دينيّة
18 كانون الثاني 2026, 14:00

أنطونيوس والرّهبنة

تيلي لوميار/ نورسات
ترك كلّ شيء، "دخل في وحشة القفر من أجل الرّبّ"، ولكنّه "جعل القفر عامرًا"، وحوّل البرّيّة إلى سماء". هكذا وصف خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض القدّيس أنطونيوس الكبير بمناسبة عيده. وعن أب الرّهبان قال:

"إنّ حياة البرّيّة لها مكانة رفيعة في الكنيسة المسيحيّة ولاسيّما الكنيسة الشّرقيّة حيث ولدت الحياة الرّهبانيّة في الصّحراء والقفر على يد أنطونيوس (عيده في 17 كانون الثّاني) وسائر النّسّاك الذين سبقوه وتبعوه.

إكتسبت البرّيّة معاني روحيّة عميقة أثّرت في نفوس المسيحيّين وبخاصّة على أيّام القدّيس أنطونيوس الكبير الذي عاش في الصّحراء ولُقّب بكوكب البرّيّة. فقد أنار السّبيل لحياة النّسك أثناء إقامته الطّويلة التي عاشها في عزلة الصّحراء.

لذا يعود غنى البرّيّة "الرّوحيّ إلى أشخاص عاشوا في البرّيّة، فتكمن الأهميّة في مكان معيّن لأشخاص أكسبوا حياة البرّيّة قيمة تعدّت أصحابها لتشمل جميع المسيحيّين عامّة والرّهبان خاصّة.

الرّهبان هم الذين دعموا المسيحيّة ونشروها وبشّروا بها في المسكونة بعد انتهاء عهد الاضطهادات، وخلفوا الشّهداء في عمل الشّهادة. إذ إنّ الاستشهاد والرّهبنة شهادة حيّة لا بالكلام وحسب، فالرّهبنة تحقيق لملء إنسانيّة الرّاهب.

يتكلّم الكتاب المقدّس على أنّ العلاقة بين الله وشعبه وأنبيائه تكوّنت في البرّيّة، فأوّل لقاء بين الله وموسى قد تمّ في البرّيّة (خروج ٣)، أيّ كشف الله ذاته لموسى: "أنا هو من هو" (خروج ١٣ - ١٤). كذلك، كشف الله لموسى اهتمامه بشعبه، لهذا اختبر موسى الرّبّ في البرّيّة. فالبرّيّة موضع لقاء شخصيّ ينتج عنه إرساليّة إلى الآخرين، وهذا ما نجده أساسًا في الحياة الرّهبانيّة وفي حياة كلّ مسيحيّ ممارس لمسيحيّته. العلاقة الشّخصيّة مع الله وإرسال محبّة الله إلى البشر هو ما فعله قدّيسنا العظيم أنطونيوس حيث كان يحيا "الإيمان المسيحيّ، وحيث أصبح يعرف "حبيب الله". كان يعلّم الشّعب هكذا، وعلاقة أنطونيوس مع الله أثمرت رسالته في الكنيسة وفي خارجها على مثال موسى.

في البرّيّة علّم الله شعبه من خلال موسى إذ اهتمّ بمأكلهم ومشربهم وبتعليمهم أيضًا: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلمة ما تخرج من فم الرّبّ يحيا الإنسان" (تثنية الاشتراع: ۸ -۳). مع العلم أنّ لفظة "مدبّر" بالعبريّة تعني البرّيّة ولفظ "دفار" يعني كلمة، وهما من أصل واحد، فالبرّيّة والكلمة متلازمتان معًا. لذا عزّى الله شعبه بكلمته وبالمنّ فقط. كما أنّ البرّيّة مكان يستغوي الله به الإنسان الخاطئ الزّاني ويخاطب قلبه ليحوّل حياته حتّى تصبح كحياة الزّوجة مع زوجها حيث الطّهارة والمصالحة تجمعهما (هوشع ٢ - ١٦) . هذا ما اختبره أنطونيوس بعلاقته الحميمة مع الله. إذًا في البرّيّة، كان موضع الحبّ الإلهيّ والإنسايس "الحبيب" و "الحبيبة" (نشيد الإنشاد 8 : 5 - 6). هذا ما نراه من سيرة أنطونيوس، فنراه يردّد مرارًا قول بولس الرّسول "ما من شيء يفصلني عن محبّة المسيح" (رومية ٨- ٣٥).

إنّ يسوع من بداية حياته العلنيّة قد اختلى في البرّيّة، "قام قبل الفجر مبكرًا فخرج إلى مكان قفر وأخذ يصلّي هناك". فالبرّيّة موضع للصّلاة ولقاء الله، لذلك خرج أنطونيوس نحو البرّيّة والجبال حيث الصّمت الكامل ليتّحد مع الله. هذا القدّيس أعطى قطعة الأرض، ولكن الله أعطاه الأرض والسّماء، فأصبح له في كلّ بلد من المسكونة أديرة وكنائس، وأصبحت له كلّ البرّيّة وكلّ الأديرة لأنّه أبو الرّهبنة في العالم. فهل أعطى أم أخذ؟

لعلّ البعض ظنّ أنّ أنطونيوس مسكينًا عندما أعطى أرضه للرّبّ وأنّه أضاع نفسه وأرضه وثروته ومستقبله، بينما الرّبّ يردّ عليهم قائلاً: من أضاع نفسه من أجلي يجدها.

ماذا ترك أنطونيوس غير الأرض؟ هل ترك أولادًا؟ لنفترض أنّ الشّاب أنطونيوس بدل من أن يترّهب تزوّج وأنجب فكم من الأبناء كان سينجب؟ هوذا الآن له آلاف من أبنائه الرّهبان في كلّ جيل، حقّ هي كلمة المسيح حينما قال أنّه يعوض مائة ضعف.

أنراه كان سيصير مسؤولاً كبيرًا أو في مركز رفيع ثمّ ينساه النّاس كما نسوا اسم ابيه. هوذا انطونيوس يرسل إليه الإمبراطور قسطنطين يطلب بركته ويأتيه النّبلاء من كلّ مكان يطلبون حكمته وينال شهرة لم ينلها أحد. أنراه حقًّا في هذه النّقطة أخذ أم أعطى؟ نراه ترك الكهنوت لكنّ ابناءه صاروا بطاركة (القدّيس أثناسيوس الكبير). أنراه أعطى أم أخذ؟ إنّ الله يعطي أكثر ممّا يأخذ.

تطلب الكنيسة من أمّ أن تعطي ابنها للرّهبنة أو للكهنوت فتبكي وتمرض كأنّ كارثة ستحدث. أمّا القدّيس أنطونيوس فأعطى حياته للرّهبنة وليس فقط أملاكه، فماذا حدث؟ أعطاه الرّبّ حياة أبديّة مثمرة في ملكوته بدلاً من الحياة الأرضيّة. وهو ليس مجرّد شخص، بل أصبح رمزًا للحياة والصّلاة والنّسك، ورمزًا للحياة الرّهبانيّة بكلّ ما فيها من فضائل وروحانيّات وتجلّيات، ورمزًا لكلّ مسيحيّ حقيقيّ يحيا كلمة الله. إنّه ملاك أرضيّ أعطى فأخذ.

دخل أنطونيوس في وحشة القفر من أجل الرّبّ، ولكنّه جعل القفر عامرًا بهذا الملاك الأرضيّ، وحوّل البرّيّة إلى سماء، وجعلها مكانًا مقدّسًا يأتيه النّاس من كلّ جهات المسكونة. فهل أعطى أم أخذ؟ الرّبّ يعطينا أكثر ممّا يأخذ، ولكنّ المهمّ أن نبادر بالعطاء، ولا نفكّر حينما نعطي، ولا نفكّر بالتّعويض.

إنّ من يجعل علاقته باللّه علاقة طلب مستمرّ هو إنسان متمركز حوّل ذاته وحوّل أنانيّته. قدّيسنا العظيم أعطى حياته الله ولم يكن يفكر إطلاقًا أنّه سيأخذ كلّ ما أخذه.

نتعلّم من أنطونيوس أنّ الحياة الرّوحيّة هي أخذ دائم من الله. أخذ البركة، والرّحمة والمتعة في كلّ عمل روحيّ، ولولا هذه النّعمة والمتعة الرّوحيّة لما استمرّ أنطونيوس في الحياة بالبرّيّة، ولما أخذ نعمة وقوّة من العليّ. ألم يقل الله "أعطني قلبك يا بنيّ"، هل نظنّ أنّ الله يريد أن يأخذ قلبنا؟ بل هو يريد أن يملأه حبًّا وبركة وبرًّا. يريد أن يأخذ قلبنا لكي يطهّره من كلّ أدناس التّجربة ويجعل روحه القدّوس يسكن فيه. أنكون نعطي أم نأخذ؟

على هذا الأساس كانت جماعة المؤمنين (الكنيسة) تلتجئ إلى البرّيّة حيث تجد كمالها والقوّة الحقيقيّة للكنيسة المجاهدة حيث القداسة ليست موجودة فقط في مصاف الأساقفة بل وأيضًا في مصاف الرّهبان ابتداء من أنطونيوس الكبير ويوحنّا الدّمشقيّ إلى غريغوريوس. بالأمس حفظ الرّهبان البسطاء "الإيمان القويم" أكثر من اللّاهوتيّين الكبار لأنّهم بالصّوم والصّلاة والتّواضع والنّسك انتصروا ووطّدوا الإيمان ودحضوا الهراطقة وتغلّبوا عليهم. بدون الرّهبان لغابت المسيحيّة عن العالم. ومن هنا نستطيع أن نقول أنّ حصن الإيمان هو الدّير والصّحراء، اللّاهوتيّ هو من يملك عقلاً (نوس) مستنيرًا، لأجل ذلك فضّل آباء الكنيسة الدّرس في جامعات الصّحراء حيث تجلّيات الله منسكبة في عقولهم وقلوبهم.

فما أحوجنا اليوم من أيّ وقت مضى إلى مثل أنطونيوس الكبير وإلى الرّهبان والرّاهبات لأنّ عدم وجودهم هو ضياع لشهادة المسيحيّين، ممّا يجعل الكنائس فاترة لا تشهد للمسيح.

لذا كنيستنا المسيحيّة تحتاج إلى صلواتهم كي تشدّد الإيمان فهذا يجعل من كلّ مؤمن مدعوًّا إلى ترحال روحيّ إلى البرّيّة (لقاء الله) ليختبر ما اختبره شعب الله والأنبياء، وما اختبره يسوع نفسه وكنيسته، وما اختبره أنطونيوس لنكون شاهدين ومستشهدين للكلمة الإلهيّة."