دينيّة
11 كانون الثاني 2026, 14:00

المعموديّة طريق إلى الصّليب والقيامة

تيلي لوميار/ نورسات
من جرن المعموديّة يبدأ كلّ شيء"، "المعموديّة هي البداية"، "وهي "الباب المفتوح" الّذي يستطيع به الإنسان أن "يعود إلى حيث خرج"." بهذه التّعابير وصف خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض هذا السّرّ المقدّس، شارحًا علاقته بالصّليب وبالقيامة، فكتب:

"المعمودية هي باب دخول إلى الكنيسة، وبها نعبر إلى الأسرار الأخرى. من جرن المعموديّة يبدأ كلُّ شيء... الولادة الرّوحيّة، ومعرفتنا بالعقيدة، وممارستنا الطّقوس. المعموديّة هي البداية، وكل بداية صحيحة لا بدّ من أن تبدأ من المعموديّة. كذلك لا بدّ من أن نرجع إليها فهي رحم الكنيسة التي يولد منها أبناء اللّه كلَّهم.

لذا أكّدت الكنيسة على أهميّة المعموديّة كسرٍّ من الأسرار الكنسيّة التي بها ينضمّ المؤمن إلى جسد المسيح الإله: "لأنّنا جميعنا بروح واحد وإلى جسد واحد اعتمدنا".وبها يتّحد المؤمن بالمسيح في شبه موته وقيامته، "دُفنا معه بالمعموديّة للموت حتّى كما قام المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدَّة الحياة، لأنّه إن كنّا قد صرنا متَّحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته"، ولأنّها بمثابة الدّخول الحقيقيّ إلى ملكوت اللّه طبقًا لقول الرّبّ يسوع: "إن كان أحد لا يولد من الماء والرّوح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللّه."

كان الوعي المسيحيّ في الماضي أنَّ المعموديّة هي سرّ الدّخول إلى الحياة في المسيح والولادة الثّانية. ولذلك كانت الجماعة كلّها تشهد بأنّه قد ولد أخ جديد في العائلة الكنسيّة. خُلق الإنسان على صورة اللّه ومثاله، لكنّه بعصيانه خسر بنوّته له والشّركة معه. أمّا اللّه، لفرط محبّته، فلم يرد أن يبقى الإنسان بعيدًا أو منفصلاً عنه، فتنازلت الألوهة وتجسَّدت في أقنوم الإبن (يوحنّا الدّمشقيّ وبالاماس)، ومات وقام وأعاد الإنسان إلى ملكوت السّماوات مجدِّدًا الطّبيعة السّاقطة التي شوّهت تلك الصّورة. هكذا أسّس الرّبّ يسوع سرّ المعموديّة التي من خلالها يغتسل الإنسان "بالماء والرّوح" ويتطهّر "بحميم إعادة الولادة" ويصير ابنًا للّه.

إذًا المعموديّة تنقي طبيعة الإنسان البشريّة كيانًا ووجودًا منمّية إيّاها بمواهب الرّوح القدس ونعمته كي تصبح والمسيح واحدًا. وبهذا الاشتراك تغدو البشريّة قائمة في النّور الإلهيّ ومواطنة في ملكوت اللّه الذي طريقه هو يسوع المسيح المنتصر على الخطيئة، والعيشُ بواسطة الإفخارستيّا التي هي الغذاء لأعضاء جسده الواحد - الكنيسة. هذا لا يتحقّق إلّا بفعل الرّوح القدس، فإنّ عطيّة الرّوح القدس مرتبطة بموت المسيح وقيامته وصعوده.

لقد شرح بولس الرّسول العلاقة بين المعموديّة وموت المسيح وقيامته في رسالته الأولى إلى كورنثوس عندما قال: "هل صُلِبَ بولس لأجلكم أم هل اعتمدتم باسم بولس؟" وكأن الرّسول يسأل "أنتم الذين اعتمدتم، هل صُلِبَ بولس لأجلكم أم هل اعتمدتم باسم من صلب لأجلكم وهو المسيح؟".

يؤكّد بولس في رسالته مرَّة ثانية أنَّ المعموديّة هي شركة في موت المسيح. المعموديّة في فكر بولس الرّسول لا تمُتُّ إلى معموديّة يوحنّا بل تَمتُّ إلى صليب ربّنا يسوع المسيح. فموت المسيح على الصّليب هو في التّعبير المسيحيّ السّرّيّ "صبغة المسيح" أيّ معموديّته. وأيضًا تظهر لنا الأناجيل الأربعة العلاقة بين المعموديّة والصّليب كما جاء في إنجيل القدّيس مرقس: "فقال لهما يسوع لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصّبغة التي اصطبغ بها أنا؟". كذلك في إنجيل لوقا: "لي صبغة اصطبغها وكيف انحصر حتّى تكتمل؟". 

إذًا سرّ المعموديّة هو موتٌ بالدّرجة الأولى حيث ينال الجسد العتيق فعل موت حقيقيّ. فالمعموديّة هي فعل موت في موت المسيح لننال قوّة الموت مع المسيح لبلوغ غاية موت المسيح وهي الحياة من الموت. فالمعموديّة هي جلجلة الخلاص. لذا يعلّم بولس الرّسول أن المعتَمِد يصبح شريكًا للرّبّ في موته وقيامته. وهكذا فإنَّ خلاص الإنسان يتمّ بنعمة ذبيحة الصّليب وقوَّة القيامة. أيضًا، يحمل التّغطيس معنى الموت والقيامة مع المسيح وهذا أحد عناصر المعموديّة التي من دونها تفقد المعموديّة جمالها وروعتها. وهذا الطّقس يعود إلى الرّسل مباشرة. إذن للمعمّد موت، وقيامة (موتٌ: عمّا في كيانه من جذور موت تتشابك مع ما فيه من جذور حياة. قيامة: ينزل بالتّغطيس مع المسيح إلى أعماق الموت ليخلص من يؤمن به فيقوم معه). فاشتراك المعمّد في آلام المسيح وموته، هو على شبه صورته، يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ: "أرجو أن تنتبه إلى كلمات الرّسول، إنّه لا يقول: "إذًا اتّحد به في موته" بل "في موت يشبه موته"، لأنّ المسيح مات فعلاً، ودفنه كان حقيقة ونعني هنا القيامة. فحصولها كائن في الدّهر الآتي. أمّا الآن وهنا لنا حياة جديدة بقوّة قيامة يسوع. إنَّ المعموديّة تترجم لنا حياة المسيح كلّها: موت وحياة. حياة في البشرى من الميلاد إلى تمجيدها عند سحر الفصح. موت وحياة كلُّها لأنَّ المسيح ولد كي يموت ويقوم.

والمعموديّة هي صورة مسبقة عن قيامتنا في الدّهر الآتي وهي "الباب المفتوح" الذي يستطيع به الإنسان أن "يعود إلى حيث خرج". فلا يعود الإنسان هو الذي يعيش بل المسيح يحيا فيه."