دينيّة
30 كانون الثاني 2026, 14:00

عيد المعلّم الأرثوذكسيّ

تيلي لوميار/ نورسات
في الشّهر الأوّل من السّنة الجديدة، شهر كانون الثّاني/ يناير، تحيي الكنيسة الأرثوذكسيّة عيد الآباء القدّيسين: باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللّاهوتيّ، ويوحنّا فم الذّهب. وفي الثّلاثين من الشّهر الجاري تحتفل الكنيسة بعيد مشترك "جامع" للأقمار الثّلاثة. ولمعرفة المزيد عن هذا العيد، يشرح خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض:

"شهر كانون الثّاني، شهر الآباء القدّيسين. يبدأ بشخصيّة باسيليوس الكبير وينتهي بالاحتفال المشترك بأعظم ثلاثة من أنوار الألوهيّة الثّلاثيّة: باسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللّاهوتي، ويوحنّا فم الذّهب.

إنّها معاقل التّقوى ولوح كتابة الرّوح القدس. إنّها أزهار الفردوس العطرة، والصّدور التي تدفّق منها لبن الخلاص، وفقًا لتعبير كاتب التّرانيم المقدّسة.

ولا يُعدّ هذا إحياءً لذكرى وفاتهم بالمعنى الدّقيق للكلمة، أيّ ذكرى وفاتهم، بل هو عيدٌ مشترك، أو "جامع".

يعود أصل الاحتفال في 30 كانون الثّاني إلى فترة لاحقة، ولذلك لا نجده في أقدم تقاويم الأعياد. وقد أُسّس في القرن الحادي عشر، خلال عهد الإمبراطور ألكسيوس كومنينوس (1081-1118).

وحدد يوم 30 كانون الثّاني موعدًا للعيد. ورأى أنّه هو الشّهر الأنسب لإحياء ذكراهم المشتركة، لأنّ الثّلاثة يحتفلون في ذلك الشّهر: 1 كانون الثّاني عيد باسيليوس؛ 25 كانون الثّاني عيد غريغوريوس؛ و27 كانون الثّاني ذكرى نقل رفات يوحنّا فم الذّهب.

قدّم الأساقفة الثّلاثة الذين نحتفل بذكراهم اليوم، حلًّا للمشكلة التي طرحها الفلاسفة. وبهذا الحلّ، منحنا الآباء المسيحيّون الأرثوذكسيّون فكرًا أرثوذكسيًّا جديدًا، يستمدّ من المسيح منطلقه وإلهامه، فكرًا منح العالم، بُعدًا مسكونيًّا جديدًا. ويتلخّص حلّ مشكلة الوجود الإنسانيّ، الذي قدّمه آباء الكنيسة، في كلم، أو إعادة الإنسان إلى صورة الله، المفعمة بحياة الخلود. وقد علّم الأساقفة الثّلاثة أنّ الإنسان خُلق لغاية سامية: مشاركته في الحياة الإلهيّة الأبديّة لله، وكلّ ذلك مُعبَّر عنه بكلمة  (θέωσις)تألّه.

كان الإنسان ولا يزال خيرًا في جوهره، لأنّه خُلق كذلك. جسده ليس سجنًا، وحلّ خلاصه من الفساد هو القيامة من القبر. كذلك، روحه ليست في تناقض مع جسده، بل هي مخلوقة لأجله. لا يمكن للرّوح أن تبقى عارية، كما لو كانت بلا لباس جسديّ، لأنّ الإنسان كيان متكامل نفسيًّا وجسديًّا. إنّ تدمير هذا التّكامل أو زواله يعني فقدان الإنسان، وفقدان الإنسان يعني فقدان العالم.

لا يتطلّب هذا الرّثاء حلاً لمشكلة الوجود التي أوجدها الموت سوى عودة الرّاقدين إلى الحياة: استعادة السّلامة النّفسيّة والجسديّة للإنسان.

ولكن هنا تبرز أيقونة الآباء الثّلاثة المقدّسة. فهم يظهرون لنا كشهود على الخلود. إنّهم أنوار الإيمان بالمسيح، الذي يمنحنا اليقين بالقيامة. إذا كانت مأساة الحياة البشريّة متجذّرة في تجربة الألم والشّرّ والموت، فإنّ حلّ تلك المأساة متجذّر في الإيمان والمحبّة والرّجاء في المسيح. وهكذا، أنقذوا العالم القديم من قلق ومثاليّة الاستسلام للقدر والغرور.

نجد مرّة أخرى الإرث العظيم للآباء الثّلاثة باعتباره أعظم نعمة. هؤلاء الآباء يحملون مفتاح حياتنا المعاصرة، مفتاح المسيح، مفتاح نعمة الله التي تُطهّر وتُنير وتُؤلّه إنسانيّتنا، وتقودها إلى ملكوت الله الأبديّ للحياة والحقّ والمجد.

أمّا من ناحية التّربية، بحسب القدّيس باسيليوس الكبير، فإنّ السّنوات السّبع الأولى من حياة الإنسان بالغة الأهميّة في تحديد مسار تربيته اللّاحقة. ويرى القدّيس يوحنّا فم الذّهب أنّ تربية الأطفال لا ينبغي أن تقتصر على التّعليم والفنون فحسب، بل على تهذيب النّفس الصّالحة بالتّقوى. ويؤكّد أنّ هذا يتحقّق ما دامت النّفس مرنة وقابلة للتّشكيل والإلهام على النّحو الأمثل.

ويولي فم الذّهب نفسه اهتمامًا خاصًّا باللّسان، لأنّه يجب على الطّفل الصّغير أن يتعلّم قول الكلمات بصدق وتواضع ونقاء وجمال، وليس، وفقًا للرّسول بولس الذي كان يحبّه كثيرًا، كلمات مهينة ومحتقرة ومجدفة ومخزية.

كما يهتمّ القدّيس يوحنّا فم الذّهب اهتمامًا كبيرًا بالاستماع. فهو يصرّ على الاستماع إلى الخطابات الإلهيّة برغبة واهتمام، فضلاً عن المشاركة في العبادة الإلهيّة في الكنيسة.كما يوصي بممارسة التّمارين الرّياضيّة التي تؤدّي إلى الفضيلة. فالرّياضة تُعدّ رياضة تُسهم في اليقظة.

إنّ غضب الكبار من أخطاء الشّباب لا يُجدي نفعًا في الغالب. وقد جادل غريغوريوس اللّاهوتيّ بأنّ الخضوع للعقل قد يكون أكثر فائدة من الغضب المفرط. وينتقد القدّيس نفسه بشدّة الغضب الشّيطانيّ، قائلاً إنّ الغضب ينطق بكلمات جارحة تُسبّب جروحًا، والجروح تُسبب صدمات، والصّدمات تقتل.

ينتقد باسيليوس الكبير المشاهد المشينة التي تغذّي الخيال بالفحش والأغاني الإباحيّة، ممّا يجعل النّفوس قبيحة.

وبحسب القدّيس يوحنّا فم الذّهب، فإنّ الصّيام، وحضور الكنيسة، والصّلاة تُقوّي الشّباب روحيًّا. هذه الأمور أساسيّة في حياة الشّاب. يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: "استمتعوا بالاستحمام، وتناولوا الطّعام، واشربوا الخمر باعتدال، بل تناولوا اللّحم أيضًا، لا أحد يمنعكم، جرّبوا كلّ شيء، فقط ابتعدوا عن الخطيئة!"

ويعترف باسيليوس الكبير نفسه بأنّ تعليمه حول مفهوم الله جاء من والدته إميليا وجدته ماكرينا. وفي خطبته الشّهيرة للشّباب، اعتبر التّعليم الكلاسيكيّ مفيدًا للوصول إلى الحكمة الحقيقيّة للإنجيل.

ويبارك القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ والديه على تربيته، وخاصّة والدته نونا. ويقدّم صورة رائعة عن الدّور المهمّ للتّربية الحسنة من خلال القدوة الحسنة. يكتب: "إذا كان الطّفل يمشي جانبًا كالسّلطعون، فذلك لأنّه تعلّم المشي من أمّه".

من المعروف أنّ كلّ من هو حكيم حقًّا يقول في حياته: "لا أعرف".

ثمّة حاجة لتنمية روح التّضحية والعطاء من خلال القدوة الحسنة للبالغين، وثمار نقاء أنفسهم وحياتهم الرّوحيّة. علينا جميعًا أن نولي مزيدًا من الاهتمام للأطفال والشّباب. سيستفيد الشّباب من اكتساب القيم الأخلاقيّة، والاقتداء بنماذج حسنة تُنمّي شخصيّاتهم وأخلاقهم، وبناء علاقات سليمة ومقدّسة وجميلة مع آبائهم ومعلّميهم وزملائهم وأصدقائهم.

إذًا علّموا الآباء الثّلاثة، من خلال حياتهم المقدّسة، ونشاطهم الاستثنائيّ، وكتاباتهم الحكيمة. فيهم، تجسّد المثل المسيحيّ لـ "صورة الله ومثاله" في صورة أناسٍ تشكّلوا وولِدوا من جديد في المسيح.

لقد كانوا حكماء في أمور الدّنيا كما في أمور الله. لم يُقدَّم للعالم قطّ انسجامٌ أروع بين الحضارة المسيحيّة الأرثوذكسيّة في كمالها. ولهذا السّبب أصبح عيدهم عيدًا للتّعليم المسيحيّ والأرثوذكسيّ، وكان الأساقفة الثّلاثة معلّمين وقدوة لهم.

مع حلول عيد الآباء الثّلاثة في نهاية شهر يناير، وهو الشّهر الذي نحيي فيه ذكرى العديد من الأساقفة والمعترفين والنّسّاك الأجلّاء، تُعيّد الكنيسة، بطريقة ما، إحياء ذكرى جميع القدّيسين الذين شهدوا للإيمان الأرثوذكسيّ بكتاباتهم وحياتهم.

هذا هو معنى وهدف تكريم القدّيسين في كنيستنا: إظهار الشّركة الدّائمة التي لا تنفصم بين أعضاء الكنيسة، شركة المؤمنين الأحياء بالمسيح، سواء أكانوا هنا على الأرض أم في حالة النّعيم في السّماء. مجتمع لا موتى فيه، بل أحياء فقط، إذ أنّ جميع أعضائه قد اتّحدوا، من خلال الأسرار، بالمسيح، مانح الحياة الأبديّة الخالدة.

فأخيرًا : في هذا العيد، نُكرّم خدمة التّعليم الكاملة للكنيسة المقدّسة، ألا وهي إنارة قلوب وعقول المؤمنين بكلمة الحقّ. لذا، فإنّ عيد الآباء الثّلاثة هو في الواقع تذكار لجميع آباء الكنيسة، أولئك النّماذج المثاليّة للكمال الإنجيليّ الذين أقامهم الرّوح القدس عبر العصور وفي كلّ مكان ليكونوا أنبياء ورسلاً جددًا، مرشدين للنّفوس نحو السّماء، ومعزّين للشّعب، وأعمدة صلاة متّقدة، تدعم الكنيسة وتثبتها في الحقّ."