الأب محفوض: الصّلاة والصّوم عند القدّيس يوحنّا السّلّميّ!
"تحتفل الكنيسة الأرثوذكسيّة اليوم بذكرى القدّيس يوحنّا كليماكوس (السّلّميّ). في الأحد الرّابع من الصّوم الكبير. مع ذلك، يُحتفل بعيده الرّئيسيّ في 30 مارس/آذار. رقِد القدّيس يوحنّا كليماكوس في القرن السّابع، وأوّل ذكر للاحتفال بعيده في الأحد الرّابع من الصّوم الكبير ورد في مخطوطة من دير فاتوبيدي تعود إلى القرن الثّالث عشر. ثمّ بدأ هذا الاحتفال بالظّهور في العديد من مخطوطات القرن الرّابع عشر. وهذا يدفعنا للتّساؤل عن الغاية الأساسيّة من الاحتفال بالأحد الرّابع من الصّوم الكبير قبل القرنين الثّالث عشر والرّابع عشر.
لكن لماذا خُصص الأحد الرّابع من الصّوم الكبير للقدّيس يوحنّا كليماكوس؟ يبدو أنّ هناك سببين محتملين على الأقل. أوّلًا، بما أنّ عيده يوافق 30 آذار/ مارس، ولأنّ القانون الكنسيّ يمنع الاحتفال بالقدّيسين خلال الصّوم الكبير في أيّام الأسبوع نظرًا لتركيزه على التّوبة والوقار، فقد نُقلت احتفالات القدّيسين الرّئيسيّة إلى أقرب سبت أو أحد ليتمّ الاحتفال بها على النّحو اللّائق، نظرًا لطابعها القياميّ. ثانيًا، ألّف القدّيس يوحنّا كليماكوس كتابًا بعنوان "سلّم الصّعود الإلهيّ" (سلّم إلى الله)، والذي كان ولا يزال المادة الأساسيّة للقراءة في العديد من الأديرة خلال الصّوم الكبير، وخاصّة أثناء تناول الطّعام في غرفة الطّعام.
ونظرًا لأنّ محتوى هذا الكتاب يُوضح هدف كلّ راهب ومسيحيّ عمومًا خلال الصّوم الكبير، فقد بدا تخصيص يوم أحد للاحتفال به وبإسهامه العظيم في الكنيسة أمرًا مناسبًا للغاية. ولعلّ كتابه، أكثر من أي كتاب آخر، هو الدليل الأمثل لمساعدة المسيحي على خوض غمار الله.
لذا الكنيسة تقدّم لنا قدّيسًا وزاهدًا ومؤلّفًا عظيمًا للأعمال النّسكيّة. القدّيس يوحنّا السّينائيّ أو القدّيس يوحنّا السّلّميّ. سينائيّ لأنّه مارس الزّهد على جبل سيناء، والسّلّميّ لأنّه كتب كتاب الزّهد الممتاز السّلّميّ (سلّم الفضائل)، الذي يصف مقياس الفضائل.
يُظهِر القدّيس يوحنّا بوضوح من خلال حياته وكتاباته أنّه إذا لم يتغلّب الإنسان على نفسه، فلن يتمكّن من التّقدّم روحيًّا. بمعنى آخر، إذا لم يجبر الإنسان نفسه، ولم يكافح عاداته السّيئة، ولم يحاول إيقاظ الفضائل الرّوحيّة في داخله، فلن ينال الشّركة مع الله.
وكثيرًا ما نسمع في الكنيسة عن الحياة الرّوحيّة أو التّقدّم الرّوحيّ عندما يتحدّث آباء الكنيسة عن الرّوحانيّة، فهم لا يتحدّثون عن الأخلاق. هم يتحدّثون عن الشّركة مع الله، فهم لا يتحدّثون فقط عن الرّؤى أو الظّهورات، كلّا. إنّ الكنيسة، تقدّم لنا الرّوحانيّة، وليس الكمال الأخلاقيّ.
إنّ كوننا صالحين من النّاحية الأخلاقيّة هو شيء يمكننا تحقيقه بمفردنا، ولكن هذا ليس الهدف؛ فالأخلاق وحدها لا تكفي لجذب نعمة الله. لذلك تقدّم لنا الكنيسة الرّوحانيّة.
فما هي الرّوحانيّة؟ هل يمكن قياسها؟ الرّوحانيّة هي حالة يتجاوز فيها الإنسان أنانيّته وحبّه لذاته، ويتجاوز أشياء العالم ويعيش الآن من أجل المسيح في التّواضع والتّوبة.
الإنسان الرّوحيّ ليس إنسانًا مثقّفًا، متعلّمًا، أصحاب شهادات بل هو روح متروكة للعناية الإلهيّة. الإنسان الرّوحيّ هو الذي يعيش بحريّة خارج أشكال وآداب الأخلاق. هو الرّجل الذي مات قبل أن يموت حتّى لا يموت عندما يموت.
إنّ عيش حياتنا الرّوحيّة ضروريّة، ليس على أساس أخلاقيّ إنّما روحيّ. الخطوة الأولى والأساسيّة في صعودنا الرّوحيّ هو التّواضع، وبدونه سوف تسوء كلّ أعمالنا.
وبالإضافة مع الصّوم، مع السّهر، مع الصّلاة، مع الصّمت، مع الطّاعة، ومع ذلك، كلّ ما نفعله يجب أن لا يتمّ كغاية في حدّ ذاته ولكن كمساعدات تقودنا إلى الحبّ.
لا توجد روحانيّة بدون حبّ، ولا قداسة بدون حبّ، ولا مسيحيّة بدون حبّ. ومن خلال الممارسة، سنشكّل وجودنا بحيث ينبت الحبّ داخله، ولكن حبًّا بلا تعاطف، بلا أنانيّة، حبّ الصّليب، حبّ التّضحية مثل حبّ الله الإنسان.
لذلك الصّلاة هي أمّ الفضائل. عند يوحنّا السّلّميّ الذي أوصى بربط صلاة يسوع بالتّنفس. هذا يعني أن تلازمنا مثل تنفّسنا أيّ في كلّ لحظة. هي التي تجعل الرّوح القدس يسكن في ذهننا وقلبنا. القدّيس بالاماس قال إنّه علينا أن نتجاوز أنفسنا لنتّحد باللّه في الرّوح القدس. النّعمة الإلهيّة لديه أبعد من الفضائل والطّبيعة وكلّ شيء. هي التي تجعلنا نمتلئ من الرّوح القدس ونوره.
ويطلب السّلّميّ أن نجلد الشّيطان ونكويه بصلاة يسوع. تصبح الحياة صلاة. ولكن ذلك يحتاج إلى اليقظة وحراسة القلب. فالشّطيان غدّار كبير. إجمالاً (كتاب "سلّم إلى الله) يستعرض الرّذائل ويصف الوسائل اللّازمة لمحاربتها وزرع الفضائل مكانها. وليس تجنّب الرّذائل عمل الرّاهب فقط بل هو عمل كلّ النّاس ليصبحوا أفاضل وينالوا الملكوت السّماويّ.
للصّوم لدى القدّيس يوحنّا السّلّميّ أهميّة كبرى لكي نستطيع لجم الجسد والسّيطرة عليه. يوحنّا السّلّميّ ركّزّ جدًّا على أهميّة الصّوم والنسك لإطفاء نار الجسد بنار السّماء أيّ الرّوح القدس. وركّز على أهمية تحويل عشق الجسد إلى عشق إلهيّ فيطرد عشقُ الله عشق الجسد. فالصّوم يجفِّف الجسد. وبعبارة أخرى يجفِّف، بنار الرّوح القدس والشّوق إلى الله، العنصرَ البشريّ في العشق.
فالحبّ طبيعيّ لدى كلّ النّاس وحتّى لدى الحيوانات. والجنس ملتصق بالحبّ. فكيف نستطيع الفصل بينهما بدون الصّوم والنّسك والصّلاة والرّوح القدس ليضحي حبّنا طاهرًا، لا عواطف بشريّة بدون الرّوح القدس. العمليّة شاقّة إن لم ينجزها الرّوح القدس. الأمر صليب كبير جدًّا.
الصّوم فضيلة مقدّسة، هو خطوة على سلّم من الأرض إلى السّماء. السّلّم الذي يربط الأرض بالسّماء، والذي يمتدّ من جحيمك إلى جنّتك. لهذا السّبب، لا توجد فضيلة بمفردها.
الإيمان بربّنا يسوع المسيح لا يوجد بمفرده أبدًا. إنّه يتجلّى بالصّلاة، والصّوم، والصّدقة، والتّواضع، والمعاناة من أجل جارك. لا يتجلّى بهذه الطّريقة فحسب، بل إنّه يحيا كلّ فضيلة، لأنّ الفضيلة الأخرى موجودة.
الإيمان يحيا بالصّلاة، والصّلاة تحيا بالصّوم، والصّوم يتغذّى بالصّلاة، والصّوم يتغذّى بالحبّ، والحبّ يتغذّى بالرّحمة. وهكذا، كلّ فضيلة حيّة من خلال الأخرى. وعندما تستقرّ فضيلة في روحك، تتبعها جميع الفضائل الأخرى، ستظهر جميعها وتنمو ببطء من خلالها ومعها.
يتطلّب الصّيام الرّحمة والتّواضع واللّطف، وهي صفاتٌ متلازمة. إنّه كفريقٍ من البنّائين، رأسُهم الصّلاة. الصّلاة هي الباني الرّئيسيّ، والمهندس المعماريّ، والمُهندس الأعظم لحياتنا الرّوحيّة.
وتحتلّ الصّلاة المرتبة الأولى. عندما تستقرّ الصّلاة في قلبك، وتشتعل فيه رغبةٌ لا تُروى للرّبّ، عندما تراه باستمرار، وتشعر به باستمرار، فحينها تُدخل إلى روحك جميع الفضائل الأخرى. حينها يمتلك المهندس (الصّلاة) حرفيّين بارعين، فيبني سريعًا سلالم رائعة من الأرض إلى السّماء، سلالم صعودك التّدريجيّ إلى الله، نحو كمالك. عندما تمتلك قوّة الصّلاة، فلن يكون أيّ نوع من الصّيام صعبًا عليك، ولن يكون أيّ نوع من الحبّ مستحيلاً. الحبّ الإنجيليّ المقدّس!
الصّلاة تُقدّس كلّ ما في داخلك، الصّلاة! قوّة إلهيّة وهبها لنا الرّبّ لنُقدّس كلّ ما فينا، في أرواحنا. الصّلاة تُوحّدك مع الرّبّ الرّحيم، فيُفيض قلبك رحمةً لكلّ إنسان، للخاطئ، للأخ الضّعيف مثلك، الذي يسقط مثلك، ولكنّه قادر على النّهوض مثلك؛ الذي لا يزال بحاجة إلى عونك، عونك الأخويّ، عونك بالدّعاء، عونك الدّينيّ.
إذًا: الرّوحانيّة الأرثوذكسيّة تقوم على جهود جبّارة. القدّيس السّلّميّ يعتبرها حربًا خطيرة لأنّ أعداءنا الشّياطين لا ينامون. ويعتبر سقوط الإنسان أسهل جدًّا من توبة المتمرّغ في الإثم.
النّسك المسيحيّ علاج لسقوط الطّبيعة البشريّة. قال القدّيس مكسيموس المعترف: تمزّقت طبيعتنا إلى ألف قطعة. وجاء في"أمسية في جبل آثوس" أنّها مثل مرآة سقطت أرضًا فتهشمَّتْ.
في سفر التّكوين بدت الثّمرة المحرّمة شهيّة للنّظر وطيّبة المذاق. إندسّت الشّهوة واللّذة إلى حواسنا. اختلّ توازننا. عجزنا عن السّيطرة على النّفس وضبطها ضمن الحدود المعقولة. إندسّ إلينا سوء الاستعمال. لم نعد نملك القدرة العقليّة والإراديّة والعاطفيّة على حصر أنفسنا ضمن السّلوك السّليم لطبيعتنا الفردوسيّة البريئة من الانحرافات. فُقدت الحالة السّويَّة."
