارع إلى خدمته، والكواكب تخر ساجدة أمام قدرته. يلمس المرضى فيشفيهم، ويأمر الأموات فيعودون إلى الحياة, فله وحده أحفظ الأمانة والعهود. وإذا أنا أحببته بقيت طاهرةً، وإذا عانقته لبثت نقيّة، وإذا إتّخذته لي عريساً حفظني بتولاً.
فجنّ الشاب جنونه لهذا الخطاب، ومرض وذبلت نضارته. فلمّا علم أبوه بالأمر بثّ العيون في أثر الفتاة، ليعرف ما يكون السبب الحقيقي في رفضها شاباً تتمنّى المئات من الفتيات أن يقع إختياره على واحدة منهنَّ لتنطرح بين يديه. فعرف أنّها مسيحيّة، وحسب أنّها تعيش تحت تأثير أوهام خياليّة لا طائل تحتها. فظنّ أنّه لا بد أن يظفر بها، لأنّها سوف تنقاد إليه صاغرة، إن بالوعد أو بالوعيد.
فأرسل والي رومة وأحضرها أمامه، وأخذ يتملّقها ويجهد النفس في كسب رضاها. فلم يفز منها بطائلة بل كانت تلك الفتاة الناعمة برجاً من عاج لا يتزعزع. فغضب، وأخذ يتوعّدها بأشد العقوبات لكي يخفيها، فلم تعبأ بتهديداته. فقال أنّه يسلّمها إلى العهارة بين أيدي شبّان الأزقّة. فهزئت به، وقالت أن ختنها يسوع لا يسمح لأيدٍ أثيمة بأن تمسّها. فأمر الوالي بأن تعرّى من ثيابها وتعرض للرعاع لكي يهينوها ويذلّوها. فأخذت تلك الحمامة السماويّة تصلّي وتتضرّع إلى الله، لكي يرسل ملاكه فيصونها ويدافع عنها.
فلمّا صارت إلى المكان المعد لإنتهاك حرمتها، إذا بنور سماوي يملأ الغرفة ويجلّلها، ويبهر الأبصار ويغمضها. فصار كل من دخل إليها يؤخذ بلمعان ذلك النور، فيتورّع ويرتدّ ويهرول خارجاً، وفرائصه ترتعد خوفاً ورهبة.
وأراد إبن الوالي نفسه أن يهاجم تلك البتول ويجرّب هو أيضاً حظّه معها. فدخل وهو يتهكّم بالذين كانوا يخرجون خائفين. لكنّه ما كاد ينظر إلى الفتاة حتى صرعه ذلك النور، ووقع مغشّياً عليه. فحُمل، وإذا به قد فارق الحياة. فلمّا نمي الخبر إلى أبيه أسرع يركض إليه، وترامى ينوح فوق جثّته. ثم قام وذهب إلى الفتاة، وأخذ يبتهل إليها أن تعيد له إبنه. فجثت البتول وأخذت في الصلاة والإبتهال. فعادت روح الشاب إليه. ثم فتح عينيه وجلس وأخذ يذيع عظائم الله وقدرة المسيح. فاستشاط كهنة الأوثان غضباً، وراحوا يهيجون الشعب ويصيحون: أقتلوا الساحرة، أقتلوها. فخاف الوالي ولمّا كان يخشى بأس الفتاة البتول، ترك الأمر لعناية وكيله إسباسيوس، وأخذ ولده وانصرف.
ولبث الكهنة يصيحون ويدفعون الشعب الصاخب على الصياح والجلبة. فأمر الوكيل بأن تحرق أغنس وسط لهيب مضطرم. فزجّت في النار، وهي تصلّي وتتضرّع إلاّ أن النيران إحترمتها وابتعدت عنها، ولم تؤذها. لكنّها أحرقت كل من حمله التطفّل على الدنو من الفتاة للتفرّج عليها. فلمّا انطفأت النار خرجت أغنس سالمةً معافاة. فازداد هياج الوثنيين على تلك التي أخزت مكائدهم، لأنّهم لم يريدوا أن يروا في العجائب الباهرة التي صنعها سوى السحر والشعوذة. فأكر الوكيل الوالي بأن يضربوا عنقها. ففعلوا. وهكذا فازت تلك الإبنة المباركة بإكليل الإستشهاد، وطارت تلك الحمامة البهيّة إلى الإعشاش العلويّة، فانضمّت الى طغمة العذارى عروسات المسيح، المالكات معه إلى الأبد.
عيد عرس قانا الجليل (بحسب الكنيسة القبطية الارثوذكسية)
هو عيد سيدى صغير.
في هذا اليوم تحتفل الكنيسة بتذكار الأعجوبة التي صنعها السيد المسيح في قانا الجليل. وهي الأعجوبة الأولى التي صنعها السيد المسيح بعد العماد. وكان قد دعي والقديسة مريم العذراء إلى العرس وكذلك بعض تلاميذه. ولما فرغت الخمر قالت السيدة العذراء ليس لهم خمر. قال لها يسوع ما لي ولك يا امرأة. لم تأت ساعتي بعد، ثم قالت أمه للخدام مهما قال لكم فافعلوه. وكانت ستة أجران موضوعة هناك. قال لهم يسوع أملوا الأجران ماء. فملئوها إلى فوق. ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ، فقدموا الخمر الذي تحول بأمره الإلهي فصار خمرا جيدا، كما شهد رئيس المتكأ إذ قال للعريس: "كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا ومتي سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن. هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل واظهر مجده فأمن به تلاميذه " له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس إلى الأبد امين.
وفي هذا اليوم أيضاً : استشهاد القديسة دميانة
في مثل هذا اليوم استشهدت القديسة دميانة. وكانت هذه العذراء العفيفة المجاهدة ابنة مرقس والي البرلس والزعفران ووادي السيسبان. وكانت وحيدة لأبويها. ولما كان عمرها سنة واحدة أخذها أبوها إلى الكنيسة التي بدير الميمة وقدم النذور والشموع والقرابين ليبارك الله فيها ويحفظها له. ولما بلغت من العمر خمس عشرة سنة أراد ان يزوجها فرفضت وأعلمته أنها قد نذرت نفسها عروسا للسيد المسيح. وإذ رأت ان والدها قد سر بذلك طلبت منه أيضًا ان يبني لها مسكنا منفردا تتعبد في هي وصاحباتها. فأجاب سؤالها. وبنى لها المسكن الذي أرادته، فسكنت فيه مع أربعين عذراء، كن يقضين اغلب أوقاتهن في مطالعة الكتاب المقدس والعبادة الحارة. وبعد زمن أرسل دقلديانوس الملك، واحضر مرقس والد القديسة دميانة وأمره ان يسجد للأوثان. فامتنع أولا غير انه بعد ان لاطفه الملك، انصاع لأمره وسجد للأوثان. وترك خالق الأكوان ولما عاد مرقس إلى مقر ولايته، وعلمت القديسة بما عمله والدها، أسرعت إليه ودخلت بدون سلام أو تحية وقالت له: ما هذا الذي سمعته عنك؟ كنت أود ان يأتيني خبر موتك، من ان اسمع عنك انك تركت عنك الإله الذي جبلك من العدم إلى الوجود، وسجدت لمصنوعات الأيدي. اعلم انك ان لم ترجع عما أنت عليه الآن، ولم تترك عبادة الأحجار، فلست بوالدي ولا انا ابنتك، ثم تركته وخرجت. فتأثر مرقس من كلام ابنته وبكي بكاء مرا، وأسرع إلى دقلديانوس واعترف بالسيد المسيح. ولما عجز الملك عن إقناعه بالوعد والوعيد أمر فقطعوا رأسه. وإذ علم دقلديانوس ان الذي حول مرقس عن عبادة الأوثان هي دميانة ابنته، أرسل إليها أميرا، وأمره ان يلاطفها أولا، وان لم تطعه يقطع رأسها. فذهب إليها الأمير ومعه مئة جندي وآلات العذاب. ولما وصل إلى قصرها دخل إليها وقال لها: انا رسول من قبل دقلديانوس الملك، جئت أدعوك بناء علي أمره ان تسجدي لألهته، لينعم لك بما تريدين. فصاحت به القديسة دميانة قائلة: شجب الله الرسول ومن أرسله، أما تستحون ان تسموا الأحجار الأخشاب آلهة، وهي لا يسكنها إلا شياطين. ليس اله في السماء وعلي الأرض إلا اله واحد. الآب والابن والروح القدس، الخالق الأزلي الأبدي مالئ كل مكان، عالم الأسرار قبل كونها، وهو الذي يطرحكم في الجحيم حيث العذاب الدائم، أما انا فإني عبدة سيدي ومخلصي يسوع المسيح وأبيه الصالح والروح القدس الثالوث الأقدس، به اعترف، وعليه أتوكل، وباسمه أموت، وبه أحيا إلى الأبد. فغضب الأمير وأمر ان توضع بين هنبازين وبتولي أربعة جنود عصرها فجري دمها علي الأرض. وكانت العذارى واقفات يبكين عليها. ولما أودعوها السجن ظهر لها ملاك الرب ومس جسدها بأجنحته النورانية، فشفيت من جميع جراحاتها. وقد تفنن الأمير في تعذيب القديسة ديانة، تارة بتمزيق لحمها وتارة بوضعها في شحم وزيت مغلي، وفي كل ذلك كان الرب يقيمها سالمة. ولما رأي الأمير ان جميع محاولاته قد فشلت أمام ثبات هذه العذراء الطاهرة، أمر بقطع رأسها هي وجميع من معها من العذارى العفيفات. فنلن جميعهن إكليل الشهادة. صلاتهن تكون معنا ولربنا المجد دائمًا أبديًا آمين.
وفي هذا اليوم أيضاً : نياحة القديس ثاؤفيلس الراهب
في مثل هذا اليوم تنيح القديس ثاؤفيلس الراهب، الذي كان الابن الوحيد لملك إحدى جزائر رومية، فرباه احسن تربية، وهذبه بالآداب المسيحية. ولما بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، قرأ رسائل لسان العطر بولس، فوجد في الرسالة إلى العبرانيين فوله: "أنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسموات هي عمل يديك. هي تبيد ولكن أنت تبقي وكلها كثوب تبلي. وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت وسنوك لن تفني " وقرأ في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "حسن للرجل ان لا يمس امرأة. ولكن لسبب الزنا ليكن لكل وحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها... لأني أريد ان يكون جميع الناس كما انا... وأظن انا أيضًا عندي روح الله " وقرا أيضًا في الإنجيل المقدس قول سيدنا: "ان أردت ان تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني " فترك بيت أبيه وكل ما له، وخرج متنكرا، وصار يتنقل من دير إلى دير، إلى ان وصل الإسكندرية، ومنها مضي إلى دير الزجاج. فلما رآه القديس بقطر رئيس الدير، علم من النعمة التي فيه انه من أولاد الملوك، فتلقاه ببشاشة وباركه، ثم استفسر عن أمره فاعلمه به. فتعجب الآب ومجد الله وقبله في الدير. ولما رأي نجاحه في الفضيلة ونشاطه، البسه الإسكيم المقدس. وبعد عشر سنين، آتى جند من قبل أبيه وآخذوه رغما عن رئيس الدير. فلما وصل إلى أبيه لم يعرفه لان النسك كان قد غير شكله، فعرفه القديس بنفسه ففرح كثيرا بلقائه. وشرع القديس في وعظ أبيه مبينا له حالة الموت والحياة وهول الدينونة وغير ذلك حتى اثر كلامه في قلب والده. فنزع التاج عن رأسه تاركا الملك لأخيه. وذهب هو وامرأته والقديس ثاؤفيلس ابنهما إلى دير الزجاج حيث ترهبا وأقام مع ولده. أما والدته فقد ترهبت بدير الراهبات. وعاش الجميع بالنسك والعبادة ة عمل الفضائل حتي أخر أيامهم. ولما اكملوا جهادهم الصالح تنيحوا بسلام.
