14 يوليو 2026
الفاتيكان

البابا يدعو من كاستل غاندولفو إلى سلام عادل ودائم

في الأحد الأوّل له في كاستل غاندولفو، لم يبخل البابا لاون الرّابع عشر بإطلالته على المحتشدين من سكّان البلدة والحجّاج، بل أطلّ عليهم ظهرًا وتلا معهم صلاة التّبشير الملائكيّ، محمّلًا إيّاهم زادًا روحيًّا على ضوء إنجيل مثل الزّارع، وداعيًا من الشّرفة البابويّة إلى سلام عادل ودائم مع هبوب رياح الحرب من جديد في الشّرق الأوسط.

وفي كلمته قبيل الصّلاة، قال البابا بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ: “أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأحد مُبارك!

يقدّم لنا الإنجيليّ متّى اليوم في اللّيتورجيا مَثَل الزّارع (راجع متّى 13، 1-23)، فيه يُبَيِّن لنا سخاء الله وثقته بالإنسان حين ينثر كلمته في قلوبنا، بقدرتها الفاعلة فينا.

يسوع نفسه، الكلمة الّذي صار بشرًا وبذل حياته من أجل خلاصنا، هو بذرة الحنطة الّتي يواصل الآب إلقاءها في العالم، لكي تعطي، إذا ماتت، ثمرًا كثيرًا (راجع يوحنّا 12، 24). هذا صحيح، قد يَلقَى البَذرُ أحيانًا فينا أرضًا قاحلة لا حياة فيها، وأحيانًا أخرى قد نكون مشتّتين، مثل الأرض الّتي يدوسها النّاس في الطّرقات، أو الأرض الحَجِرة، أو المليئة بالشّوك. غير أنّ هناك لحظات يجد فيها يسوع فينا أرضًا منفتحة وخصبة، وإذّاك تنطلق عجائب المحبّة القادرة على تغيير كلّ شيء آخر، كما اختبرنا ذلك نحن أيضًا بالتّأكيد في حياتنا. لهذا لا يتوقّف الآب عن زرع البذار، لأنّه يعلم أنّ قدرة محبّته أقوى من ضعفنا (راجع 2 قورنتس 12، 9-10).

قال القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ، وهو يشير إلى “بِذار” الإيمان: “كيف يُعقَلُ أن تُزرع بِذار كلمة الله بين الأشواك، أو في أرض حَجِرة، أو على الطّريق؟ إذا نظرنا إلى البِذار والأرض، فهذا الأمر غير معقول، أمّا إذا نظرنا إلى النّفوس وإلى تعليمها من قبل الله، فهذا أمرٌ جدير بكلّ مديح” (عظات في إنجيل متّى، 44، 3)، لأنّه يمكن أن “يتحوّل المكان الحَجِر، بين يدَي الله، ويصير أرضًا خصبة، ويمكن ألّا يبقى الطّريق مداسًا ولا معبرًا لكلّ عابر، بل يصير تربة غنيّة، وتُزال الأشواك، فتنعم البِذار بتربة في غاية الأمان” (المرجع نفسه).

سخاءُ الله في عطائه لنا ليس سذاجة، بل هو حكمة، وهو يعرف كيف يكتشف فينا إمكانيّة الخير الّتي قد لا ندركها نحن أنفسنا أحيانًا. لذلك فإنّ الله، الّذي يعرف جيّدًا تربة قلوبنا معرفة تفوق معرفتنا لها، لا يكُفُّ عن الثّقة بنا، وبما نحن عليه، وبما يمكننا أن نصير إليه، يومًا بعد يوم، إن سلّمنا أنفسنا له بإيمان.

هكذا، من عطاء البِذار المجّانيّ والثّقة الّتي يُنثر بها، ومن التّواضع والاستعداد اللّذين يُستقبل بهما، تنمو فينا وتنتشر ثمار الرّوح القدس، وهي كما يُعلّمنا القدّيس بولس: “المَحَبَّةُ والفَرَحُ والسَّلامُ والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاقِ والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف” (غلاطية 5، 22). ما أشدّ حاجة عالمنا إلى هذه الثّمار: أن يمتلئ بها ويتبدّل بفضلها!

لنلتزم إذًا، ولاسيّما في أيّام العطلة هذه، ونخصِّص وقتًا للإصغاء إلى كلمة الله، وقراءتها والتّأمّل فيها، فننمّي، إلى جانب الرّاحة والتّرفيه السّليم، لحظات مهمّة للصّمت والصّلاة. وسوف نعود إلى أعمالنا المعتادة متجدّدين في الجسد والرّوح، ومستعدّين لنُعلن بُشرى الإنجيل السّارّة، وأكثر قدرة على التّعاون في نموّ ملكوت الله.

لتساعدنا في هذا مريم العذراء، ملكة الرّسل ونجمة البشارة.”

وبعد صلاة التّبشير الملائكيّ، ومع عودة التّوتّرات في الشّرق الأوسط وأوكرانيا وبلدان عديدة، قال البابا:

“أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!

أحيّي سكّان هذه البلدة الجميلة، كاستل غاندولفو، حيث أمضي بعض الأيّام للرّاحة، وأرحّب بكم جميعًا بسرور، أنتم الحجّاج القادمين من كلّ أنحاء العالم!

للأسف، عادت رياح الحرب تهبّ على الشّرق الأوسط، وأكرانيا، والعديد من مناطق العالم الأخرى، وتنشر العنف والرّعب والموت، وتحصد، مرّةً أخرى، أرواح كثير من الأبرياء. لا نترُكْ هذه الرّياح تطفئ شعلة الرّجاء والسّلام، حتّى وإن بدت واهنةً ومتأرجحة.

أجدّد أمنيتي بأن يتمّ السّعي بثبات إلى طريق الحوار، واللّقاء، والدّبلوماسيّة، فهو الطّريق الوحيد القادر على أن يقود إلى سلام عادل ودائم، تتمكّن فيه الشّعوب من أن تعيش متصالحةً، في أمنٍ متبادل واحترامٍ لكرامة كلّ إنسان.

اليوم يُحتفل بـ”أحد البحر”. أفكّر في جميع البحّارة، والصّيّادين، وعمّال الموانئ في العالم، الّذين يسندون، بعملهم الدّؤوب والصّامت، حركة التّجارة وحياة شعوب كثيرة، وقد أثقلتهم مرارة البعد عن أحبّائهم، وأحيانًا الخوف من النّزاعات الّتي تعبر طرق البحر.

أخيرًا، أضمّ صلاتي إلى صلاة المؤمنين البولنديّين الكثيرين، المجتمعين في الحجّ السّنويّ أمام أيقونة “ياسنا غورا-Jasna Góra” (الجبل المنير)، لكي يكونوا “تلاميذ مُرسَلين” وشهودًا فرحين للإنجيل.

أتمنّى للجميع أحدًا مُباركًا!”.