6 أغسطس 2026
فئات الأخبار

الرّاعي من أرز الرّبّ: نحن جماعة الرّجاء والمسيح المتجلّي يدعونا إلى الارتفاع من الدّنيويات إلى الرّوحانيّات

بمناسبة عيد تجلّي الرّبّ، ووفق التّقليد السّنويّ، احتفل البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي بالقدّاس الإلهيّ في غابة أرز الرّبّ، بمشاركة المطارنة جوزيف نفّاع ومارون عمّار والياس نصّار، والمونسنيور يوسف فخري، ولفيف من الكهنة، في حضور النّائب وليم طوق، والعميد سميح خليل، والقاضي الرّئيس جوزيف غنطوس وعقيلته القاضية ندى غنطوس، إلى جانب فاعليّات المنطقة وجمع من المؤمنين.

وكان موكب الرّاعي قد انطلق من الصّرح البطريركيّ الصّيفيّ في الدّيمان عند السّاعة الخامسة إلّا ربعًا بعد الظّهر، ورافقه النّائب البطريركيّ عن الجبّة وزغرتا المطران جوزيف نفّاع، والنّائب البطريركيّ العامّ المطران الياس نصّار، وراعي أبرشيّة صيدا المارونيّة المطران مارون عمّار، وأمين السّرّ العامّ للبطريركيّة الأب فادي تابت، وأمين السّرّ الخاصّ الخوري كاميليو مخايل، والوكيل البطريركيّ في الدّيمان الخوري طوني الآغا، وخادم رعيّة الدّيمان الخوري نافذ صعيب، إلى جانب الفريقين الإعلاميّ والأمنيّ.

وتوقّف الموكب، وفق العادة السّنويّة، في ثكنة يوسف رحمة- مدرسة التّزلّج، حيث استقبل العميد سميح خليل البطريرك الرّاعي والوفد المرافق، وعزفت موسيقى الجيش موسيقى التّعظيم، فيما قدّم العسكريّون تحيّة السّلاح. واطّلع البطريرك الرّاعي على أوضاع المدرسة والنّادي التّابعين لها، وعلى برامج التّدريب الرّياضيّ والعسكريّ والقتال الجبليّ، والدّوريّات المنفّذة في منطقة القرنة السّوداء، كما دوّن كلمة في السّجل الذّهبيّ عبّر فيها عن تقديره للضّبّاط والعسكريّين، متمنّيًا لهم دوام النّجاح والتّوفيق. وبعد التقاط صورة تذكاريّة مع العسكريّين، تابع الموكب طريقه إلى غابة الأرز.

وفي بداية القدّاس، ألقى الخوري شربل مخلوف كلمة ترحيبيّة تناول فيها رمزيّة الأرز في الكتاب المقدّس والتّقليد الرّوحيّ، ومكانة أرز لبنان، “سيدروس ليباني”، بين أنواع الأرز المختلفة، بوصفه رمزًا للثّبات والسّموّ والجمال والحياة المتجذّرة في الله.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الرّاعي عظة ركّز فيها على المعنى الرّوحيّ واللّاهوتيّ لعيد التّجلّي، معتبرًا أنّ هذا العيد هو استباق ليوم القيامة وكشف مسبق عن مجد المسيح، الّذي ظهر أمام تلاميذه بوجه مشرق وثياب مضيئة، فعجزوا عن احتمال بهاء المشهد وسقطوا أمام عظمة ما رأوه.

وأوضح الرّاعي أنّ الطّبيعة الإلهيّة للمسيح تجلّت في تلك اللّحظة بكلّ بهائها، مع أنّ ابن الله كان قد ظهر بين البشر في جسد متواضع وضعيف وقابل للألم. ومن هنا، رأى أنّ التّجلّي يقود المؤمن أوّلًا إلى مدرسة التّواضع، لأنّ الله أخفى ألوهيّته واتّخذ طبيعتنا البشريّة، فيما الإنسان مدعوّ إلى أن يدرك موقعه الحقيقيّ أمام عظمة الله وسره.

وشدّد الرّاعي على أنّ التّواضع هو الفضيلة الأساسيّة الّتي يعلّمنا إيّاها المسيح، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يقف أمام الله إلا بقلب متواضع، مدركًا أنّ كلّ عظمة بشريّة تبقى محدودة أمام مجد الله. فالمسيح الّذي أخفى ألوهيّته في الجسد كشفها للحظات أمام تلاميذه، لكي لا ينسوا أنّ وراء الضّعف والألم مجدًا لا يزول.

وربط البطريرك الرّاعي حدث التّجلّي بما سبقه بستّة أيّام، حين أعلن بطرس إيمانه بالمسيح في قيصريّة فيلبّس قائلًا: “أنت المسيح ابن الله الحيّ”. وبعد هذا الإعلان، أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنّا وصعد بهم إلى جبل عالٍ، في إشارة إلى أنّ اللّقاء بالله يتطلّب من الإنسان أن يرتفع عن الأرضيّات وشؤون العالم لكي يتنشّق شيئًا من الرّوح.

وأوضح أنّ الجبل العالي لا يحمل معنى جغرافيًّا فقط، بل يحمل معنى روحيًّا، إذ يدعو الإنسان إلى رفع قلبه وفكره نحو الله والتّحرّر من ثقل الدّنيويّات الّتي تشغله وتستحوذ على حياته. فالمسيح رفع تلاميذه عن صخب العالم ليكشف لهم للحظة حقيقة مجده ويهيّئهم لما سيواجهونه لاحقًا من ألم وصليب.

وتوقّف الرّاعي عند اختيار بطرس ويعقوب ويوحنّا ليكونوا شهودًا على التّجلّي، موضحًا أنّ بطرس هو رأس الرّسل، وأنّ يعقوب ارتبط بالشّهادة والكنيسة الأولى، فيما كان يوحنّا التّلميذ الحبيب الّذي عاش خبرة المنفى. وهؤلاء التّلاميذ أنفسهم كانوا قد رافقوا المسيح عند إقامة ابنة يائير، كما رافقوه لاحقًا إلى بستان الزّيتون، فكانوا شهودًا على قدرته على منح الحياة وعلى آلامه في الوقت نفسه.

وأشار الرّاعي إلى أنّ المسيح أراد أن يعدّ تلاميذه لفهم العلاقة بين المجد والصّليب، وبين الموت والقيامة، ولاسيّما أنّ بطرس كان قد اعترض عندما تكلّم يسوع عن آلامه وموته، فكان جواب المسيح له: “ابتعد عنّي يا شيطان، أفكارك غير أفكار الله”. وقد كشف هذا الاعتراض أنّ بطرس لم يكن قد فهم بعد أنّ طريق المجد يمرّ عبر الصّليب.

وأكّد البطريرك الرّاعي أنّ التّجلّي هو صورة مسبقة للقيامة، وأنّ المسيح كشف من خلاله أنّه هو الحيّ وربّ الحياة. فالرّسل الذّين سيشاهدون معلّمهم مصلوبًا ومتألّمًا ومدفونًا كانوا بحاجة إلى أن يحملوا في ذاكرتهم صورة الجبل، حيث رأوا المجد الّذي يختبئ وراء الضّعف، لكي يدركوا أنّ الموت ليس النّهاية وأنّ القيامة هي الكلمة الأخيرة.

ومن هذا المعنى، شدّد الرّاعي على أنّ المسيحيّين هم “جماعة الرّجاء”، وأنّهم، رغم الصّلبان الّتي تعبر حياتهم، مدعوّون إلى حملها برجاء وفرح روحيّ، لأنّ رجاءهم أكبر من الألم، ولأنّ المسيح الّذي مرّ بالصّليب هو نفسه المسيح القائم والحيّ.

وأوضح أنّ الرّجاء المسيحيّ ليس إنكارًا للألم ولا هروبًا من الواقع، بل هو القدرة على النّظر إلى ما وراء الصّليب، والثّقة بأنّ القيامة تشكّل الأفق النّهائيّ لمسيرة الإنسان مع الله. فالمؤمن لا يعيش أسير المأساة، بل يحمل في قلبه وعد الحياة الّتي انتصرت على الموت.

وتناول البطريرك الرّاعي ظهور موسى وإيليّا إلى جانب المسيح في حدث التّجلّي، موضحًا أنّ موسى يمثّل الشّريعة، فيما يمثّل إيليّا الأنبياء، وأنّ حضورهما إلى جانب يسوع يعلن أنّ المسيح هو اكتمال الشّريعة والأنبياء، ومحور تاريخ الخلاص وتمامه.

كما وصف الرّاعي عيد التّجلّي بأنّه عيد تعزية لكلّ إنسان موجوع من حرب أو تشريد أو ألم، داعيًا المتألّمين إلى أن يرفعوا أنظارهم نحو المسيح المتجلّي وألّا يسمحوا للظّلمة بأن تحجب عنهم الرّجاء. ففي عالم تثقله الحروب والمآسي والقلق، يأتي التّجلّي ليعلن أنّ الظّلمة ليست النّهاية، وأنّ للحياة كلمة أقوى من الموت، وللرّجاء كلمة أقوى من اليأس.

وفي ختام عظته، ربط البطريرك الرّاعي بين إنجيل التّجلّي وغابة أرز الرّبّ، معتبرًا أنّ الأرز، بارتفاعه وثباته وصمته، يرفع النّظر والقلب نحو السّماء. وقال إنّ المؤمنين، وهم في رحاب الأرز، يتأمّلون وكأنّ المسيح يتجلّى أمامهم ويدعوهم إلى الارتفاع معه من الدّنيويّات إلى الرّوحانيّات، ومن الانشغال بما هو عابر إلى البحث عما يبقى.

وإختتم الرّاعي كلمته برفع المجد إلى المسيح المتجلّي، مؤكّدًا أنّ رسالة العيد هي دعوة دائمة إلى التّواضع والرّجاء والثّبات ورفع القلب نحو الله، لكي يبقى الإنسان قادرًا على رؤية نور القيامة حتّى في قلب الصّليب.