الأب محفوض: الصّعود إلى أورشليم
"تضع الكنيسة الأرثوذكسيّة المقدّسة في الأحد السّادس من الصّوم الكبير تذكارًا مسيحيًّا لتمجيد ذلك الحادث (الدّخول إلى أورشليم) الذي جرى في حياة يسوع المسيح قبل ستة أيّام من يوم الفصح اليهوديّ.
فإن التّلاميذ تمّموا إرادة معلِّمهم بقيادتهم الجحش الذي لم يركبه أحد بعد، وفرشوا عليه الثّياب وأجلسوا عليه يسوع المسيح وساروا في موكب حافل مهيب من بيت عنيا إلى أورشليم. أسرعَ إلى لقاء المعلِّم المحبوب المجيد بأعماله وعجائبه جماهير النّاس المجتمعين من كلِّ مكان في الفصح، حاسبين أنَّ هذا الموكب هو ابتداء لمملكة اسرائيل المنتظرة.
سأبيّن أهمية الصّعود إلى أورشليم عند الإنجيليّ لوقا، لأنّه يتميّز بإضافات ذات أهميّة بالغة في تصوير الدّخول عن باقي الأناجيل.
إنَّ هدف لوقا الإنجيليّ هو التّركيز على صعود يسوع إلى أورشليم حيث تمّ هناك الفصح من خلال آلام المسيح وقيامته، وأنَّ تبشير الرّسل بدأ بسرّ الفصح من أورشليم إلى أقاصي المسكونة. ويقصد لوقا صعود المسيح إلى أورشليم أيّ ارتفاعه على الصّليب إلى مجد اللّه.
إنَّ تركيز لوقا الأكبر على صعود يسوع إلى أورشليم (القُدْس) هو صعودٌ لاهوتيٌّ أكثر من كونه صعودًا جغرافيًّا. أورشليم هي المكان الوحيد الذي فيه تمّ ترتيب إنجاز عمل يسوع وفيه يتمّ سرّ الفصح لأنّه ينبغي ألّا يهلك نبيٌ خارج أورشليم .
ففي إنجيل لوقا كلّ شيء مركَّز على أورشليم وخاصّة في قلب الهيكل بيت أبيه. كما أنَّ يسوع القائم لا يظهر إلّا في أورشليم.
نشاهد تصميم يسوع على الصّعود إلى أورشليم تمهيدًا لسلوكه طريق المدينة المقدَّسة حيث يتمّ فيها الخلاص. والجزء الأوّل لهذا التّصميم في (9: 51) حيث يقول: "وحين تمّت الأيّام لارتفاعه ثبَّت وجهه لينطلق إلى أورشليم". هذا يعني أنَّ لوقا يوجّه هذا الصّعود نحو أورشليم توجيهًا فخمًا أيّ أنَّ يسوع يذهب إلى موته ومجده. "اللّذين ظهرا بمجد وتكلّما على خروجه الذي كان عتيدًا أن يكمّله في أورشليم". والجزء الثّاني من تصميم الرّحلة: "واجتاز في مدن وقرى يعلِّم ويسافر نحو أورشليم". أمَّا الجزء الثّالث: "ومن ذهابه إلى أورشليم اجتاز في وسط السّامرة والجليل".
لهذا عمد لوقا على التّشديد على رسالة يسوع في أورشليم حيث يحصل الخلاص ويجعلها مثلاً تجاه يسوع المسيح في مأساة الصّليب. وكان التّشديد عند الدّخول الشّعبيّ الظّافر إلى أورشليم، وأيضًا على دمعة على أورشليم الكاذبة، ودخول الهيكل وطرد الباعة.
إذاً تأخذ أورشليم مكانًا هامًّا في الأناجيل ولكن لوقا يعوِّل عليها أكثر من غيره كنقطة اتّصال بين الإنجيل وأعمال الرّسل. فأورشليم في حياة يسوع هي المركز الذي ينتهي إليه كلُّ شيء. يقدم يسوع إليها وهو في عمر الثانية عشرة ويصعد اليها ويُظهر حكمته بين العلماء. ممّا يشكّل إعلانًا مستترًا عن ظهوره وموته. فلقد كانت أورشليم مقصد حياته، لذلك ذكرها لوقا ثلاثين مرّة في إنجيله وسبعة وخمسين مرَّة في أعمال الرّسل. وأورشليم في عُرْف لوقا هي رمز للآلام والقيامة.
وقد ورد نَصُّ الدّخول إلى أورشليم في الأناجيل الأربعة: (متَّى21: 1-11)، ومرقس (11: 1-11)، ويوحنَّا (12: 12-19). فإن نَص لوقا (29 إلى36 و45 إلى 47) يشابه نَصّ مرقس، لكنّ نَصّ متَّى يتّفق مع نَصّ لوقا في (29 إلى 36 و45 إلى 47). ويتميّز نَصّ لوقا عن نَصّ مرقس، فلوقا يجعل من طرد الباعة من الهيكل خاتمة الدّخول لأورشليم الذي قام به السّيّد يسوع كملك. وهذا اللّقب (ملك) له صلة مع يوحنَّا (12: 13) "كانوا يصرخون أوصنّا مبارك الآتي باسم الرّبّ ملك اسرائيل" وهذا المعنى نفسه في نّص لوقا (19: 38)، مبارك الملك الآتي باسم الرّبّ. والآيتان 37 و38 في نصّ لوقا تماثلان تتويج سليمان ملكًا. نجد هذا في (1ملوك1: 33- 37) وأيضًا الآيات (1ملوك 1:38 – 40)، تدلّ على أنّ هذا الملك مثال المسيح لأنّه ابن داوود. في سير الموكب لا يختلف نّصّ لوقا عن نصّ مرقس إلّا في (31) من نصّ لوقا. فالآية (32) تشير إلى صحّة توقّع كلمات يسوع ممّا سيفعله التّلاميذ. هذا ما نجده عند مرقس يعني خضوع التّلاميذ لوصيّة المعلِّم. ويكون دور التّلاميذ في الهتاف للّه من أجل المعجزات، وكذلك بصفته الملك الآتي باسم الرّبّ. والهتاف (السّلام) الذي يشبه هتاف الملائكة عند مولد المسيح، لكنّ السّلام هنا هو سلام في السّماء لدى اللّه الذي، هو وحده، يمنحه.
الصّعود عند يوحنَّا الإنجيليّ هو أيضًا رمز لصعود يسوع إلى أبيه وهذا ما تشرحه لنا كلمة يسوع "ينبغي أن أكون عند أبي"، التي ما هي إلّا نبوءة مسبقة، وبالتّالي تلميح إلى موته في أورشليم ورجوعه إلى أبيه.
أمَّا الصّعود عند لوقا فيُظهر انتصار يسوع وتأسيس مملكته بموته في أورشليم. ونلاحظ إصرار لوقا وتشديده على ألّا يفصل أورشليم عن حدوث هذا العمل الثّاني ليسوع، (غياب يسوع، وجوده في الهيكل هذا ما جعله يهمل ذكر ظهورات يسوع في الجليل بعد قيامته.) ولهذا هو وحده من الإنجيليّين الذي انتبه لوجود المسيح في الهيكل بعد أن غاب عن والديه مدّة ثلاثة أيّام.
لذلك فالدّخول إلى أورشليم من الحوادث المميّزة في حياة يسوع لأنّ هذه الحادثة كانت من الأمور المهمّة في سرّ التّدبير الإلهيّ للخلاص. وسبب إصرار يسوع على أن يقدِّم نفسه في عاصمة الأمَّة اليهوديّة بوصفه المسيَّا المخلِّص الموعود في موكب شعبيّ وبترتيب خاصّ. التّفاصيل كلّها تؤكّد المهابة التي علَّقها يسوع على هذا الصّعود، إذ إنّه أرسل تلاميذه لإحضار الأتان وهذا يدلّ على خطّة مقصودة من جانبه. ومعروف أنَّ يسوع المسيح فقط هو الوحيد الذي يرسل وليس أيُّ أحد آخر.
لهذا طرحوا الثّياب الخارجيّة كالرّداء والعباءة ووضعوها على جحش بدل عدّة الرّكوب واحترامًا للرّاكب. (وأركبا يسوع). اعتاد النّاس على ركوب الحمير في وقت السّلم. وكان أشرف الشّرفاء يركب الحمير. وركوب المسيح على الجحش كان علامة على أنّه ملك السّلام وله حقّ التّسلّط على هذا العالم ولكن ليس بمركبات الخيل مثل باقي الملوك، إنّما المسيح أتى كرئيس السّلام وبوداعة وافتخار. وبهذا تمّم المسيح النّبوءة.
نلاحظ عند لوقا فقط فرش الثّياب، أمّا عند مرقس فالثّياب والأغصان وأيضًا عند يوحنَّا فرشوا الثّياب وأغصان الأشجار "سعوف النّخل". وهذا الافتراش يعبِّر عن احترام للمسيح واعتبار له.
إنَّ النّشيد: "مبارك الآتي باسم الرّبّ" هو جزء من المزمور (117: 25 – 26 ) ومذكور في متَّى (21: 9)، ويوحنا (12: 13)، ومرقس (11: 9)، مع بعض الاختلافات بمقارنة مع لوقا. ويشير هذا المزمور إلى المسيح ويراد به التّمجيد والتّرحيب.
هنا يُطرحُ سؤالٌ: لِمَ هتفت الجموع؟
بسبب العجائب التي قام بها السّيّد المسيح وبالسّلطان الذي له، ومن هذه العجائب فتح عيني رجل أريحا وإقامة لعازر التي حدثت قبل الدّخول إلى أورشليم بقليل. هذه الحادثة أثّرت في الفرّيسيّين، لهذا ذكرها لوقا. وهم أيضًا كانوا من بين الجمهور يراقبون أعمال المسيح لكي يجدوا عليه علّة ليحاكموه ولهذا لم يشتركوا مع الجموع بإعلان الفرح. ولكنّهم أبدوا احترامهم له ودعوه "يا معلِّم"، وطلبوا منه أن يُسكت تلاميذه لكنّ يسوع رفض ذلك. حتّى وإن سكت التّلاميذ فالحجارة ستعلن أنّ المسيح هو الملك المخلِّص، وهذا الإعلان ضدّهم لأنّهم لم يؤمنوا بأنّ يسوع هو مخلِّص، لذلك لم يفرض السّكوت على التّلاميذ. نعرف أنّ يسوع كان يطلب من تلاميذه أن يسكتوا لأنّ ساعة استعلان ملكه لم تأت بعد. كما أنّهم ظنّوا أنّه ملك سياسيّ. لكنّ الآن هو وقت المناداة بيسوع ملكًا.
بكاء يسوع على أورشليم لم يذكّره سوى لوقا بالرّغم من التّسبيح والتّمجيد للرّبّ يسوع المسيح، وقربه من الهيكل. كلّ هذا لا يمنعه من البكاء على أورشليم التي لم تقبله ولم ترَ في مجيئه إليها طريق السّلام. وهذه هي المرّة الثّانية التي يبكي فيها يسوع بعد أن بكى عند قبر لعازر. هذا الحزن ليس عليه بل عليهم، أيّ لغيره. كان يريدهم أن يقبلوا مثل هذه الفرصة في سبيل خلاصهم لكنّهم رفضوا. هذا هو معنى الافتقاد مسيحيًّا، وبرفضهم للافتقاد رفضوا السّلام.
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ لوقا لم يفصل أورشليم عن الهيكل. والهيكل هو مكان حضور مجد اللّه فإنّ دخول المسيح إلى الهيكل ما هو إلّا تأكيد على أنَّ المسيح هو الذي سيعيد مجد اللّه إلى الهيكل. ولهذا أصبح الهيكل مكان الوعظ والتّعليم في الأسبوع الأخير من حياته على الأرض قبل آلامه. لذا فإنّ تعليم المسيح من الهيكل أعطى رسالته طابعًا نبويًّا مسيحيًّا وهو الذي أتى لينقذ شعبه وليس مجيئه مطبوعًا بطابع سياسيّ."
