ما هو عيد الفصح الصّيفيّ؟ ما الّذي يجمعه بشهر آب/ أغسطس المكرّس لمريم العذراء؟ ولماذا تصوم الكنيسة الأرثوذكسيّة في الأوّل منه؟ الإجابات يكشف عنها خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض في مقال جديد، ويكتب:
“إنّ عيد رقاد والدة الإله يُسمّى “عيد الفصح الصّيفيّ”. ولكن لماذا؟ هل ثمّة بالفعل أوجه تشابه بين هذا العيد وعيد الفصح الرّبيعيّ “عيد الفصح”.
ما أوجه التّشابه بين العيدين؟ يشترك كلّاهما في الصّيام كوسيلة للامتناع عن الطّعام، وليس كوسيلة للتّعذيب أو ذريعة لإشباع الجوع لدى المسيحيّين. علاوة على ذلك، وكما هو الحال في الصّوم الكبير، توجد ترانيم غنيّة. إنّ ترانيم التّضرّع (البراكليسي) الكبيرة والصّغيرة، ليست مجرد ألحان رائعة ذات معانٍ عميقة، بل هي صلاة صادقة وقويّة من المسيحيّين، وبخاصّة لأولئك الذين عانوا من قسوة الحياة وألمها.
يبلغ هذا الفصل ذروته في الخامس عشر آب، الذي يبدأ في الأوّل من آب. في ذلك الوقت، سننشد مراثي إرميا، كما في يوم الجمعة العظيمة. إنّها مراثي جنائزيّة للسّيّدة العذراء، من أبنائها، لأنّنا نشعر وكأنّنا نفقدها.
ليست هي مخلّصتنا، فالمخلّص الوحيد هو يسوع. إنّما هي التي تشفع لنا بالصّلاة من أجل خلاصنا. ولها مكانة عظيمة في ترانيم هذه الأيّام، وهذا ما تؤكّده معجزاتها التي تُعدّ دليلاً آخر على وجودها. هي ليست نهاية حياتنا، بل هي التي تساعدنا عمليًّا على الانتقال إلى الخلاص الذي ننشده. إنّها تؤثّر فينا بصلواتها إلى ربّنا، لكي ننال المغفرة والفداء. بذكرى رقادها تذكّرنا بأنّه عندما يبدو أنّ النّهاية تنتظرنا، فإنّنا في جوهر الأمر نختبر بداية، بداية بهيجة وأبديّة.
يحتلّ عيد رقاد والدة الإله مكانة خاصّة في التّقويم الاحتفاليّ للكنيسة الأرثوذكسيّة، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بتفرّد شخصيّة الباناجيا (مريم العذراء) في خدمة “الخلاص في المسيح” للبشريّة، ممّا يجعله أعظم الأعياد التي أقامتها الكنيسة تكريمًا لأمّ المسيح، والمعروفة باسم الأعياد المريميّة أو أعياد والدة الإله.
أوّل شهادة على الاحتفال برقاد والدة الإله تظهر في القرن الخامس الميلاديّ، في نفس الوقت تقريبًا الذي انعقد فيه المجمع المسكونيّ الثّالث في أفسس (431)، والذي حدّد عقيدة والدة الإله التي أصبحت سببًا لمزيد من تطوير التّكريم لشخص والدة الإله.
يبدو أنّ الاحتفال الأوّل بهذا العيد كان في القدس في الثّالث عشر من أغسطس، ثم نُقل لاحقًا إلى الخامس عشر من الشّهر نفسه. إتسّم الاحتفال بطابع مريميّ عام، بدون إشارة محدّدة إلى حدث رقاد السّيّدة العذراء، وسُمّي “يوم مريم العذراء”. وقد أسّس الإمبراطور موريس (582-602) هذا العيد.
وبحسب التّقاليد الكنسيّة، يسبق عيد رقاد والدة الإله صيامٌ أُقرّ في القرن السّابع. كان هذا الصّيام في البداية مُقسّمًا إلى فترتين: قبل عيد تجلّي المخلّص وقبل عيد رقاد والدة الإله. وفي القرن العاشر، دُمِجَ الصّيامان في صيامٍ واحدٍ يمتدّ لأربعة عشر يومًا ويبدأ في الأوّل من آب. خلال هذا الصّيام، نمتنع عن تناول الزّيت، باستثناء يومي السّبت والأحد، بينما يُسمح بتناول السّمك في عيد تجلّي المخلّص.
في الأوّل من شهر آب، تُقيم الكنيسة بركة المياه الصّغرى إيذانًا ببدء صيام رقاد السّيّدة العذراء، مُستحضرةً بذلك معموديّتنا وتطهير أرواحنا.
في القرن الثّاني الميلاديّ، نجد القدّيس يوستينوس الشّهيد، أحد آباء الكنيسة، يشير إلى مريم العذراء بـ”حوّاء الجديدة”. يروي سفر التّكوين أنّ حواء الأولى سُميت بهذا الإسم لأنّها كانت “أمّ كلّ حيّ” (تكوين 3: 20). في هذا السّياق من العهد القديم، تُنجب أمومة حوّاء أجيالًا من العصيان والأنانيّة. وإذا واصلنا قراءة العهد القديم، نجد أنّ نسل حواء – مثل قايين – يعكس هذه الرّذائل بوضوح.
في العهد الجديد، تُصبح مريم، بصفتها حواء الجديدة، أمًّا لكلّ من يختار العيش في المسيح. تُقابل عصيان حوّاء بطاعتها – “ليكن بحسب قولك” المذكور في إنجيل القدّيس لوقا والذي يُستحضر في صلوات الملايين. كانت دائمًا على استعداد لفعل مشيئة الرّبّ (لوقا 1: 38). تُصبح مريم، أمّنا، مثالنا في الحياة المسيحيّة. نسير معها طوال السّنة اللّيتورجيّة، من ميلادها في الأوّل من أيلول إلى رقادها في الخامس عشر من آب. موتها رمزٌ لكلّ موت مسيحيّ، لا كنهايةٍ نهائيّة، بل كعبورٍ إلى العالم الآخر ولقاءٍ مع الله.
وأيضًا تُقرأ قصة سُلّم يعقوب، وهي رؤيا مُسجّلة في سفر التّكوين 28، في صلاة الغروب في هذا العيد، وتقدم لنا صورة سُلّمٍ يمتدّ من الأرض إلى السّماء. تقليديًّا، اعتبر آباء الكنيسة هذا المقطع صورةً لمريم نفسها. وبشكلٍ خاصّ، في ضوء عيد رقاد السّيّدة العذراء، فإنّ قبر مريم ليس قبرًا مُغلقًا، بل هو سلّمٌ إلى السّماء.
في الواقع، لا يوجد قبرٌ معروف لمريم، مع أنّها كانت أم الله. في تواضعها وإخلاصها لربّنا، كانت ستمنع أيّ نصبٍ تذكاريّ بعد موتها، كما كان سيحدث بالتّأكيد، إذ أقرّ الرّسل بقداستها الفريدة التي تفوق جميع القدّيسين. إنّ رقاد مريم، بمعنى ما، هو عيد فصح ثانٍ، يُرينا الحياة التي تنتظرنا، نحن الخدّام الذين في نهاية محننا الأرضيّة، نلتمس وجه الله طلبًا للرّحمة. فبينما “نتأوّه في أنفسنا منتظرين التّبنّي، فداء أجسادنا” (رومية 8: 23)، نرى في رحيل مريم إشارة إلى انتقال طبيعتنا البشريّة إلى الرّاحة الأبديّة في حياة الله الإلهيّة. وبهذا، نتأكّد أنّ موت كلّ مسيحيّ ليس هبوطًا إلى قبر بارد، بل صعودًا على سلّم إلى السّماء.
يكتب القدّيس سمعان التسالونيكي: “أُسِّس صيام شهر آب/ أغسطس [صيام رقاد السّيّدة العذراء] تكريمًا لأمّ الله الكلمة، التي، لعلمها براحتها، كرّست نفسها للزّهد والصّوم من أجلنا كعادتها، مع أنّها كانت قدّيسة طاهرة، لا تحتاج إلى الصّيام. وهكذا، صلّت من أجلنا على وجه الخصوص استعدادًا لانتقالها من هذه الحياة إلى الحياة الآخرة، حين تتّحد روحها المباركة مع ابنها بالرّوح القدس. لذلك، ينبغي لنا أيضًا أن نصوم ونمجّدها، مقتدين بحياتها، متضرّعين إليها أن تصلّي من أجلنا. ويقول البعض، بالمناسبة، إنّ هذا الصّيام شُرِّع بمناسبة عيدين: عيد التّجلّي وعيد رقاد السّيّدة العذراء. وأنا أرى أيضًا ضرورة تذكّر هذين العيدين: أحدهما ينير دروبنا، والآخر يرحمنا ويشفع لنا.”
إنّ الصّوم الرّوحيّ وثيق الصّلة بالصّوم الجسديّ، كما أنّ روحنا متّحدة بالجسد، تخترقه، وتحييه، وتجعل منه كيانًا واحدًا متكاملاً، كما أنّ الرّوح والجسد يشكّلان إنسانًا واحدًاً حيًّا. لذلك، في صيامنا الجسديّ، يجب علينا في الوقت نفسه أن نصوم روحيًّا: “أيّها الإخوة، فلنصم في صيامنا الجسديّ أيضًا صيامًا روحيًّا، قاطعين كلّ صلة بالإثم”، كما تحثّنا الكنيسة المقدّسة.
جوهر الصّيام يتجلّى في ترنيمة الكنيسة التّالية: “يا نفسي، إن صمتِ عن الطّعام ولم تتطهّري من الشّهوات، فعبثًا نُعزّي أنفسنا بعدم الأكل. فإذا لم يُؤدِّ الصّيام إلى التّوبة، فإنّه يكون مكروهًا عند الله، وستكونين كالشّياطين الأشرار الذين لا يأكلون أبدًا.”



