26 يوليو 2026
لبنان

الرّاعي: لنرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة الطّوباويّ البطريرك الياس بطرس الحويّك أن يبارك لبنان بالسّلام والوحدة والاستقرار

ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي قدّاس الشّكر على تطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويّك، في الدّيمان.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان: “من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يبدّد” ( متّى 12: 30)، قال فيها:

“1. يضعنا إنجيل اليوم أمام مشهدٍ غنيٍّ بالمعاني. فقد أُحضر إلى يسوع رجلٌ ممسوس، أعمى وأخرس، أخرج منه الرّوح الشّرّير، فعاد يبصر ويتكلّم، وامتلأت الجموع دهشةً وهي تتساءل: “لعلَّ هذا هو ابن داود؟” أيّ المسيح الآتي. لكن، بدل أن يفرح الجميع بعودة إنسانٍ إلى الحياة، اختار بعض الفرّيسيّين أن ينكروا الحقيقة، فنسبوا عمل الله إلى بعلزبول، رئيس الشّياطين. عندئذٍ كشف لهم الرّبّ يسوع تناقض موقفهم، مبيّنًا أنّ المملكة المنقسمة على ذاتها لا تقوم، وأنّ إخراج الشّياطين إنّما هو إعلانٌ بأنّ ملكوت الله قد اقترب. ثمّ ختم تعليمه بتلك الكلمة الحاسمة: “من ليس معي فهو عليَّ، ومن لا يجمع معي فهو يبدِّد”.

يكتسب هذا الإنجيل معنىً أعمق، فيما نحن نلتقي في هذا الصّرح البطريركيّ الّذي شيّده البطريرك الحويّك لنحتفل بقدّاس الشّكر على تطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويّك. فها هو رجلٌ عاش حياته كلّها مع المسيح، وشعاره “إلهي رضاك”. فلم يبدّد، بل جمع؛ ولم يفرّق، بل وحّد؛ ولم يبحث عن مجدٍ شخصيّ، بل جعل من الحقيقة والإنسان والوطن رسالةً عاش من أجلها. ولذلك فإنّ تطويبه ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل هو شهادةٌ حيّة بأنّ الّذي يسير مع المسيح، يجعل الله منه نورًا لكنيسته، وبركةً لوطنه، ورجاءً لشعبه.

2. ولد الطّوباويّ الجديد في بلدة حلتا البترونيّة في 4 كانون الأوّل 1843، وتوفّي ليلة عيد الميلاد سنة 1931 عن ثمانٍ وثمانين سنة، قضى منها اثنتين وثلاثين سنة بطريركًا.

عندما قيل لوالدته إن ابنها انتُخب بطريركًا، أجابت: “جعل الله ذلك لخلاص نفسه، وخير الطّائفة، وحماه الله من المجد العالميّ. إنّي أخاف أن يجرّه مجد البطريركيّة إلى المجد الباطل، فيضطّر أن يتأسّف يومًا وهو في إبّان العظمة البطريركيّة، على بساطة حلتا وقداسة الحياة فيها. وختمت والدته فصلّوا لأجله”.

3. كان مجلّيًا وجدّيًّا وتقيًّا ومتعبّدًا للسّيّدة العذراء، منذ كان طالبًا في إكليريكيّة غزير، حيث تميّز بذكائه الحادّ وتعطّشه إلى المعرفة وبحسّه النّقديّ وحبّه للقراءة حتّى كان يقفز الصّفوف إذ بسنة واحدة أنجز برنامج 3 سنوات فلُقِّب بـ”أبو فشخة”.

ولمع بالأكثر في إكليريكيّة روما الحبريّة Propaganda Fide، حيث أعطى الكاردينال المشرف عليها هذه الشّهادة: “… ليس لي إلّا أن أثني جزيل الثّناء على ما تركه من القدوة الصّالحة في المسلك الذي سار عليه مدّة إقامته في هذه المدرسة، مثمّنًا المواهب السّنّيّة والصّفات الجميلة المزيَّن بها عقله وقلبه، ويختم الكاردينال. وبناءً عليه، فإنّي لا أرتاب بأنّ أعمال هذا الرّسول الجديد ستأتي بالنّفع الكبير على أبناء طائفته”.

٤. بعد رجوعه إلى لبنان في 9 آب 1870، كلّفه البطريرك بولس مسعد بتدريس اللّاهوت في إكليريكيّة القدّيس يوحنّا مارون في كفرحي. في سنة 1874 استدعاه البطريرك إلى بكركي وقلّده وظيفة أمين سرّ البطريرك ومحامي الوثاق في الدّيوان البطريركيّ، واستمرّ في الوظيفة 17 سنة. ثمّ رقّاه البطريرك مسعد، في 14 كانون الأوّل 1882، إلى الدّرجة الأسقفيّة كنائب بطريركيّ. وبعد وفاة البطريرك مسعد، اعتمده البطريرك يوحنّا الحاج نائبًا بطريركيًّا.

5. لقد تميّزت حياته بكونه رجل العناية الإلهيّة، ففيها وضع كلّ ثقته، ومنها استمدّ كلّ قوّته. فنجد في جميع كتاباته وأقواله هذه العبارة: “وما التّوفيق إلّا بالله وعليه الاتّكال”. ولطالما ردّد في أيّامه الصّعبة كلمة الرّبّ يسوع لبولس الرّسول: “تكفيك نعمتي” (2 قور 12: 9). وكلمة الرّبّ لإسحاق: “لا تخف فإنّي معك” (تك 26: 24).

وتميّز بأنّه “ملجأ الفقراء والمظلومين”. فأخذ على عاتقه محاربة كلّ أنواع الفقر والظّلم، حتّى لُقِّب “ببطريرك الفقراء”. وفي زمن المجاعة سنة 1916، بنتيجة الحصار الّذي فرضه العثمانيّون، وقد حصد ثلثي الشّعب اللّبنانيّ. عندها أمر البطريرك بفتح أبواب الكرسيّ البطريركيّ في الدّيمان وبكركي والأديار أمام ضحايا الجوع، لتوزيع الخبز مجّانًا. وأوكل إلى الأب بولس عقل (المطران فيما بعد) تحصيل المؤن القادمة سرًّا من جزيرة رودس سنة 1917، معرِّضًا حياته للخطر، وتوزيعها على المحتاجين.

وتميّز البطريرك الحويّك بالغيرة الرّسوليّة، كغيرة إيليّا النّبيّ الّذي اتّخذ اسمه. فاعتنى بالرّهبانيّات الّتي اعتبرها “حصن الكنيسة المارونيّة”، وبالمدارس الإكليريكيّة، وبمشاريع الإعمار والتّرميم، وبإنشاء المدارس، وبتأسيس ثلاث نيابات بطريركيّة: في القدس (1895)، والقاهرة (1909)، وباريس (1914). ومعبد سيّدة لبنان– حريصا (1905 – 1908).

6. من أهمّ إنجازاته تأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات مع الأخت روزالي نصر، ووضع قوانينها، مركّزًا على موهبتها الخاصّة، أيّ: الكمال الشّخصيّ، والأعمال الإنسانيّة، وتربية الفتيات على أسس الدّين والعلم والعمل. ولم تزل هذه الجمعيّة آخذة بالازدهار الرّوحيّ والاجتماعيّ منذ تأسيسها حتّى أيّامنا.

7. أمّا إنجازه السّياسيّ الأكبر فهو إسهامه في الحصول على دولة لبنان الكبير من مؤتمر الصّلح في باريس سنة 1919، فيما كانت فرنسا وبريطانيا تتقاسمان غنائم الحرب الكونيّة الأولى، وترسمان خريطة جديدة للغاية. فانتزع اللّبنانيّون، وعلى رأسهم الموارنة بقيادة البطريرك الحويّك، كيان وطنهم بحدوده الحاضرة. لقد استحقّوه بما عانوا من أجله منذ أخذهم بالمسيحيّة في حلّتها الأنطاكيّة السّريانيّة. وبالتّالي لم يُعطَ وطنهم كمنّة من أحد. فكلّفهم ذلك إرسال ثلاثة وفود رسميّة تمثّل جميع الطّوائف، إلى مؤتمر الصّلح في باريس، وكان الثّاني برئاسة البطريرك الحويّك بنفسه، والثّالث برئاسة نائبه البطريركيّ المطران عبد الله خوري. فقد وجَّه البطريرك مذكّرةً إلى المؤتمر في 25 تشرين الأوّل 1919، ضمَّنها أربعة مطالب:

المطلب الأوّل

1- الإعتراف للبنان بالاستقلال.

المطلب الثّاني

2- إعادة لبنان إلى حدوده التّاريخيّة والطّبيعيّة بإرجاع الأراضي الّتي سلختها عنه تركيا.

المطلب الثّالث

3- معاقبة المرتكبين والمسبّبين للقتل والفظائع، وإلزام الحكومة التّركيّة بالتّعويضات.

ورابعًا

4- المطالبة بالانتداب الفرنسيّ شرط ألّا يؤثّر على السّيادة المطلقة.

أيّها الإخوة والأخوات

​8. فلنخرج من هذا الاحتفال بعزمٍ متجدّد على أن نكون مع المسيح، وأن نجمع معه ولا نبدّد، وأن نجعل من حياتنا شهادةً للحقّ، ورسالةً للمحبّة، وعلامةً للرّجاء.

ولنرفع صلاتنا إلى الله، بشفاعة الطّوباويّ البطريرك الياس بطرس الحويّك، أن يحفظ كنيسته أمينةً للإنجيل، وأن يبارك لبنان بالسّلام والوحدة والاستقرار، ويمنح المسؤولين الحكمة والإخلاص، حتّى تستعيد الدّولة هيبتها، ويعلو سلطان الحقّ والقانون، ويبقى لبنان وطن أرض الرّسالة والحرّيّة والرّجاء.

باسم الثّالوث القدّوس، الآب والإبن والرّوح القدس. آمين.”