16 يونيو 2026
أوروبا

البابا عشيّة عيد قلب يسوع: لنحمِل رحمته وسلامه لكي تتوقّف الحروب في العالم

في عشيّة عيد قلب يسوع الأقدس، ترأّس البابا لاون الرّابع عشر الذّبيحة الإلهيّة في استاد غران كاناريا بمدينة لاس بالماس، بمشاركة حشود غفيرة من المؤمنين.

خلال القدّاس، ألقى البابا استهلّها شاكرًا الله على أعمال الخير اليوميّة الّتي تشهدها هذه الأرض، داعيًا إلى الصّلاة معًا من أجل الضّحايا الّذين فقدوا حياتهم في البحر.

وقال البابا بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ: “أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، بعد يومٍ حافل باللّقاءات والمشاركة، والاحتفال معكم في هذه الإفخارستيّا، أودّ أوّلًا أن أشكر الرّبّ يسوع على الخير الكثير الّذي يُصنَع هنا كلّ يوم، وأن أوكل إليه التزام الجميع وفي الوقت نفسه الآلام الّتي تشهدها هذه الأرض. أدعوكم أيضًا إلى أن نصلّي معًا، في هذا القدّاس الإلهيّ، من أجل نفوس الإخوة والأخوات الّذين فقدوا حياتهم في البحر.

كلّ ذلك نضعه على المائدة المقدّسة مع الخبز والخمر، بينما ندخل بالاحتفال المسائيّ لعشيّة عيد قلب يسوع الأقدس، الّذي كرِّست له كلّ إسبانيا. لنطلب إلى الرّبّ يسوع أن تكون حيّةً فينا، في هذه اللّحظة، مشاعر الإنسانيّة والرّحمة والرّأفة نفسها الّتي تملأ قلب المخلِّص.

يمكننا أن نستعين، في تأمّلنا، بالقراءات التي أصغينا إليها.

في القراءة الأولى، الله يذكّر بني إسرائيل بالمجّانيّة الّتي أحبّهم بها. فقد اختارهم لا لأنّهم يتمتّعون بامتيازات أو مواهب أو استحقاقات خاصّة، بل بدافع المحبّة الخالصة (راجع تثنية الاشتراع 7، 7-9)، وسيستمرّ في محبّتهم دائمًا، حتّى عندما لا يبادلون مشاعره بالمثل بسبب قساوة قلوبهم.

هذه هي محبّة الله الّتي تتجذّر فيها دعوتنا إلى المحبّة: فهي لا تقوم على الحسابات، ولا على الإحساس فقط، ولا يمكن اختصارها في مجرّد عمل محبّة، بل هي محبّة تتغلغل في كلّ كياننا: نارٌ للنّفس، ونورٌ للعقل، ودافعٌ لا يُقاوَم للحرّيّة، وسلامٌ وفي الوقت نفسه قلقٌ للقلب، الّذي ينبض بتناغم مع قلوب أخرى، يشمل كلّ الإنسان. لأنّ المحبّة أمرٌ متأصّل في طبيعة الإنسان، بل هي شرط اكتمال حياته.

هكذا تبدو لنا المحبّة في إنسانيّة المخلِّص وفي خفقات قلبه الأقدس: ثابتةً ومُخلصة حتّى أمام سوء الفهم والرّفض، والخوف، والحزن، والمقاومة البشريّة (راجع لوقا 22، 39-46).

وفي وجه الله الّذي ”يحبّ“ دائمًا، ويريد دائمًا وبصورة كاملة خيرنا ومِلْءِ سعادتنا، نعرف طريق الحياة، ونتعلّم أسلوبًا جديدًا في الحياة وفي بناء العلاقات، ومعيارًا مختلفًا لتقييم خياراتنا، ونهجًا متجدّدًا ومجدّدًا لصنع الوَحدة والشّركة. قال البابا فرنسيس في هذا، وهو يتكلّم على محبّة المسيح، إنّ “أفضل جواب لمحبّة قلب الله هي محبّة الإخوة” (الرّسالة البابويّة العامّة، لقد أحَبَّنا، 24 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024، 167)، وأضاف: “لا يوجد عمل أكبر يمكننا أن نقدّمه له لنبادله الحبّ بالحبّ” (المرجع نفسه). ”لنبادله الحبّ بالحبّ“: هذا هو التّبادل العجيب، “يَا لَهُ مِنْ تَبَادُلٍ عَجيب!” (راجع صلاة الغروب الأولى لعيد مريم والدة الله، الأنتيفونة الأولى)، الّذي يدعونا الإنجيل إلى أن نشترك فيه، ونترجم المقياس اللّامتناهي لمحبّة الله بالسّخاء الّذي نخدمه به كلّ يوم في الإخوة والأخوات الّذين يضعهم هو نفسه على مسيرتنا، ولاسيّما الّذين هم أشدّ حاجةً، وضُعفًا، والعاجزين عن الرّدّ بالمِثِل (راجع لوقا 6، 32-36). تمامًا كما يحدث في هذه الجزيرة، في الاستقبال والمشاركة والعطاء المجّانيّ.

غير أنّ مجّانيّة قلب المسيح لا تقف عند هذا الحدّ، بل تتجاوزه، وتلتزم بمساعدة كلّ إنسان لا على البقاء حيًّا فحسب، بل أيضًا على استعادة الثّقة واستئناف المسيرة، لكي ينمو ويزهر بفرادته، من أجل خير الجميع. في هذا، كتب البابا بندكتس السّادس عشر أنّ المحبّة “الّتي صارَ لها يسوعُ المسيحُ شاهدًا بحياتِهِ الأرضيّةِ […] هي القوّةُ الأساسيّةُ الّتي تعطي دفعًا للتنميةِ الحقيقيّةِ لكلّ شخصٍ وللبشريّةِ جمعاء” (الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقّ، 29 حزيران/يونيو 2009، 1).

في القراءة الثّانية، ذكّرنا القدّيس يوحنّا أنّ “اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَمِ لِنَحْيا بِه” (1 يوحنّا 4، 9). كلامه يذكّر بكلام يسوع الّذي قال إنّه أتى لكي تكون لنا الحياة وتكون لنا بوفرة (راجع يوحنّا 10، 10)، والّذي قال للمُقعد الّذي شفاه: “قُمْ فَاحمِلْ فِراشَكَ وَامشِ” (مرقس 2، 9). في هذه التّعابير نرى الدّعوة إلى أن نعانق المتألّمين بصورة والديّة، وفي الوقت نفسه إلى أن نُساعد الجرحى ونشجّعهم على النّهوض واستئناف السّير نحو حياة حرّة وكريمة.

مع ذلك، يجب ألّا تكون محبّتنا مجرّد مساعدة، بل يجب أن تهدف إلى دمج النّاس وتحقيقهم الكامل لأنفسهم- روحيًّا وفكريًّا وجسديًّا- وإلى إدماجهم إدماجًا كريمًا وبنّاءً في الجماعة (راجع الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة، 3 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، 129). إذّاك فقط يصير لقاؤنا، حتّى في مواجهة الأحداث الصّعبة والمؤلمة، فرصةً لنزرع بذار الرّجاء في مسيرة البشريّة نحو مستقبل أفضل.

أودّ أن أتوقّف أيضًا، في ضوء كلمة الله الّتي أصغينا إليها، عند ميزة أخيرة في قلب المسيح: التّواضع (راجع متّى 11، 29). قلب يسوع متواضع، ولذلك لا يسمع نبضاته ”الأذكياء“ و”الحكماء“، أيّ الّذين يتوهّمون بأنّهم يكتفون بأنفسهم، ويعرفون كلّ شيء، وأنّهم لا يحتاجون إلى الله ولا إلى الآخرين. في الواقع، هؤلاء، الّذين يصمّهم صدى الـ”أنا“ الزّائدة عن حاجتها والحاضرة في كلّ مكان والمضطربة، يفتقرون إلى الصّمت الضّروريّ لكي يسمعوا في أنفسهم وفي إخوتهم، خفقان المحبّة الخفيّ.

“التّرف كثيرًا ما يجعلنا عميانًا، فنظنُّ أنّا لا يمكننا أن نحقّق سعادتنا إلّا بالاستغناء عن الآخرين” (الإرشاد الرّسوليّ، لقد أَحبَبتُكَ، 4 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025، 108). أمّا يسوع فيعلّمنا، عكس ذلك، أنّه لكي نتذوّق فرح الحياة الحقيقيّ، الّذي هو في المحبّة، يجب علينا أن ننزل عن عروش الغرور الّتي تفرّق، لكي نلتقي بالتّواضع الّذي يجعلنا إخوة.

قال القدّيس أغسطينس: “حيث توجد المحبّة يوجد السّلام، وحيث يوجد التّواضع توجد المحبّة” (في رسالة يوحنّا إلى البارثيّين، المقدّمة). وهذا صحيح تمامًا. فحيث يوجد التّواضع الحقيقيّ توجد المحبّة، وحيث توجد المحبّة يوجد السّلام، لأنّنا في التّواضع فقط نعرف حقًّا من نحن، وبذلك نستطيع أن نحبّ بعضنا بعضًا، ونلتقي بعضنا مع بعض، ونبذل أنفسنا، ونغفر بعضنا لبعض في الحقيقة.

أيّها الأعزّاء، اليوم نسجد لقلب يسوع الأقدس، الّذي نصوّره مرارًا متوَّجًا بالشّوك ومتّقدًا باللّهيب، بحسب رؤى القدّيسة مرغريتا ماريّا ألاكوك (Margherita Maria Alacoque). لنتذكّر أنّنا الحضور الحَيّ للربّ يسوع في العالم (راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، الدّستور العقائديّ، نور الأمم، 16 تشرين الثّاني/ نوفمبر 1964، 8). لذلك، لينظر بعضنا إلى بعض، لا في هذا اليوم فحسب بل دائمًا، باحترامٍ وثقة، ولنجدّد، في ضوء هذا الوعي، التزامنا بأن نتمّم فينا، بالمحبّة، ما ينقص لآلام المسيح من أجل خير الكنيسة (راجع قولوسي 1، 24). وباتّقادنا بمحبّة قلبه، لنحمِلْ رحمته وسلامه، لكي تتوقّف الحروب في العالم، ولتنمُوَ حولنا إنسانيّة جديدة، متصالحة في المحبّة.”